رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
مرصد الفتاوي
الأحد 01/يوليه/2018 - 01:02 م

فتوى تحريم شرب "القهوة".. ماذا فعلت "خمر الصالحين" في مصر والسعودية؟

فتوى تحريم شرب القهوة..
محمد يسري
aman-dostor.org/11635

في عام 1524 م، شهدت كل من مكة المكرمة والعاصمة المصرية القاهرة، حالة من الاحتجاجات والشغب الضخمة بسبب فتوى تحريم شرب القهوة، وزادت حدة الاحتجات بعد تدخل التجّار في الأزمة التي كان لها صدى واسعا في كل من الدوائر الشعبية والرسمية على حد سواء، وكادت أن تحدث فيها مجازر بين المؤيدين والمعارضين، وبالفعل سقط على أثر ذلك الخلاف أحد التجار قتيلا وأصيب الكثيرون، وتم تدمير عدد من المقاهي والممتلكات الخاصة.

بدأت الاحتجاجات أولا في مكة المكرمة علي خلفية فتوى خاير بك بتحريم القهوة، وكان آخر أمراء المماليك الجراكسة الذي كان يتولى إمارة مكة التابعة للحكم المصري في عهد السلطان قنصوه الغوري.

وأصر خاير بك على تحريم شرب القهوة بعد مشاهدة مجموعة من أهالي مكة يشربونها بالقرب من المسجد الحرام، فما كان منه إلا أن اجتمع بعدد من الفقهاء وأمرهم بإصدار فتوى بتحريمها، ولاقت الفتوى حالة من الاعتراض خاصة من تجار البن الذين أكدوا أنها مجرد نبات وحكمها هو حكم النباتات.

وامتدت عدوى تحريم القهوة إلى مصر التي لم تكن محرمة فيها، فانتقل الشغب إلى القاهرة، التي شهدت بدورها حالة من الغضب العارم.

وأفتى الشيخ علي أحمد السنباطي بتحريم شربها باعتبار أنها "مادة مُسكرة مُخدرة للعقل"، واستجاب له في ذلك الوقت رئيس الشرطة الذي لاحق مستهلكي القهوة وحبس بعضهم، كما هاجم الأهالي بعض المقاهي وحطموها واعتدوا على روادها، وأغلقوا أماكن تقديمها وكسروا أوانيها، ومنعوهم من المجاهرة بشرب القهوة باعتبارها من المسكرات.


اضطرابات وفوضى

ولم يقف تجار البن ومنتجو القهوة مكتوفي الأيدي، فحاولوا إثناء الشيخ السنباطي عن فتواه، بينما استمر مؤيدوه في إيذاء كل من يشربها، ولم تكن هذه المحاولات ذات جدوى إلى أن سقط أحد تجار البن قتيلا على يد مؤيدي الفتوى، فزاد غضب التجار ولاحقوا الشيخ السنباطي الذي هرب إلى أحد المساجد مع مؤيديه، وحاصر التجار المسجد ونصبوا حوله سرادقا يشربون فيه القهوة "سادة" على روح زميلهم القتيل نكاية في الشيخ وفتواه، والتي أصبحت عادة فيما بعد في مناسبات العزاء.

وظل الجدل محتدما بين مؤيدي الفتوى ومعارضيهم، وشهدت الأحداث حالة من التطرف بين الفريقين إلى أن أفتى القاضي الحنفي محيي الدين ابن إياس بجواز شربها، بعد أن ثبت لديه أنها ليست من المسكرات بشكل قاطع.

وقد ذكر شيئا من هذا الاختلاف النجم الغزي فقال:
"واختلف العلماء في أوائل القرن العاشر في القهوة وفي أمرها، حتى ذهب إلى تحريمها جماعة ترجح عندهم أنها مضرة، وآخر من ذهب إليه بالشام والد شيخنا الشيخ شهاب الدين العيثاوي، ومن الحنفية بها القطب ابن سلطان ، وبمصر الشيخ أحمد بن أحمد بن عبدالحق السنباطي تبعاً لأبيه.. والأكثرون ذهبوا إلى أنها مباحة، وقد انعقد الإجماع بعد من ذكرناه على ذلك ـ أي على الإباحة".
(انظر: الكواكب السائرة ، للغزي 1/113ـ114)

عدم فهم اللغة أصل النزاع

ويرجع سبب هذه الأزمة وذلك الاختلاف إلى أن القهوة كان يتم التعامل معها على أنها من المسكرات حتى في معاجم اللغة، واستخدمها الصوفية في أشعارهم تعبيرا عن حال السكر والاغتراب، تعبيرا عن خمرة الحب الإلهي في أشعارهم باعتبارها خمر الصالحين.

ويمكن أن تجد إشارات لاستحباب شرب القهوة والتلذذ بها لدى الكثير من الصوفية الذين كانوا يضعونها في مراتب المسكرات، ومنها ما أنشده السهرودي المقتول:
ودارت علينا للمعارف قهوة *** يطوف بها من جوهر العقل خمّار
أما عن القهوة المعروفة التي دار حولها الجدل فقد ذكرها الشيخ عبدالهادي السودي في موشحه فقال:
قهوة البن جل مقصودى * في الخفا العلن
هام فيها أمامنا السودى * قطب أهل اليمن
وطبخها بالند والعود * وبغالي الثمن
من ثياب حرير مع قطن * فاخر الملبس
وبذاكم خوارق تثني * عليه لم تدرس

ولم تكن القهوة معروفة حتى نهاية القرن العاشر الهجري، وقد ذكرت المصادر التاريخية، ومنها "النور السافر عن أخبار القرن العاشر" للشيخ العيدروس، والكواكب السائرة للغزي: إن مكتشفها هو أبوبكر بن عبدالله العيدروسي، وهو من مشايخ اليمن المتصوفة، فقد كان في سياحته على رأس المائة التاسعة للهجرة (900هـ) ، فمر بشجر البن، فاقتات من ثمره، حين رآه متروكا مع كثرته، فوجد فيه تنشيطا للعبادة، واجتلابا للسهر، فاتخذها قوتًا وطعامًا وشرابًا، وأرشد أتباعه إلى ذلك، ثم انتشرت في اليمن، ثم إلى الحجاز، ثم الشام ومصر، ومنها إلى سائر البلاد".

ولما بدأ انتشارها في هذه البلاد وجد الفقهاء أن فيها شيئا من تنشيط الجسد على غير العادة، فارتابوا في أمرها خاصة أن هناك من كان يضع القهوة ضمن أسماء الخمر، وذكر أبوبكر الأنباري في كتابه "الأضاد" أن القَهوة من أسماء الخَمر، وقِيل: "سُمِّيت الخَمر قَهوة لأنَّها تُقهي عَن الطَعام والشَّراب".. والإقهَاء هُو عدم اشتهاء الطَّعام والشَّراب.. قَهَا وأقْهَى فهو مُقهٍ غير مُشتهٍ للطَّعام والشَّراب!!

أما معاجم اللغة فقد اعتبرها بعضهم أنها من المسكرات، ومن أشهر من ذكر ذلك ابن منظور في "لسان العرب" فقال: "والقَهْوة : الخمر، سميت بذلك لأنها تُقْهِي شاربها عن الطعام أَي تذهب بشهوته"، وفي التهذيب أَي تُشبِعه؛ قال أبوالطَّمَحان يذكر نساء: فأَصبَحْنَ قد أَقْهَين عني، كما أَبَتْ حِياضَ الإِمدَّانِ الهِجانُ القَوامِحُ وعيش قاهٍ بيِّن القَهْوِ والقَهْوةِ : خَصِيبٌ ، وهذه يائية وواوية.

وكثير ما نشأ الخلاف بين الفقهاء بسبب التعريفات اللغوية، وتعليق الأحكام بمسميات الأشياء دون النظر إلى ماهيتها.