رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الأربعاء 07/أغسطس/2019 - 05:48 م

الاقتصاد والرحمة وجهان لعملة واحدة

الاقتصاد والرحمة
بقلم الباحثة فاطمة حسين
aman-dostor.org/24820

إن الباحث في مجال الاقتصاد يستطيع، أن يكتشف بسهولة تميز الاقتصاد الإسلامي عن غيره من كافة نظريات الاقتصاد في العالم حيث لاينفصل الاقتصاد الإسلامي عن القيم الروحية وأهمها الرحمة وسأحاول في هذه السطور توضيح كيف، أن الاقتصاد الإسلامي والرحمة هما وجهان لعملة واحدة هدفها في النهاية هو مصلحة الإنسان حتي لوكان فقيرا.


بداية فقد خلق الله عز وجل الانسان واستخلفه فى هذا الكون، واستخلفه فى المال ويؤكد ذلك الايات: ( إني جاعل فى ال
الأرض خليفة )، ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ).

فالإنسان مستخلف فى المال، ليس ملكه بالمعنى الضيق، فيده عليه يد الأمانة، وعليه أن ينفقه وفق مراد الله ومنهجه.

ولأن الاستخلاف مجرد نيابة عن المالك للتصرف فى ملكه، فإن من حق المالك المستخِلف أن يبدل المستخلَفين إذا ما أخلوا بشروط الاستخلاف وهذا ما تؤكده الآيات: ( فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قومًا غيركم )، ( وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ).

وأهم شروط الاستخلاف هى: العمل الصالح وإعمار الأرض وإصلاحها، لا فسادها وخرابها، يقول الله عز وجل: ( ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ).

وهذا العنصر الأول يمثل المنطلق الإيماني والفكري للاقتصاد الإسلامي، فالإيمان بالله والتسليم له من السمات الرئيسية للمسلمين الأوائل الذين أقاموا نظامًا اقتصاديًا إسلاميًا خالصًا.

أما عن الزكاة يتضح لنا انها ليست إعطاء الفقير إحسانًا، وليست منًا من الغني على الفقير، وليست تطوعية أو اختيارية، وإنما هى الركن الثالث من أركان الإسلام، أحد الأعمدة الأساسية لإقامة الدين، أداة إلزامية وإجبارية لتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان مالي حقيقي للحق فى المعيشة الكريمة، إنها الزكاة يا سادة التي حارب من أجلها أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فمن أقامها ومد جسرها بين إنفاقه وبين قلبه وبين الفقير وبين الله، فقد أقام الدين فى قلبه أولًا وفى حياته كلها ثانيًا.

ومن يدرك حقوق الله تبارك وتعالى فى المال الذي رزقه الله إياه سيدرك معه كيف ينفق هذا المال. بل وكيف يتحصل عليه من الأساس ؟

هذان العنصران الأساسيان هما الأعمدة، التي يقام عليها الاقتصاد الإسلامي والذي يختلف بهما عن نظائره من الانظمة الاقتصادية الأخرى، فيمتاز عن الرأسمالية والشيوعية والاشتراكية فى الغاية النهائية، حتى وإن تشابهت بعض التفصيلات بينه وبين كل من النظم الأخرى كتشابه عيون شخصين مثلا دون ان تربطهما أي صلة.

إن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد تتعايش فيه أشكال الملكية الخاصة والعامة، فتوفر الملكية الخاصة إشباع الحاجات الخاصة، وتشحذ الحافز الفردي للنشاط الاقتصادي، وتوفر الملكية العامة صور الاستخلاف الاجتماعي، ووسائل إشباع الحاجات العامة والشروط المادية اللازمة لإنتاج العرض العام.

إنه اقتصاد يؤكد الوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة فلا اكتناز للنقد، ولا احتجاز للأرض، ولا احتكار للعروض، ولا استئثار بالموارد، ولا ضرر ولا ضرار، ويتأكد كل ذلك من خلال جملة احكام موضوعية ملزمة.

إنه اقتصاد يشترك فيه التوجيه الأخلاقي مع الضوابط التي تضعها الدولة لصياغة السلوك الاقتصادي، فالفرد تلزمه الدولة موضوعيًا بالسلوك المرضي، لكنه مندوب لذلك ومأجور عليه من خلال منظومة القيم التي يؤمن بها.

ومن هنا تأتي ( الرحمة ) الوجه الاخر للاقتصاد الإسلامي، فلا ينفصل الاقتصاد الإسلامي عن القيم الأخلاقية والرحمة، ويرى البعض، إن الاقتصاد لابد أن يكون خال من الأخلاق ولعل هذا هو أساس الاقتصاد العالمي الآن، فالاقتصاد الرأسمالي ليس له علاقة بأي قيم سوى قيمة المال والربح فقط.

وبالطبع نتج عن ذلك تفاقم القسوة والعنف فى العالم وهو ما جعل هناك أصواتا كثيرة تنادي بالحمائية الاقتصادية نتيجة تراكم الديون العالمية ودهس الفئة الضعيفة في وسط جماح وحش الاقتصاد الرأسمالي.

يقول مونتسكيو فى رائعته روح الشرائع: ( نرى فى البلاد التي لم تظهر فيها روح التجارة إنه يتم التجارة فيها بكل شيء فيتاجر بجميع الأعمال الانسانية وبجميع الفضائل الخلقية، فأصغر ما تحتاجه الإنسانية من الأمور يُصنع هناك أو يُعطى من اجل المال فقط. وهو عكس ما إذا ظهرت وانطبعت روح التجارة في الناس فيظهر شعور بالعدل تام، هذا الشعور مناقض لقطع الطرق مثلًا وأعمال السرقة والنهب، فتنمو الفضائل الخلقية التي تمنع جدال الانسان حول مصالحه الشخصية جدالًا عنيفًا ).

ومن ناحية أولى: نجد الاقتصاديون ترتفع أصواتهم بضرورة الحد من مظاهر عدم المساواة التي تزداد بروزًا وتضخمًا فى المجتمعات الغربية وذلك بعد أن ثبت أن العائد من تراكم الثروات يفوق العائد من العمل وتنامي شعور الأنانية، ولغة المال المتمثلة فى الرأسمالية نظام له آلياته التي يدافع بها عن مصالحه واستمراره برغم كل ما ظهر ويظهر من سلبيات، نظام له انياب وأظافر تنهش معارضيها حتى ولو كانت معارضتهم تستند إلى الحقائق العلمية والأرقام.

ومن ناحية ثانية: هى نقيض الأولى حيث الرحمة والتي تعرف لغويًا على أنها الشفقة والرقة وهى ضرب من ضروب الخير، بل وتعد لُبه وجوهره.

أما اصطلاحًا: فهى الرقة التي تستلزم وتدفع بالإنسان الرحيم نحو عمل الخير ومد يد المساعدة والإحسان للآخرين، ومن التعاريف الأخرى لمفهوم الرحمة أنها تلك الرقة التي تجعل الانسان يتألم لألم غيره ويفرح لفرحه، مما يجعله دائما إلى جانبه.

ومن ناحية ثالثة: الحديث عن الرحمة ليس حديثًا أفلاطونيًا أو حديثًا وجدانيًا يخص الشعور فقط وجماليات الخير، بل إن أساس الرحمة هو ألا تقف رحمة إنسان بإنسان عند حدود المشاركة الوجدانية دون أي تصرف في الوجود يرفع عن المرحوم ما يُثقل كاهله، وما استحق من أجله الرقة والعطف.

يقول ابن عاشور: ( واسم الرحمة موضوع في اللغة العربية لرقة الخاطر وانعطافه نحو حي، بحيث تحمل من اتصف بها على الرفق بالمرحوم، والإحسان إليه، ودفع الضرر عنه، وإعانته على المشاق، فهى من الكيفيات النفسانية لأنها انفعال، ولتلك الكيفية اندفاع يحمل صاحبه على أفعال ملموسة بقدر استطاعته وعلى قدر قوة انفعاله، فأصل الرحمة من مقولة " الانفعال "، وآثارها من مقولة " الفعل ").

ومن هنا، فإن الرحمة حتى وإن قوى الشعور والانفعال بها لن تُحدث أثرًا فى الوجود الخارجي إلا إذا كان صاحبها يمتلك قدرة تمكنه من تغيير حال المرحوم.

أما الناحية الرابعة والأخيرة: إن التاريخ يعلمنا أن جميع الأنظمة الاقتصادية التي عرفتها البشرية لابد وأن تتأثر بصورة أو بأخرى بالقيم، ولكن القيم فى الفكر الاقتصادي الرأسمالي والاشتراكي تعد إطار خارج أفكار وتصورات النظام، بينما في الاقتصاد الاسلامي تعد اعتبارات القيم والأخلاق متغير داخلي في آلية النظام بل وتعتبر القيم الاسلامية المحرك الرئيسي لفعالياته فهو اقتصاد "مُحمل" بالقيم وليس محررًا منها.

فنحن هنا أمام اقتصاد ديني، أو دين اقتصادى، أو اقتصاد أخلاقي أو اقتصاد إنساني، وليس هذا بالقطع تلاعبًا بالألفاظ، وإنما توكيد لحقيقة كون الاقتصاد الإسلامي جزءًا من كل، يترابط ويتفاعل ويتكامل، في تناسق بديع وتوازن مستقر مع بقية الأجزاء المكونة للاسلام، من عقائد وأخلاق وعبادات وبقية المعاملات كدين ونظام حياة شامل وكامل يُحكم بضوابط الاسلام ويُسير وفقًا لأحكامه، فهو بحق علم أو فكر البحث عن الأرزاق وفقًا للضوابط الشرعية.

ولذلك يطلق عليه الاقتصاد الديني، أو الاقتصاد الأخلاقي، أو الاقتصاد الإنساني.

ومن ثم يستند هذا العلم في تحليله على "الإنسان الأخلاقي "، واقعيًا وليس على ( الرجل الاقتصادي ) كما فى الاقتصاد الرأسمالي أو ( الترس الاجتماعى ) أيديولوجيًا كما فى الاقتصاد الاشتراكي.

وعليه، يقوم الاقتصاد الإسلامى على ركيزة أخلاقية واضحة تهدف إلى الاهتمام الأكثر بالناس وإعمار الأرض.