رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
ملفات شخصية
الأربعاء 23/مايو/2018 - 07:23 م

رجال في الزنزانة الحلقة الثامنة.. أبو الدهب أمير مياه السجن

أبو الدهب وناصر سيد
أبو الدهب وناصر سيد
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/10807

ماهر فرغلي

كان يمسك عصيراً في يده ونحن بسيارة الترحيلات ويستمع بشغف لأحاديثي حول سجن أبو زعبل، وكنت أعلم أنه يريد أن يهيء نفسه للحبس، فهذه هي المرة الأولى التي سيحبس فيها علاء أبو الدهب، القيادي الكبير في الجماعة الإسلامية بين أربعة جدران.

تعمدت أن أطيل الحكي كي أستمتع بقسمات وجهه الممتقع من الخوف، ونظرات عينيه التائهة، وهو يرفع العصير إلى فمه، فلطالما رأيته مرفهاً بشكل كبير.

كان يستمع مني حكايات سجن أبو زعبل، الذي وقعت فيه خلال هذه الفترة أحداث جسام بين الجنائيين والجماعات المحبوسة أدت إلى مقتل 3 أحدهم فصلت رأسه عن جسده، وإصابة أكثر من 60 جنائياً بعد ان اقتحمت عليهم الجماعة زنازينهم، بحجة أن أحدهم سب الدين!.

كأن قدميه لا تستطيعان حمله، وقوته التي كنت يسخرها لجسدها حتى يقوى على الاحتمال بلغت منتهاها، وأصبحت نفاية بسبب ما سمعه لأول مرة ولم يكن يدري عنه شيئاً.

فرقتنا الأيام والتقينا فيما بعد بسجن الفيوم العمومي، وسمعته يصرخ من كل قلبه:

"الحرية يا ناس قيمة كبيرة إياكم تفرطوا فيها... لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة... أنا عاوز إبرة خياطة... هل من شخص يناولني إبرة خياطة أخيط بدلتي الكتان"

كان يقول لي: لأول مرة أشعر بالجوع والبرد القارس بهذه الطريقة، حتى البدلة الكتان ظللت ألبسها وتلبسني عدة سنوات بدأت تكشف عورتى... شعرت بقيمة الإبرة وشعاع الشمس، واللباس الداخلي، والحرية، وكل شيء.

دعا الله فاستجاب له ودخلت ترحيلة في الليل، وفرح الجميع باللباس والطعام الذي معهم وفرح أبو الدهب بإبرة الخياطة، وبدخول رفيقنا ناصر سيد معهم.

لم نترك بعضنا بعدها، ولم يكف ثلاثتنا طوال اليوم عن الحكي، وعن الضحك على أبو الدهب، القيادي المدعّي معرفته بأصول الفقه، ومصطلح الحديث، وهو لا يحفظ سوى جملتين استمعهما من شخص كان معه في أبو زعبل، وهو يرددهما طوال اليوم (الاحتياط ليس بواجب ولا فرض)، (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

ناصر كان يقول له أرجوك اشرح لنا وعلمنا يا مولانا، لكن دون جدوى، هو هكذا يحفظها فقط.

آراؤه التقدمية في هذا الوقت، مثل قصره للصلاة، أو صلاته باللباس الداخلي، وانتقاده لتصرفات الجماعة، سببت له مشاكل كثيرة جداً، فتم استبعاده من القيادة.  

ونحن نستضيء على شعاع يسقط علينا من لمبات العنابر العلوية فوق سور السجن بشهر رمضان ، فتح باب الزنزانة في وقت لم نتعود عليه مطلقاً، وقال لنا الضابط وهو ينظر إلينا:

"النهاردا كان فيه محاولة لاغتيال الريس في أديس أبابا، ولو أنتم كنتم في بلد تاني كانوا وضعوكم فى صودا كاويه موش دخلوكم حمامات"

أخرجونا كلنا بالليل إلى الحمامات لكي نستحم ونلبس بدلاً جديدة، ثم أدخلوننا ونحن نتعجب مما يجري، وفي الصباح جاءنا الضابط ليخبرنا أن ماسورة المياه لتي تمر أصفل كوبري اللاهون كسرت، وأن ذلك سؤدي لانقطاع المياه على الأقل 15 يوماً عن السجن.

مياه الشرب كانت توزع علينا بمقدار كوب للسجين... استمر هذا الحال أياماً طويلة، عانينا فيها من الجرب بسبب عدم الاستحمام، وعدم وجود الماء... رائحة العرق ومخلفات دورة المياه والقاذورات تملأ خياشيمنا... استشرى الهرش والجرب والقمل، فقام ناصر سيد أمير الزنزانة بتعيين أبو الدهب أميراً على المياه، فكان يوزع كوباً لكل منا في اليوم الواحد، وكان يصر على تنفيذ رأيه بالقوة، ويقول:

"يا جماعة ما يحدث دليل على غضب ربنا علينا"

الماء انفجر من الصنبور بعد أن حدثت معركة كبيرة في الغرفة بسبب تقسيم المياه الذي يصر علاء أبو الدهب على أنه عادل، وحكاية غضب ربنا، فقال له ناصر سيد:

"الأفضل ألا تنتقد هؤلاء علناً.. أليس الاحتياط ليس بواجب ولا فرض كما تقول فضيلتك"

انتقل أبو الدهب إلى سجن المنيا العمومي، وهناك وقعت معركة كبيرة بين أعضاء الجماعة لإصرار أميرها (م.أ) على تفتيش زيارة أحد المعتقلين بحجة أنه مرشد للأمن، وانتهت بالاعتداء على أحد أعضاء الجماعة، وهو جار لأبو الدهب (إ.ص)، فتصدى للدفاع عنه بكل قوة، مما أدى فى النهاية إلى إصدار قرار بمقاطعته، وعزله من كل مناصبه في الجماعة.

ضحكنا ثلاثتنا طوال الليل على ما يجري، وتحسنت أحوالنا شيئًا فشيئًا، وفتح الكنتين، وكنا عن طريق الفلوس التي يرسلها لنا أهلنا فى الأمانات، نشترى بونات من الأخصائى الاجتماعى الذى يرسل لنا ما نطلبه من حاجات غير ممنوعة مع الجنائي، حيث كنا نحن ممنوعين من الخروج من الزنازين.

البضائع المسموح بها كانت كالتالي (الجبنة – لبن بودرة – الطحانية – سكر) والبونات لا تكفى أي غرفة لشراء ما يكفيها.. وفى أول تصرف هذه الأشياء، نحتفل احتفالاً كبيراً، وكنا نقوم بعمل الحمبلاظ.

طريقة عمل "الحمبلاظ" هى أن يقوم أمير المطبخ والمساعد له بعجن الأرز المطبوخ، الذى يأتى فى التعيين، بعد غسله بالماء، ثم يضع فيه السكر وقليل من لبن البودرة.

أبو الدهب أقسم ألا يذوق هذا الحمبلاظ أبداً، وأبر بقسمه، وأصر أن يترك هذه الجماعة للأبد، وبالفعل أيضاً أبر بقسمه.

كلما حانت الأقدار للقائه في مديتنا بصعيد مصر، نجلس معاً نحن الثلاثة، ونتذكر الحمبلاظ، وتقسيم المياه العادل، ونطلب منه أن يشرح لنا الشيء الوحيد الذي يحفظه من أصول الفقه (الاحتياط ليس بواجب ولا فرض)، لكنه يفشل كالعادة.