رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
حوارات
السبت 19/أكتوبر/2019 - 03:02 م

صحفي عراقي يكشف قصة تظاهرات العراق وتدخلات الإخوان وداعش.. "حوار"

صحفي عراقي يكشف قصة
أحمد الجدي
aman-dostor.org/27660


علي البيدر: تظاهرات العراقيين منطقية وشرعية.. وسببها الظروف المعيشية الصعبة جدًا

داعش لن يعود للعراق مرة أخرى.. والتنظيم فشل في استغلال التظاهرات لخدمة أغراضه

"إخوان العراق" ليس لهم أي دور في المشهد.. وتواجدهم فقط على منصات التواصل الاجتماعي

علي البيدر، كاتب صحفي عراقي بارز، أصبح ضيفا على معظم الشاشات العربية والدولية، متحدثا عن الأحداث المشتعلة حاليا في بلاده، والتي كانت عبارة عن تظاهرات قوية جدا للمطالبة بإسقاط النظام بشكل كامل.
البيدر يروي، في السطور القليلة القادمة، شهادته على التظاهرات العراقية وأسبابها وداعميها ومعارضيها، كما يكشف حقيقة استغلال داعش تلك التظاهرات لإعادة هيكلة التنظيم من جديد بعد سقوطه الكبير في العراق، وأخيرا دور جماعة الإخوان الإرهابية في المشهد الحالي.

* أولا كيف ولماذا اندلعت تظاهرات العراق؟

- المتتبع للمشهد العراقي منذ العام 2003 سيلاحظ أن التظاهرات لم تكن وليدة اللحظة فقد اندلعت بأوجه مختلفة، بعضها كان سياسيا بامتياز كما في تظاهرات العام 2015، عندما دخل المتظاهرون مبنى البرلمان، فيما كان الآخر منها للمطالبة بحقوق مشروعة لا تزيد عن محاربة الفساد وتوفير الخدمات وإيجاد فرص عمل للشباب الذين غصت بهم المقاهي رغم امتلاكهم مؤهلات مهنية وأكاديمية، لكن الأداء الحكومي تعثر في إيجاد فرص عمل لهم بسبب المحاصصة، فبدأوا بانتقاد ذلك الاداء عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام، إلا أن تشخيصهم هذا لم يجبر الحكومات على إصلاح واقع الحال، ما اضطرهم الى الدعوة للتظاهر والمطالبة بقضايا ذهبت الى تغيير النظام القائم؛ كون هذا النظام، وحسب المتظاهرين، أسهم في إحداث شرخ مجتمعي عبر تكوينه طبقات مجتمعية، بعضها مسحوق والأخر أثرى على حساب المال العام، فالتظاهرات في العراق حدثت نتيجة تراكمات سابقة يتقدمها العامل الاقتصادي، المتمثل بارتفاع نسبة العاطلين عن العمل والظلم والقهر المجتمعي، ناهيك عن الأخطاء السياسية والأداء الحكومي الذي أخذ في التراجع حتى نفد صبر المجتمع الذي أيد المتظاهرين سرا وجهرا بعد أن وُضعت السلطة بيد طبقات محددة احتكرتها بطريقة حزبية وفئوية ضيقة.
كما أن الملاحظات الشعبية وبعض الجهات الرسمية وغير الرسمية على الانتخابات البرلمانية الاخيرة، التي جرت ربيع العام الماضي، كانت أحد الاسباب التي جعلت معظم المجتمع ناقما على العملية السياسية، بعد أن حصلت عمليات "تزوير" في تلك الانتخابات أعادت شخصيات غير مستحقة الى الواجهة ثانية، وهو ما جعل الشارع يشك في إصلاح واقع الحال ناهيك عن آلاف السجناء الملقى بهم في السجون بلا محاكمة أو المغيبين منهم، كل هذا التراكم من الاخفاقات ولّد ردة فعل قوية ودفع الشباب الى اللجوء الى القوة لتغيير واقع الحال بعد أن فشلت تجربة الانتخابات في تغييره نتيجة لأساليب عديدة خلقتها الكتل السياسية لتمكنها من كسب نتائج الانتخابات مهما كانت نسبة التصويت لصالحها أو ضدها.

* ما حقيقة وجود أيادٍ خارجية تعبث بالمواطن العراقي؟

- لشك أن هناك تدخلات خارجية واضحة في المشهد العراقي، سيما على الصعيد السياسي والحكومي، بل حتى الأمني، هذه التدخلات الاقليمية والدولية منها أسهمت في إحداث مشاكل عديدة يعاني منها الشارع العراقي اليوم، والذي أصبح جزء منه يقبع تحت خط الفقر، وهو ما مكّن تلك الجهات من استثمار ذلك في تحقيق مصالحها، وجعل العراق مكبّا لنفاياتها الفكرية وحتى الكيمياوية، وبالرغم من عدم ايماني بنظرية المؤامرة إلا أن المؤامرة واضحة تجاه العراق والعراقيين عبر محاولات مرئية ومخفية لإضعافه أو جعل واقع الحال الذي يعيشه الآن يمتد لأطول مدة يمكن من خلالها بقاء العراق ضعيفا، وبشهادات عدة فإن وجود تدخلات مقصودة في الشأن العراقي من مختلف الدول، التي بعضها ذات تأثير بسيط، إلا أنها وجدت في العراق بيئة خصبة لبسط نفوذها وهذا ما جعل الموقف العراقي ضعيفا في جميع المناسبات بسبب تمكن تلك الدول من كسب ولاء زعامات سياسية ومسئولين تنفيذيين في المؤسسات الحكومية.
إن معالجة ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال وجود حكومة وطنية تعمل على كنس جميع الجهات التي يشك بولائها للوطن، وطرد المؤسسات التي تعمل في العراق والتي تحاول فرض إرادات خارجية حتى لو كان الامر يتعلق بسفارات وبعثات دبلوماسية أو منظمات تدعي خدمة العراقيين إلا أنها تمارس أعمالا محظورة هدفها تدمير البلاد.

* هل تتوقع ظهور داعش في التظاهرات؟

- تنظيم داعش في العراق وبعد تحرير جميع المدن العراقية انحصر وجوده في أماكن نائية ذات تضاريس صعبة، مستغلا بعض المرتفعات والاماكن الصحراوية البعيدة التي اتخذها كمواقع للاحتماء من ضربات القوات الامنية، التي تستمر في تكبيده خسائر فادحة بالأرواح والممتلكات.. النقطة الأبرز في ابتعاد تنظيم داعش عن التظاهرات هي افتقاد التنظيم للحاضنة المجتمعية والامكانيات المادية التي جعلته أضعف من التدخل في هكذا أمور،  فهو الآن يلعق جراحه ويحاول تقليل خسائره التي تزداد شيئا فشيئا مع تحقيق القوات الامنية انتصارات متكررة على فلول التنظيم في تلك المناطق التي بدأت في الانحسار، مع وجود تعاون كبير من قبل المواطنين العراقيين مع القوات الامنية، الذين صاروا أكثر جرأة وشجاعة في الإبلاغ عن تحركات التنظيم وعناصره، وهذا ما مكن القوات الامنية من بسط نفوذها داخل المدن وتكبيد داعش ضربات موجعة كما ذكرنا.


* هل يعود داعش للعراق في ظل عدم الاستقرار الحالي؟

- في ظل الوضع الذي يعيشه العراق الآن، بإمكان تنظيم داعش استغلاله في تنفيذ بعض العمليات الارهابية في الاماكن الرخوة أو على مقربة من المدن أو بين حدودها إلا أن التنظيم لا يمكنه العودة مجددا وفرض سيطرته على أية منطقة، بما في ذلك القرى البعيدة، برغم تحذيرات عدة من إمكانية عودة التنظيم، آخرها أطلتقها "البنتاغون" قبل اكثر من شهرين، إلا أن تلك التحذيرات هي مجرد تنبؤات لا يمكن تحقيقها بسبب قدرة القوات العراقية بمختلف صنوفها العسكرية على حماية البلاد، مع وجود دعم مجتمعي لتلك القوات التي اصبحت اكثر خبرة في التعامل مع تحركات خلايا التنظيم، فهي تحقق تقدما ملحوظا في الكشف عن مخططات لعمليات ارهابية ينوي التنظيم تنفيذها داخل الاراضي العراقي، وقد يستفيد التنظيم من بعض الأحداث الإقليمية التي تجري على الارض، مثل التحرك التركي داخل الاراضي السورية، أو من الواقع العراقي، إلا أن هذا الأمر لن يكون بالشكل الذي يطمح له التنظيم الذي تراجع وجوده وأصبح في أضعف مرحلة وصل إليها في العراق منذ تأسيسه .

* هل هناك دور لجماعة الإخوان العراقية فيما يحدث في العراق؟

- هل تقصد "الحزب الإسلامي العراقي"؟، هذا الحزب بالرغم من أنه كان ولا يزال أحد الاحزاب المؤثرة في الساحة السياسية العراقية سيما في المناطق ذات المكون العربي السني، إلا أن إمكانية هذا الحزب أخذت بالتراجع كثيرا ولم يعد كما كان سابقا لدرجة أنه لم يشترك في الانتخابات البرلمانية الاخيرة، سواء بقائمة منفردة أو ضمن ائتلافات سياسية، بل دخل عبر افراد في قوائم متنوعة، رغم أن البعض يرى ذلك مجرد مناورة سياسية لتحقيق مكاسب انتخابية، إلا أن كثيرين يرون أن ذلك حصل بسبب تراجع إمكانيات الحزب التي انعكست على مستوى تأييده الشعبي.
وبالنسبة لدور الحزب فيما يحصلو وأقصد على مستوى التظاهرات، فموقفه الرسمي لم يعلن بشكل واضح وصريح رغم إدانته ما يجري للمتظاهرين عبر صفحاته الرسمية في مواقع التواصل الاجتماعي،  لكنه على المستوى الشعبي والسياسي لم يكن له أي دور فيما يجري على الارض بسبب انحسار جمهور الحزب وامتلاكه الكثير من المناصب الإدارية التي استطاع من خلالها إيجاد فرص عمل لأعضائه وجمهوره الذين لن يغامروا في الاشتراك مع المتظاهرين لامتلاكهم فرص عمل، وهي أحد مطالب المتظاهرين، إضافة الى أن الجمهور العربي السني في العراق يخشى الاقتراب من التظاهرات بأي شكل كي لا يتهم (بالدعشنة) أو بالبعثية، كما حصل قبل وبعد العام 2014.


* ما المطالب التي يرفعها المتظاهرون؟

- عديدة هي المطالب والشعارات التي رفعها المتظاهرون في العراق،  بعضها مشروع والآخر غير مشروع كما أراه، لأنه يتعارض مع الدستور العراقي،  لكن أبرزها يتمحور حول مكافحة الفساد وإيجاد فرص عمل للشباب وتوفير خدمات حقيقية للمجتمع.. الشرارة الأولى للتظاهر انطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد نقل الفريق عبدالوهاب الساعدي، قائد قوات مكافحة الارهاب، إلى وزارة الدفاع، والتي طالبت بالعدول عن هذا القرار، إلا أن الحكومة لم تستجب لذلك، لتنتقل التظاهرات الى الشارع وتطالب بحملة إصلاحات، أبرزها إكمال الكابينة الوزارية وتوفير مطالب بسيطة إلا أنها لم تجد آذانا صاغية لذلك، لتزداد مطالبهم التي راحت تتحدث عن تغيير الحكومة والدعوة لانتخابات مبكرة، فيما دعت أصوات الى تغيير النظام السياسي برمته، وهذا لا يمكن إطلاقا كونه يتعارض مع الدستور العراقي الراعي الشرعي للعملية السياسية، أما الشعار الأبرز الذي رفعه المتظاهرون، وكان هاشتاج لجميع منشوراتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي هو "نازل آخذ حقي"، في رشارة إلى أن هناك الكثير من الحقوق المسلوبة بسبب السياسات والقرارات الخاطئة المتخذة منذ العام 2003 بداية العملية السياسية وحتى الان.


* هل هناك تدخلات إيرانية في التظاهرات؟ وكيف تتم هذه التدخلات؟

- على الأرض لم يكن لإيران أي دور واضح في التظاهرات العراقية، سواء بتأييدها أو الوقوف ضدها، بالرغم من وجود اصوات تتحدث عن وجود أيادٍ ايرانية شاركت في منع التظاهرات، أما في الجانب الرسمي الايراني فكان واضحا عبر مرشد الثورة الإيرانية، علي خامنئي، الذي قال في تغريدة إنه يعتقد أن تظاهرات الشعب العراقي الأخيرة هي مؤامرة من قبل الأعداء، مؤكدا أن "الأعداء يريدون خلق انقسام، لكنهم يفشلون، ومؤامرتهم ليس لها تأثير"، لكن هذا الرأي قابله ما هو مناقض لوزير الخارجية محمد جواد ظريف، الذي وصف تظاهرات العراق بأنها "هموم محقة"، مشيرا إلى أن فئة ضئيلة جداً لا تمثل الشعب العراقي حاولت استغلال معاناته.


* ما تقييمك لتعامل المجتمع الدولي مع التظاهرات؟

- جميع المواقف التي تبناها المجتمع الدولي تجاه التظاهرات في العراق هي للأسف "مخجلة" ولا ترتقي لمستوى الأحداث التي جرت في العراق، وكان الواجب أن تكون اكثر موضوعية وتصل لمستوى التدخل المباشر وإجبار الحكومة على الكف عن استخدام القوة المفرطة بحق المتظاهرين.. لم تتجاوز تلك المواقف حدود القلق والاستنكار والتنديد، وتلك المواقف لا تعدو كونها كلمات مكتوبة في أوراق بيانات لن تسهم في معالجة واقع الحال.. المواقف التي أطلقها المجتمع الدولي، سيما الامم المتحدة وجمعية الاتحاد الاوروبي، كانت باردة وكأنها تقف بالضد مما يدعو له المتظاهرون الذين تعرضوا لخسائر كبيرة وصلت الى وفاة العديد منهم جراء الرد المفرط من بعض الجهات الامنية، رغم مطالبة رئيسة بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) بإيقاف العنف، ودعوتها إلى محاسبة المسئولين عن الخسائر الفادحة في الأرواح ومثولهم أمام العدالة.



* لماذا سقط شهداء في التظاهرات؟ وما رأيك في التعامل الأمني مع المتظاهرين؟

- التعامل القاسي مع ردة فعل المتظاهرين، مثلما أظهرت مقاطع الفيديو التي صورها ناشطون وصحفيون كانوا يتواجدون بالقرب من مواقع التظاهر، قد ولّد الكثير من الخسائر التي أسفرت عن مقتل (105) وإصابة (4050) آخرين، فيما تم اعتقال (923) متظاهرا، أفرج عن (666) منهم- حسب مفوضية حقوق الانسان- ورغم ما ذكر إلا أن ناشطين ومواطنين تحدثوا عن وجود مخربين يقومون بإطلاق النار على المتظاهرين والقوات الأمنية معا لإشعال فتنة، لكنهم لم يفلحوا في ذلك لتفهم الموقف من قبل الطرفين.
وبالنسبة لرأيي فى تعامل القوات الأمنية مع التظاهرات، فإن التعامل أخذ أوجها عديدة، بعضها إيجابي تمثل في احتضان القوات الامنية للمتظاهرين وحمايتهم وتقديم الطعام والشراب لهم، وهذا ما أشار إليه متظاهرون ومختصون، سيما قوات الجيش العراقي التي كان لها موقف إيجابي واضح مع المتظاهرين، الذين كانوا يصورون أنفسهم مع مقاتلي الجيش دون أي صدامات، وهذا ما يحسب لمؤسسة الجيش التي أثبتت وطنيتها في التعامل مع العراقيين جميعا، أما بعض القوات فقد اعتمدت القسوة والعنف في التعامل مع المتظاهرين العزّل، وهو أمر مرفوض في جميع الأعراف والقوانين المحلية والدولية.