رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
وجهات نظر
الخميس 18/يناير/2018 - 04:53 م

أحمد حميدة يكتب: هل صاغ البنا نظرية متكاملة أم مضطربة

أحمد حميدة يكتب:
aman-dostor.org/5980


لقد تأثير كثيرا من الفصائل الإسلامية بفكر البنا سواء كان هذا التأثير سلبا أم إيجابا وبدا هذا التأثير فى مراحل التكوين الأولى ، واعتبر بعض هذه الفصائل كتابات البنا ومنتجه الفكرى هو الأصل فى طريقة عملهم ونظرية التغيير عندهم ،فهو المنهل الأوحد والوحيد الذى يستقون منه ،لكن بعضهم أخذ زمام المبادرة فى مراجعة هذه الأفكار واعتبروا كتابات البنا ومنتجه مرجعا ضمن مراجعهم وليس هو المرجع الوحيد ،،لقد نشأ البنا فى عائلة أصولية متدينة فاستقى منها روح الدين وتأثر بها وكانت سببا فى تكوين كثير من أفكاره وكوُن وهو فى طفولته جمعية أسماها "جمعية الأخلاق الحميدة " وكان دورها محاربة الأخلاق السيئة وترسيخ الأخلاق الحميدة ، وعمل من صغر سنه على تجميع الناس حوله وسوْقهم إلى هدف يريده هو ولا يطلع عليه أحد ؟!ولخطورة هذه الأفكار على المجتمعات والدول فلابد دراسة هذه الأفكار دراسة جيدة وتحليلها وتشريحها ونقدها ونقضها لأنها قادت وتقود باستمرار إلى مآزق وصدامات كثيرة ، فالبنا شاب درس محيطه جيدا وقرأ التاريخ ودرسه ثم بناء على هذه الدراسة والقراءة كوْن نظرية للحركة، ووضع شكلا ،وصنع الفكرة، ثم طبق ما كان يعتقد بناء على المنتج الذى قام بنحته وطبيعة هذا المنتج وهو ابن زمانه وظروفه وعصره أن يعتريه القصور كما يحدث مع كل البشر ، ولفهم فكر البنا لابد من معرفة الملابسات التاريخية والظروف المحلية والإقليمية والدولية التى كانت سببا صوغ مثل هذه الأفكار ، ولقد أطلق البنا فى رسائله كثيرا من المصطلحات التى لم تعد مقبولة فى هذا العصر وعليها اختلاف كبير ومنها ما قاله فى رسالة التعاليم"الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا" وسوْق هذا الأمر على أنه مسلّمة من مسلّمات الدين وثابتا من ثوابته ، والتبشير بهذا النظام الإسلامي الفريد الذى به سعادة البشرية وهنائها، ولابد أن نُخضع الناس لهذا النظام لأن فيه حل مشاكلهم وسعادتهم يقول د/جاسم سلطان فى كتابه أزمة التنظيمات الإسلامية "فكلمة نظام حين تطلق قد يقصد بها وجود قيم ومبادئ عامة، وقد يقصد بها وجود شكل محدد للنظام بمعنى أن له مدخلات ومخرجات وعمليات ونظام حكم ، والمشكلة التى يصنعها مثل هذا الإرباك كبيرة وتعانيها الحركات الإسلامية التى وصلت إلى الحكم، كما فى السودان أو تونس أو المغرب أو أفغانستان أو الصومال"فتغذية هذه العقول بمثل هذا التصور أن هناك نظام إسلامي جاهز وتطبيقه ينتظر فقط مجموعة تُمكن من السلطة السياسية فى البلاد وبعدها يرى الناس نتائج هذا النظام أمامهم ،فلما وصلت هذه الجماعات إلى الحكم لم يرى الناس منها إلا كل تخبط واصطدم الناس بواقعهم الأليم وأياديهم الفارغة من أى أنظمة جاهزة للتطبيق فلم يروا إلا الفشل، ومشكلة البنا فى كتاباته انه لم يؤلف كتابا يجمع فيه كل أفكاره جملة وقدمها للناس واضحة بينة ولكنه قدمها فى صورة رسائل كانت تخضع لأحداث تؤثر فى صياغتها وتشكيلها وهذا ما أوقع الإضطراب فيها ، فأحيانا كانت تأخذ هذه الكتابات طابعا عسكريا وكأنه يُعد لخوض معركة كما قال فى رسالة المؤتمر الخامس"فى الوقت الذى يكون فيه منكم معشر الإخوان المسلمين ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسيا وروحيا بالإيمان والعقيدة، وفكريا بالعلم والثقافة، وجسميا بالتدريب والرياضة فى هذا الوقت طالبونى بأن أخوض بكم لجج البحار ،وأقتحم بكم عنان السماء وأغزوا بكم كل جبار عنيد، فإنى فاعل ذلك بإذن الله، ولن يغلب اثنى عشر ألفا من قلة" وقال أيضا"وأن الإخوان سيستخدمون القوة العملية-قوة الساعد والسلاح- حين لا يجدى غيرها" فكيف يكون التعامل من الدولة مع مثل هذه الأفكار التى تدعوا إلى تكوين جيش فى مقابل جيش الدولة؟ ؟ ومرة يحدثنا عن تصوره للحكم فيقول فى نفس الرسالة"والحكم معدود فى كتبنا من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع فالإسلام حكم وتنفيذ" بهذا الكلام خالف البنا أهل السنة والجماعة الذين أكدوا على أن الحكم من الفروع وليس من الأصول، ثم أكد أيضا فقال" فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدى كل حكومة لا تنفذ أوامر الله" "واستخلاص قوة التنفيذ من أيدى الذين لا يدينون بأحكام الإسلام " حدثنى بعد هذا الكلام عن الزهد فى الحكم وعدم السعى إلى السلطة وعدم الاستئثار والإنفراد بالقرار لن يكون لهذا الكلام وقع ومعنى بعد ما قاله البنا، ثم يحدثنا عن الدستور وموقفهم منه فقال"ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستورى هو أقرب نظم الحكم القائمة فى العالم كله إلى الإسلام ،وهم لا يعدلون به نظاما آخر "وهذا الكلام يعارض كلامه عندما تحدث عن الدولة وموقفه منها كلها فقال"ونحن لا نعترف لأى نظام حكومى لا يرتكز على الإسلام ولا يستمد منه ،ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية ولا بهذه الأشكال التقليدية التى أرغمنا أهل الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بهاوالعمل عليها" ومرة يدمج بين جماعته وبين الإسلام وكأنهم شيئ واحد فقال فى رسالة اجتماع رؤساء المناطق ومراكزالجهاد"نحن دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة" ثم يصف جماعته فيقول" نحن الإسلام أيها الناس فمن فهمه على وجهه الصحيح فقد عرفنا كما يعرف نفسه فافهموا الإسلام أو قولوا عنا بعد ذلك ما تريدون" ويقصد بفهم الإسلام على وجهه الصحيح هو فهم جماعته هو وتفسيره هو له.
هذه بعضا من أفكار البنا التى طرحتها نظريته فى التغيير وغيرها الكثير منثور فى رسائله ،والنتيجة الوحيدة المحتملة لمثل هذا النوع من الأفكار وهذه المشاريع الفكرية لو ظلت كما هى ولم تُراجع ستقود حتما إما إلى الصراع والصدام مع الدول وذلك فى المناطق التى لم تصل فيها إلى السلطة، أما فى الأماكن التى تصل فيها إلى السلطة سيقود إلى انقسام وطنى حاد وصراع إقليمي ودولي.