رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
تقارير وتحقيقات
الإثنين 05/فبراير/2018 - 11:44 ص

لماذا يحشد داعش عناصره بأفغانستان بعد سقوطه في سوريا والعراق؟

صراع أفغانستان
صراع أفغانستان
محمود الطباخ
aman-dostor.org/7514

منذ ظهوره للوهلة الأولى في منتصف يوليو 2014، أثار تنظيم الرايات السود "داعش"، تساؤلات كثيرة كونه تمسك بالأرض (المشروع الجهادي العالمي الذي لا يخضع لحدود أو قومية) وسعى لإنشاء الدواوين والمحاكم الشرعية، بل خصص له عملة يبيع بها ويشتري، ما جعله محل اهتمام كثير من الباحثين في أنحاء العالم لاختلافه عن جميع تلك التنظيمات التي سبقته في هذه المسألة.


كان غريبًا أن يترك التنظيم عاصمة خلافته في سوريا "الرقة"- وسط الحديث عن صفقات تمت مع قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، المدعومة من التحالف الدولي، أواخر العام المنصرم، بعدما انتشرت صور لـ"أتوبيسات" تقل عناصر التنظيم خارج المدينة التاريخية إلى مناطق أخرى في حلب وريف حماة.

ومع فقدان التنظيم الإرهابي لـ98% من الأراضي التي سيطر عليها في سوريا والعراق بنهاية عام 2017، أُثيرت علامات استفهام كبيرة، حول إمكانياته الحالية التي سلطت الضوء على قرب سقوطه، إلا أن الكثير من المحللين تحدثوا عن نسخة أشد عنفًا من "داعش" في مرحلة المخاض الآن، وهو سيناريو أشد مغالاة، مثلما خرج "داعش" نفسه من رحم دولة العراق الإسلامية ليتحول إلى "الدولة الإسلامية في العراق والشام".

المتابع لـ"ولايات التنظيم"، خاصة خلال الأربعة أشهر الأخيرة، سيجد أن منها من ظهر ومات إكلينيكيًا كـ"ولاية الفلبين"، ومنها من يعاني نقص الموارد والوقود والعناصر كما الحال في سوريا والعراق، وهناك من تنافسه القاعدة لسحب البساط منه، بل وتسعى لفضحه وكشف آلاعيبه، مثلما تفعل جماعة "جند الإسلام" مع "عناصر ولاية سيناء"، إلا أن وسط تلك الاتجاهات جميعًا كان هناك اتجاه مختلف تمامًا يتنامى يومًا بعد يوم، هو سعي "داعش" لضرب "القاعدة" في عقر دارها، وإعادة نفوذه عبرها وهو ما تفعله الآن ما تعرف بـ"ولاية خرسان" في أفغانستان.

عزام وابن لادن والظواهري
عزام وابن لادن والظواهري

أهمية أفغانستان لدى الجهاديين
لأفغانستان، مكانة خاصة لدى الجهاديين منذ قديم الأزل، فمنها يخرج أصحاب "الرايات السود"، الذين بشر بهم النبي محمد- بحسب ما نقله أبي هريرة عندما قال: "إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان، فأتوها ولو حبوًا، فإن فيها خليفة الله المهدي"، وفي رواية آخرى "تخرج من خراسان رايات سود فلا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء"، الحديث الذي نُسب إلى أبو هريرة نقلًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي ضعف سنده الإمام أحمد بن حنبل، وكثير من الأئمة بعد ذلك. إلا أن كثير من الجهاديين يأخذون به ويعتبرونه نبراسًا ينير طريقهم إلى "دابق"، التي يفتحون العالم منها- بحسب ما يعتبرون-.


وبحسب ما بشر به النبي، فإن "أصحاب الرايات" سينتقلون من أفغانستان في اتجاه "دابق"، تلك المدينة الواقعة بريف حلب شمال غرب سوريا، والتي تبعد 45 كيلومترا عن الحدود التركية، لما لها من قدسية خاصة لدى "الجهاديين"، حيث ينتهي الحال إلى معركة آخر الزمان "مرج دابق".

أورد "صحيح مسلم"، عن النبي محمد، قوله: لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق - أو بدابِقَ - فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بينا وبين الذين سُبُوا مِنَّا نقاتلْهم، فيقول المسلمون: لا والله، كيف نُخَلِّي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثُلُث ولا يتوب الله عليهم أبدا، ويُقتَل ثلثُهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يُفتَنون أبدا، فيفتَتحِون قسطنطينية" في إشارة إلى المدينة التي تحمل اليوم اسم اسطنبول في تركيا.

ويضيف الحديث: "فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان إن المسيح قد خلفكم في أهليكم فيخرجون - وذلك باطل - فإذا جاؤوا الشام خرج فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، فأمّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء فلو تركه لانذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته".

وبالنظر إلى التاريخ الجهادي فنجد أن "أفغانستان" ليست مجرّد أراضٍ شاسعة تسيطر عليها قبائل متنوّعة يرتزق كثير منهم على زراعة المخدرات بأنواعها- المنتشرة بكثرة هناك- وإنما هي مفتاح للسيطرة على القارة الآسيوية في أدبياتهم، وكان لكتابات الشيخ عبد الله عزام، وأبي مصعب السوري، دلالات عدة عليها لدى الجهاديين.

حافظ سعيد أغا
حافظ سعيد أغا

أفغانستان في عقل داعش
يدرك داعش الأهمية الكبرى لأفغانستان، فقد دعت كثير من تسجيلات التنظيم إلى أهمية "تطهيرها"، وتحريرها من الحكومة الأفغانية، وحركة طالبان "المرتدين"- في نظره- ولعل الأهمية الكبرى، هو ما رآه داعش، (مرحلة تجميع القوى مرة أخرى في خرسان، والعودة إلى غزو دابق في سوريا)، بعد خروجه من الرقة والموصل وطرده من الأراضي التي يسيطر عليها.

ومنذ إعلان وجوده رسميًا بأفغانستان في يناير 2015، وهو ينفذ إعدامات جماعية بحق المنتمين لحركة طالبان، وبث المكتب الإعلامي لـ"ولاية خراسان" في فترات متفاوتة، إصدارات مرئية وصورًا تظهر ذبح وقتل عدد من مقاتلي طالبان الذين انخرطوا في الحرب عليه.
كما جاء على لسان الشيخ حافظ سعيد خان، والي خرسان- أحد القادة السابقين لحركة طالبان باكستان، وأحد المعروفين برفضه للمصالحة مع الحكومتين الأفغانية والباكستانية- في حوار أجرته معه مجلة "دابق"، الناطقة باللغة الإنجليزية في 2016: "‏‫‏‫الحرب بيننا وبين طالبان ما زالت قائمة".

وقال "سعيد خان" نصًا: "ولاية خراسان ذات أهمية كبيرة للإسلام والمسلمين، فقد كانت هي ومناطق حولها تحت سلطان المسلمين، ثم تغلب على بعضها المرتدون من العلمانيين والروافض، وتغلب على بعض المناطق القريبة منها الكفرة من عبدة البقر الهندوس وملاحدة الصين كما هو الحال في أجزاء من كشمير وتركستان، فالولاية بإذن الله باب لفتح جميع هذه المناطق حتى تُحكم بشرع الله الحنيف من جديد، وحتى تتوسع رقعة الخلافة المباركة".

ويضيف: "أهل خراسان يحبون الإسلام والقتال عموما، ولذلك فإن المنطقة لديها قوة كامنة لنصرة التوحيد والجهاد، فإذا تجلت حقيقة الخلافة لأهل خراسان، فإنهم سينضمون إلی الولاية أكثر وأكثر، ويعززون جهادها ضد أعداء الإسلام، وبالتالي سيكونون لبنة قوية للخلافة".

إعدامات داعش لطالبان
إعدامات داعش لطالبان

هل يحشد داعش عناصره في "خراسان"؟
في سبتمبر عام 2015- أي بعد إعلان "ولاية خرسان الداعشية" بـ 8 أشهر- خرجت لجنة "القاعد وطالبان" التابعة للأمم المتحدة، تقول في تقرير لها، "إن النسخة الأفغانية من تنظيم داعش ينتشر في 25 ولاية بأفغانستان من أصل 34". وبحسب التقرير فإن معظم المنضمين الجدد يعدّون أفرادًا تم تجنيدهم من مجموعات مسلحة، بعضهم على خلاف مع القيادة المركزية لحركة "طالبان" أو يسعون إلى هوية مختلفة من خلال ابتعادهم عن حركة طالبان "التقليدية".

ويشير التقرير إلى أن "داعش خرسان" نجح في استقطاب مئات الشباب من مناطق الشرق الأفغاني خاصة من "المدارس الدينية التابعة للتيار السلفي"، حيث يتلقون تدريبات في المنطقة الجبلية في شرق أفغانستان. كما لفت إلى أن هناك أعدادًا "ليست قليلة" قدموا مباشرة من العراق وسورية إلى أفغانستان. وخرج بعدها مندوب أفغانستان الدائم لدى الأمم المتحدة محمود صقيل، يحذر من ازدياد عدد المسلحين الأجانب في بلاده والذي يصل إلى سبعة آلاف مقاتل.

وفي نهاية نوفمبر الماضي 2017، كان هناك تصريحًا آخر للمندوب الروسي الدائم لدى منظمة الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، يقول فيه "إن عدد مسلحي تنظيم داعش في أفغانستان بلغ بنهاية 10 آلاف مسلح"، حيث نجح التنظيم في جذب مختلف الشرائح العمرية من الرجال والنساء الأفغان إلى صفوفه، لافتًا إلى أن ازدياد قوة المسلحين تتم أيضًا عبر نقل مقاتلين أجانب كسبوا خبرة قتالية في سوريا والعراق"، رغم أن حركة طالبان تستمر في السيطرة على نصف الأراضي الأفغانية تقريبًا.

مبعوث روسيا في الأمم
مبعوث روسيا في الأمم المتحدة

ويأتي ذلك كله مع دعوة "والي خرسان" لإرهابيي العالم للهجرة إلى "أفغانستان" بقوله: "على كل مسلم يريد نصرة الشريعة أن يعجل بالهجرة إلی الولاية فهي دارهم، دار الإسلام، عليهم أن يهاجروا حتى ينجوا من ذل الدنيا وعذاب الآخرة، ليخرجوا من فسطاط الباطل، ويدخلوا في فسطاط الحق الذي لا باطل فيه، ونحن نرحب بهم جميعا ولا نفرق بين مهاجر وغيره، فالمؤمنون إخوة لا فرق بينهم إلا بالتقوی، والمهاجر أحب إلينا من أنفسنا، وشرع الله قائم هنا بحمد الله، فبذلك سيحفظ المهاجر دينه ونفسه وعرضه وماله وعقله".

صراع داعش و"طالبان" على الأكثر وحشية
حرص تنظيم داعش الإرهابي منذ الإعلان عن تواجده في أفغانستان، على تنفيذ عمليات نوعية هي الأكثر شراسة في "ولاياته"، فقد شهدت وحدها خلال الشهرين الآخرين، هجمات دموية للتنظيم على مراكز لتدريب الأطفال والمرأة ومعسكرات التدريب التابعة للجيش، والمؤسسات الإعلامية، ما جعل منظمات حقوق الإنسان والهيئات الإعلامية تصف "أفغانستان" بأنها الأكثر خطورة على العاملين في مجال الإعلام، والأكثر انتهاكًا لحقوق الإنسان.

تنوعت الهجمات الدموية للتنظيم والتي كان أخرها ما نشرته مجلة "النبأ" الأسبوعية، الخميس الماضي، عن مقتل 100 مواطنًا جراء الهجوم على مؤسسة "حماية الأطفال" البريطانية غير الحكومية المدافعة عن الأطفال، والتي تمتلك 28 مكتبًا حول العالم، بجانب مركز اتصالات "أفغان"، ومقر حقوق النساء، والمؤسسة السويدية لتدريس النساء.

مقاتلو طالبان
مقاتلو طالبان

على النقيض، وفي ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها حركة "طالبان"، وتسببت في الانتقاص كثيرًا من رصيدها بـ"عقر دارها" من الانشقاقات الكبرى وانضمام قيادات لها لـ"داعش"، وخطورته المتزايدة، صعدت الحركة الأفغانية من عملياتها واتجهت إلى "التوحش"، إذ لم تعد تقتصر على استهداف قوات الشرطة والجيش، وإنما تجاوزت ذلك لتشمل البعثات الدبلوماسية والمصالح الأجنبية.

وفي 27 يناير الجاري، استهدفت الحركة عبر تفجير سيارة إسعاف، إحدى نقاط تفتيش تابعة للشرطة في القسم الدبلوماسي من العاصمة كابل، الذي يضم مؤسسات أمنية ودبلوماسية عديدة، مثل المبنى القديم لوزارة الداخلية والمجلس الأعلى للسلام وبعض المكاتب التابعة للاتحاد الأوروبي، وهو ما أسفر عن مقتل 104 أشخاص وإصابة ما يقرب من 200 آخرين، وذلك بعد أسبوع واحد من الهجوم الذي نفذه 6 من عناصرها على أحد الفنادق في العاصمة وأدى إلى مقتل 22 شخصًا.

يسعى الطرفان بشكل كبير إلى التصعيد من حدة عملياتهما، لمحاولة بسط نفوذه على الآخر، حتى يكون نفوذ ميزان القوى في يديه، وهو ما دفع جهات عدة لإطلاق ناقوس الخطر، كان أخرها مرصد الفتوى التكفيرية والآراء المُتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية.

ودعا مدير المرصد، حسن محمد، في تصريحات خاصة، إلى ضرورة تكاتف جهود المجتمع الدولي ووضع استراتيجية دولية واضحة في استئصال جذور الإرهاب وشروره، محذرًا من تمدد داعش في شرق أفغانستان، واستغلاله لأزمة الروهينجا في استقطاب مقاتلين جدد، والانتشار بحجة الدفاع عن الدين.

دار الإفتاء المصرية
دار الإفتاء المصرية