رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
حوارات
الأحد 24/نوفمبر/2019 - 11:02 م

رئيس الملتقى العالمى للتصوف : صورة الإسلام فى العالم الغربى «قاتمة» ونحتاج للحوار - حوار

رئيس الملتقى العالمى
حوار: عمرو رشدى
aman-dostor.org/28550

قال الدكتور منير القادرى بودشيش، رئيس الملتقى العالمى للتصوف فى المغرب، المتحدث الرسمى باسم الطريقة القادرية البوديشيشية، إن الصوفى لم يعد الزاهد الذى يجلس فى المسجد منعزلًا عن الناس، بل أصبح «ابن عصره» الذى يشارك فى البناء وقضايا التنمية. وأوضح «بودشيش»، فى حواره مع «الدستور»، أن الصوفية المعاصرة ترحب بالدخول فى جميع المجالات، الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية، ولا يوجد ما يمنع أن يكون الصوفى وزيرًا أو سفيرًا. وشدد على أن أهم مبادئ الطريقة القادرية البوديشيشية هى الأخلاق، فخوض «التجربة» يستدعى أن يكون المتصوف «أخلاق تمشى على الأرض»، ومن هذا المنطلق يمكن المساهمة فى المشروعات التنموية، حيث يكون الإنسان فى هذه الحالة «قطب نفسه» فإذا صلح المريد صلحت معه المشروعات.

■ بداية.. كيف ترى من يعتبر الصوفية تخالف أصل الدين؟
- التصوف أساسه الدين، ولا يمكن فصله بأى حال من الأحوال عن الكتاب والسنة، وكان سيدى حمزة البودشيشى، قدس الله سره، يقول دائمًا: «كل كلام السادة الصوفية مُستوحى من الكتاب والسنة».
والصوفيون يعتمدون على مقام «الإحسان» فى كل حركاتهم وهمساتهم وتعاملاتهم، وحتى المستشرقون فى البداية أرادوا أن ينتزعوا هذا البعد الروحى من الإسلام لكن لم ينجحوا فى ذلك، لأن أهل التصوف كانوا متيقظين لذلك الأمر جيدًا.
كما أن الطرق الصوفية توصف بأنها «مصحات» تعالج الناس من أمراض العصر، فعندما يأتى الناس إلى بلدة صغيرة اسمها «مداغ»، ويجدون راحتهم فيها، فهذا يؤكد أن الراحة والطمأنينة موجودة عند أهل الصوفية، فالتصوف هو غذاء الروح، والغذاء الروحى أهم من غذاء الجسد، لذلك يسعد الناس عندما يتعرفون على التصوف، لحاجتهم الماسة للبعد الروحى.
■ ما المبادئ التى تقوم عليها الطريقة القادرية البودشيشية؟
- حقيقتها علم وعمل، وقصدها تصفية النفس من الأمراض والقاذورات والأدران، حتى تلقى الله بقلب سليم. لذلك تعلم الطريقة مريديها أن التصوف ليس عبادة الأشخاص، بل هى أخلاق فى المرتبة الأولى، فمن زاد عنك فى التصوف زاد عنك فى الأخلاق. وشيخ الطريقة القادرية البودشيشية، مولانا الشيخ جمال الدين القادرى بودشيش، يعلمنا دائمًا الأدب ومحبة الآخر، والاجتهاد فى عملنا خلال حلنا وترحالنا، لأن الله، عز وجل، يراقبنا فى جميع أحوالنا.
وتعمل «القادرية البودشيشية» مع الطرق الصوفية الأخرى، ولا تفرض وصاية على أحد، لكنها تعمل بكل ما أوتيت من قوة، ومريدوها يعلمون جيدًا دورهم. وهذا العام شارك قرابة ٣٠٠ ألف مريد أو ما يزيد فى فعاليات الملتقى العالمى للتصوف، ما يؤكد قوة الطريقة فى الداخل والخارج.
ولم تجد «القادرية البودشيشية» الطريق أمامها مفروشًا بالورود، بل اجتهدت وصبرت وعملت ليل نهار من أجل أن تصل لما وصلت إليه حاليًا، وهى تحمل على عاتقها أعباء وطموحات أهل التصوف، لذلك عندما يأتى أى مريد صوفى من دول أخرى ويرى الطريقة والنظام الخاص بها، يقول: «نتمنى أن تصبح طريقتنا مثل طريقتكم».
■ لماذا اختير موضوع «التصوف والتنمية» ليكون عنوان الملتقى العالمى للتصوف فى دورته الـ ١٤ بالمغرب؟
- يعود الفضل فى اختيار هذا العنوان إلى مؤسسة الملتقى، والطريقة القادرية البودشيشية، اللتين عكفتا ليل نهار من أجل خروج الدورة الـ١٤ بهذه الصورة، مع استضافة باحثين ومختصين فى الفلسفة والفكر الإسلامى و«الأنثروبولوجيا».
والسبب فى اختيار عنوان الملتقى هذا العام هو الرغبة فى تأكيد أن الصوفى «ابن عصره»، وأنه يختلف عن صوفى الأمس، فلم يعد المتصوف هذا الرجل الذى يجلس فى الزاوية أو المسجد أو الساحة يعبد الله فقط، وينعزل عن الناس، بل صوفية اليوم حاضرة بقوة فى جميع المجالات، سواء الاقتصادية منها أو الاجتماعية أو حتى السياسية.
ولا توجد مشكلة فى أن يصبح الصوفى سفيرًا أو وزيرًا أو رئيس دولة، كما أن أهل التصوف لهم دور أصيل فى التنمية، فلو عدنا للوراء لوجدنا شيوخ وأقطاب التصوف، جميعهم كانوا يعملون وينتجون من أجل رفعة مجتمعاتهم.
■ ما الرسائل الأساسية التى وجهها الملتقى؟
- كثيرة، أهمها أن نبنى خطابًا جديدًا للإسلام منسجمًا مع قضايانا وسياقاتنا، وألا يكون التصوف منعزلًا، وأن يكون الصوفى طبيبًا ومهندسًا وأستاذًا وسفيرًا ووزيرًا، وأن يكون قيمة مضافة لمجتمعه، ويتواصل مع الجميع بمحبة واحترام، دون إقصاء، وبسلم وسلام. وكذلك جمع كلمة أهل التصوف حول العالم الإسلامى، والعمل على أن تكون الصوفية يدًا واحدة لمواجهة الأفكار المخالفة لصحيح الدين الإسلامى، بجانب إطلاق يد الصوفية فى جميع المشروعات التنموية والاجتماعية والاقتصادية، وتوجيه رسالة إلى حكومات وشعوب العالم: «ابتغوا الخير فى التصوف، فهو قادر على أن يحافظ على المجتمعات من كل شر».
■ البعض يعتقد أن التنمية تعتمد على الجانب المادى فقط.. كيف يُسهم البعد الروحى فى تحقيق التنمية والبناء؟
- لا تنمية حقيقية دون وجود بعد روحى، فالجانب المادى لا يُسهم وحده فى التنمية والبناء والتطوير، لكن الجانب الروحى أكثر أهمية، لأنه لا تنمية دون أخلاق، ولا أخلاق دون بعد روحى وجهاد للنفس. والتجربة الصوفية يكون فيها الإنسان «أخلاق تمشى على الأرض»، والتصوف أوله علم وأوسطه عمل وآخره فضل وموهبة، والصوفية تصنع الرجال، وكل مشروع تنموى يكون فيه الإنسان «قطب» نفسه وإحساسه، فإذا صلح هذا الإنسان صلحت المشروعات التنموية، وصارت تعطى الثمار، ثمار الخير والازدهار.
■ كيف يمكن أن يواجه التصوف الأفكار المتشددة وظاهرة «الإسلاموفوبيا»؟
- التصوف لا يخدم أجندات معينة، فالصوفيون لا يلعبون لصالح الولايات المتحدة أو أوروبا، أو يواجهون التطرف نيابة عن أحد، بل إن الصوفى منسجم مع مقاصد وتعاليم الشريعة، وهى البحث عن الأخلاق، والبعد الإحسانى، وأحسن كما أحسن الله إليك، وأن تجعل من العدو صديقًا.
و«الإسلاموفوبيا» ناتج عن إسلام بعيد عن حقيقة الإسلام، لأن الإسلام «يُسر لا عُسر»، و«بشِّروا ولا تُنفروا»، والإسلام مقصده الأخلاق، وأقرب الناس إلى الله أنفعهم للناس، والمسلمون يجب أن يكونوا سفراء لهذه الأخلاق، مع تجسيد معانى القرآن الكريم.
صورة الإسلام فى العالم الغربى «قاتمة»، وأنا عضو فى مجلس الديانات الفرنسى، وعندما نذكر الإسلام تحدث أزمة كبيرة، لأنه طبعت لديهم صورة سيئة عن الدين، لذلك يجب علينا جميعًا- بشكل عاجل- أن نكون سفراء للإسلام بتحسين صورة الدين وفهمه.
■ ما مفهوم تجديد الخطاب الدينى من وجهة نظر الصوفية؟
- مفهوم تجديد الخطاب الدينى لدى الصوفية هو فقه الأخلاق وحوار الأديان، وهو جانب مُهم من الجوانب التى أغفلها العلماء والباحثون والمفسرون، لأنه يساعدنا على أن نبيِّن للآخر أن ديننا يحترم الجميع، لذا الحل الوحيد لتجديد الخطاب هو الحوار مع أصحاب الديانات الأخرى، حتى نَخرج بحلول نهائية، ونوضح للطرف الآخر وجهة نظرنا، وماذا نقصد.