رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
حوارات
الأحد 24/نوفمبر/2019 - 05:36 م

بدرى المدنى: رسول الله هو أول صوفى فى التاريخ... (حوار)

بدرى المدنى تونس
بدرى المدنى تونس
حوار:عمرو رشدى
aman-dostor.org/28540

«التصوف هو تصفية الباطن والنفس والروح بكل ما يقرّبها إلى الله».. هكذا يرى الدكتور بدرى المدنى، القيادى الصوفى التونسى، الداعية الأول بوزارة الأوقاف فى تونس، الوجه الحقيقى للتصوف، بعيدًا عن أى تشوهات أصابت بعض الطرق فى بلاده.


ويرسم «المدنى»، فى حواره التالى مع «أمان»، خريطة الطرق الصوفية فى تونس، وكيفية تصديها لتجديد الخطاب الدينى، وغيرها من القضايا.

■ ما خريطة الطرق الصوفية فى تونس وأدوارها؟

- هناك أنواع عدة من الطرق الصوفية، بينها طرق منعزلة ومنكمشة تقدس مشايخها، ولا ترتكز على العلم، وشيوخها بعيدون تمامًا عن العلم والتصوف الحقيقى، ولا علاقة لها بالمجتمع وحياة الناس، وربما انحصر دورها فى تحفيظ القرآن فقط، والتركيز على السماع والذكر وقراءة الأوراد والحديث عن الشيخ والشيوخ، وأخرى معتدلة، ومن أمثلتها الطريقة «المدنية»، وذلك ليس تحيزًا لها باعتبارى من أتباعها، لكن هى طريقة بُنيت على العلم والتواجد فى جميع المناسبات، والحضور بقوة فى الدولة التونسية.

وللطريقة «المدنية» تابعون يحبون الانعزال والبعد عن معترك الحياة، وقيادات يظهرون فى الإعلام، ويتحدثون بشكل دائم فى الملتقيات الدينية الكبرى، ويشاركون فى قضية تجديد الخطاب الدينى، ويتواجدون على المنابر، ويحاولون تقديم التصوف الصحيح للناس.

ومن الطرق فى تونس نجد «العيساوية، والقادرية، والهبرية، والمدنية الشاذلية، والقادرية البودشيشية، والتيجانية، وغيرها».

■ هل بالفعل تحولت بعض الطرق الصوفية فى تونس إلى طرق «فلكلورية»؟

- نعم، ومن بين هذه الطرق «العيساوية» التى جاءتنا من «مكناس» فى المغرب، وشيخها ومؤسسها رجل عالم، ثم تحولت لطريقة «فلكلورية» لا تعرف سوى الرقص والطبل والزمر، واللعب بالنار والثعابين، وهذا بالطبع شوه صورة التصوف الإسلامى، وجعل التصوف ينظر إليه نظرة غير سوية.
لذلك نحن نقول إن مَنْ أضاع التصوف هم أهله، والسبب الرئيسى الذى أدى إلى ذلك هو إهمال الجانب العلمى، فمنذ العام ١٩٥٧ حينما أغلقت جامعة «الزيتونة» أبوابها أمام علم الصوفية تراجعت الصوفية لصالح السلفية.

■ كيف واجهت صوفية تونس بشكل عام و«المدنية» بشكل خاص الخطاب الدعوى المتطرف؟

- من خلال زواياها ومساجدها وخطبائها ودعاتها الموجودين فى جميع عموم تونس. وبالنسبة لـ«المدنية»، فهى اعتمدت على الإعلام فى نشر الفكر الصوفى الوسطى، وتعريف الناس بحقيقة التصوف، خاصة أن التيارات السلفية حاولت خلال الفترة الماضية تشويه صورة أهل التصوف، لكنها لم تنجح، لأن التصوف فى تونس محبوب من الناس، ونحاول تعريفهم بالخطاب الروحى المتميز.

وفى مراحل معينة كان هناك صدام مع السلفية وغيرها، لكن هذا الصدام خفتت حدته فى الفترة الأخيرة، لأن هذا الفكر تسبب فى حدوث عمليات إرهابية، وأصبح هناك تصد أمنى له، وضيق الأمن الخناق عليه، وبالتالى أصبح لأهل التصوف عمومًا حرية فى الحركة والإسهام فى بناء المجتمع.

■ هل بالفعل هناك طرق صوفية تقودها نساء لديكم؟

- نعم بالفعل هذا الأمر موجود لدينا، لكن للأسف هذه الطرق تكون بعيدة جدًّا عن الجانب الشرعى، وهذه عملية استفزازية وأنا أسميهم «طرق التسول فى التصوف»، وليست طرقًا صوفية، الأمر الآخر، هو أنه لا يوجد مجلس أعلى للتصوف أو مؤسسة تتحكم فى مقاليد أمور الطرق الصوفية، لأن كل من هب ودب يُنشئ طريقة، وهذا أمر أراه من وجهة نظرى أضر التصوف أكثر من نفعه، وعلى ذلك نحن نطالب أهل التصوف دائمًا بالتكاتف ومنع هذه الأمور السيئة التى تشوه صورة التصوف والصوفيين.

■ هل مؤسسات الدولة التونسية تتحكم فى الطرق الصوفية أم لا؟

- الدولة التونسية ومؤسساتها لا تتدخل فى الشئون الخاصة بالطرق الصوفية، فأكثر هذه الطرق لا يعمل وفق نظام الجمعيات أو مؤسسات رسمية، ونحن طالبنا الدولة كثيرًا بإنشاء مجلس للطرق الصوفية، أو اتحاد، لكن ذلك لم يحدث للأسف، ونحن نطالب بذلك لتوحيد الصفوف، فما زال الجسد الصوفى متشرذمًا فى تونس، خاصة أن بعض الطرق تحب نفسها أكثر من الطرق الأخرى، وهذا يولد كراهية بين الطرق وبعضها البعض.

■ هل استطاعت الطرق الصوفية التونسية تقديم خطاب دينى متجدد؟

- يصعب ذلك، لأن ٨٠٪ من صوفية تونس لا علاقة لهم بالعلم، وبالتالى من ليس له علاقة بالعلم، لا يستطيع أن يقدم خطابًا دينيًّا راشدًا أو مرشدًا، بخلاف الطريقة «المدنية» التى تنتهج الجانب العلمى، خاصة أن معظم أتباعها خطباء وعلماء، وهذا ما جعلها أكثر الطرق الصوفية التونسية علمًا، حتى فى جانب الدروس والجلسات العلمية نجعل النصيب الأكبر للدرس العلمى والنصيب الأصغر للسماع.

■ أثار تصريحك بأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أول صوفى ضجة كبيرة فى تونس.. أما زلت مصرًّا عليه؟

- حقيقة أقولها دائمًا، ولن أتراجع عنها، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، كان أول صوفى فى التاريخ، وغار حراء أول زاوية صوفية، ومصادر التشريع تقول إنّ أوّل نبى ورسول هو سيدى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وما دام الأمر كذلك فهو أول مؤمن بصريح الآية القرآنية، ثمّ دخل الإيمان بقية القلوب تباعًا.

قال عزّ وجلّ: «آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ، كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ، وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»، البقرة٢٨٥. وقد اصطلح على الإيمان بمفردات أخرى من نفس العائلة مثل التوحيد والعقيدة والتصديق واليقين والفقه الأكبر وعلم الكلام وغيرها، فسيدى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أول موحّد وأول معتقد وأول مصدّق وأول متيقن، وهو أول مسلم، وأوّل محسن، وأشرف مخلوق، وأكثر من تجمّل بالحسن والإحسان.

واصطلح على مقام الإحسان بالتصوّف، فالتصوف حقيقة هو تصفية الباطن والنفس والروح بكل ما يقرّبها إلى الله، والتصوف جزء لا ينفصل عن الدين ولا يقام الدين إلا به.

لذا سيدى رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، أول محسن وأول مرب وأول معلم وأول حكيم وأول مزكٍ وأول عابد وأول صوفى، وما دام هو أول صوفى فأول زاوية هى «غار حراء»، حيث فيها تعبّد وناجى ربّه وصفّى روحه، وفيها نزل عليه الوحى، وجاءت «اقرأ» بعظمتها وعظمة المولى تعالى وعظمة جبريل، عليه السلام، وعظمة البعثة المحمدية، وعظمة رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، لتكون بداية الرحلة نحو التوحيد والمحبة والنور.

وثانى زاوية هى «غار ثور»، وفيها كان المعلّم، صلّى الله عليه وسلم، ومعه صاحبه الصديق، رضى الله عنه، المريد الصادق والتلميذ النجيب، لتكون بداية الرحلة نحو المدينة المنوّرة ونحو العالمية والتأسيس والتوسّع.