رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
تقارير وتحقيقات
السبت 21/أبريل/2018 - 11:36 ص

نهاية زمن «الربا».. الأزهر والإفتاء: معاملات البنوك «حلال»

الدكتور علي جمعة
الدكتور علي جمعة
أحمد الشوربجي
aman-dostor.org/9943

بعد سنوات من الجدل حول شرعية المعاملات البنكية، ومدى اتفاقها مع الشريعة الإسلامية، حسم كبار علماء الأزهر الشريف ودار الإفتاء المسألة، بتأكيدهم أن الاقتراض من البنوك لا يخضع لمفهوم الربا الذى حرمته النصوص الشرعية، ولا يدخل فى نوعى «ربا الفضل»، و«ربا النسيئة»، كما يعرفهما الفقه الإسلامى.
واستند العلماء فى ذلك إلى اختلاف النظام المالى المعمول به حاليا فى أنحاء العالم، والقائم على الأوراق المالية، عن النظام القديم الذى عرفه الفقه الإسلامى طيلة قرون، نظرا لتخلى الحديث عن ربط النقود بغطاء الذهب والفضة، ما يجعل التعاملات القائمة عليه تختلف فى أحكامها عن موضوع الربا الذى بينه الشرع.
فى السطور التالية، يكشف عدد من كبار علماء الأزهر الشريف، حكم التعاملات البنكية، وأسباب عدم انطباق مفهوم «الربا» عليها، وأوجه الاختلاف بين الاقتراض بالفائدة البنكية، وربا «الفضل والنسيئة» المحرم شرعًا، بالإضافة إلى أسباب الخلاف السابق بين الفقهاء حول هذا الموضوع فى العقود الماضية.


على جمعة: الخطأ فى ترجمة مصطلحات الاقتصاد الأوروبية وراء الاختلاف حول المصارف
أرجع الدكتور على جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، مفتى الجمهورية السابق، أسباب الخلاف بين الفقهاء حول شرعية التعاملات البنكية، إلى أخطاء الترجمة التى وقعت عند نقل المصطلحات الأوروبية المتعلقة بالأنظمة المالية الحديثة إلى العربية.
وأوضح أن «ذلك الخطأ تسبب فى الخلط بين الأحكام، نظرا لعدم تبين الاختلاف بين التعاملات المالية الحديثة، وتلك التى استخدمت قديما، فى المجتمعات الإسلامية».
وقال: إن «البنوك ليست من حضارتنا، ولا من نتاج بيئتنا العربية، لذا فهى وافدة علينا، والخطأ وقع حينما نقلنا وترجمنا مصطلحات هذه البنوك من اللغتين الإنجليزية والفرنسية».
وشرح أنه عند الترجمة، ترجمنا «التمويل» إلى «قرض»، و«المقامرة» إلى «مضاربة»، لذا عندما يسمع أى فقيه مصطلح «قرض»، فإنه سيقول على الفور: «كل قرض جر نفعا فهو ربا»، وحينما يسمع لفظ «المضاربة» سيحكم بصحتها، دون بحث فى المعانى، مضيفا: «الحاصل أننا اخترنا لفظا خطأ فى الترجمة، لنعبر به عن معنى صحيح، والعكس أيضا».
وتابع: «إذا تدبرنا فى الأمر وسألنا المختصين، سيتضح لنا أن الأمر واضح وجلى، فما نأخذه من البنك ليس قرضًا، وإنما هو تمويل، فإن أردت استخدامه فى الإنتاج فأنت حر، وإن أردت استخدامه فى شىء استهلاكى فالأمر يرجع إليك، حتى لو تسبب ذلك فى إغراقك فى المديونية، فهذا وإن كان مرفوضا، ويسبب الخراب، إلا أنه ليس بربا على الإطلاق».
وزاد فى شرحه: «الحرمة فى الاقتراض بشكل كبير إنما تأتى من باب الإسراف، لا من باب الربا»، مشيرا إلى أن الأوراق البنكية هى مجرد سلعة، مثل الأوراق العادية، ويجوز الاتجار فيها، مثل السلع، خاصة أنها ليست من الذهب أو الفضة».
وتابع: «الربا فى صورته البسيطة، وكما يراه الأئمة والفقهاء عبر التاريخ، يعنى أن يقترض الإنسان 100 جرام من الذهب أو الفضة، ثم يردها 150»، معتبرًا أن ما نتعامل معه الآن هو مجرد «بنكنوت»، أو مستند، كان يدل على وجود غطاء مكافئ من الذهب، حتى عام 1970، ثم تحول بعدها إلى شىء آخر.
وأكد «جمعة» أن رفع غطاء الذهب والفضة عن النقود المالية أخرجها من محل الربا، ونفى عنها صفة «المستند»، موضحا أن الأئمة الأربعة يقولون: «لا ربا فى الفلوس، ولو راجت رواج النقدين، أى الذهب والفضة»، لذا فإن «العلاقة بين البنك والعميل هى علاقة أخذ وإعطاء، أى علاقة تمويل، لا اقتراض»، ويخلص إلى أن «على الناس أن يطمئنوا أن معاملاتهم مع البنوك ليست من الربا».
وعن أوجه التعامل التى تختص بها ما يسمى «البنوك الإسلامية»، قال مفتى الجمهورية السابق: «هذه البنوك تتحايل على الأمر، عبر شراء السلعة من وسيط، ثم دفع المال، على أن يرد المستفيد الأموال إلى البنك، وهو تحايل ولف ودوران، ومن الأسهل أخذ الأموال المطلوبة وردها، دون إرهاق أو تكلف».
ويعود للحديث عن فكرة الخلط بين المصطلحات حين الترجمة، وتسبب ذلك فى إطلاق أحكام فقهية خاطئة، فيقول إنها تكررت أكثر من مرة فى التاريخ، ومن أمثلة ذلك تحريم القهوة والتصوير الفوتوغرافى.
وأوضح: «مكث الفقهاء لمدة 200 سنة يفتون بحرمة القهوة، فقط لأن اسم القهوة هو أحد أسماء الخمر فى اللغة العربية، وحينما يُقال للفقيه: ما حكم القهوة؟، فإنه يقول: حرام، لأنه لا يعرف سوى أنها اسم من أسماء الخمر، وظل الأمر مستمرا حتى جاء الشيخ الأزهرى زكريا الأنصارى، وأتى بمشروب القهوة، ثم سقى طلابه منها، وأخبرهم أن قهوة البن حلال، لكن الخمر حرام».
واختتم: «لما تبحرنا فى دراسة البنوك والنقود، أدركنا المفاهيم الحقيقية، التى بنيت عليها هذه المصطلحات، واتضح لنا أن ما نأخذه من البنك ليس قرضا وإنما هو تمويل، لذا فالخطأ فى التصور نتج عن الخطأ فى الترجمة والنقل».

نصر فريد واصل: إلغاء الغطاء الذهبى للنقود أخرج تعاملاتها من الحرمانية
قال الدكتور نصر فريد واصل، عضو هيئة كبار العلماء مفتى الديار المصرية بين عامى 1996 و2002، إن النقود، التى نتعامل بها اليوم لا يمكن أن تدخل فى باب المعاملات الربوية، ولا ينطبق عليها وصف الربا المحرم شرعًا، نظرا لكون المفهوم مرتبطا بالذهب والفضة، وفقا لنصوص الأحاديث النبوية، وما يلحق بها من أوجه القياس الشرعى.
وأكد مفتى الجمهورية الأسبق، فى كتابه «آفاق استثمار الأموال وطرقها فى الإسلام بالوطن العربى الإسلامى»، أن الضابط الشرعى الذى يسمح بانطباق وصف الربا على النقود، هو إلحاقها بالذهب والفضة، عن طريق ربطها بهما، بما يعرف باسم الغطاء الذهبى للنقود، وهو ما أصبح غير موجود حاليا، بعدما تخلت دول العالم عن هذا المعيار منذ عقود.
وشرح: «النقود المعمول بها حاليا لا ترتبط بالذهب والفضة، ولا توازيهما فى القيمة فى أى بنك من البنوك المركزية لدول العالم، ما يعنى أن الأوراق النقدية الحالية أصبحت منفصلة تمامًا عن الغطاء الذهبى، لذا فإنها لا تدخل ضمن أجناس المال الربوى، وفقا للنص أو القياس الشرعى».
واستنادا إلى هذه النقطة، أصبحت النقود الحالية تعامل معاملة السلع التجارية، حسب «واصل»، موضحًا: «تنطبق عليها الأحكام الفقهية الواقعة على هذه السلع، ما يعنى أن المعاملات البنكية فيها، سواء بالأخذ أو بالإعطاء، تعد غير مخالفة للشرع، إلا من جهة تعرضها للفساد أو الغش أو التدليس أو السرقة، كما يحدث فى حالات البيع والشراء المعتادة، لكنها لا تدخل مطلقا فى باب الربا».

مجدى عاشور: الإيداع والاقتراض أصبحا استثمارًا.. وتغيُّر الفتوى بشأن الأمر يرجع لاختلاف الواقع الحالى
قال الدكتور مجدى عاشور، رئيس لجنة «أمانة الفتوى»، بدار الإفتاء، المستشار العلمى لمفتى الجمهورية: «بالنسبة للأوراق النقدية، أو البنكنوت، أو الفلوس، فإن مذهب الشافعية يرى أنه لا ربا فى الفلوس، ويرى أن الربا مقصور على الذهب والفضة فقط».
وأضاف: «فى دار الإفتاء المصرية، يرى العلماء أن المعاملات البنكية والتعاملات الجديدة لا تدخل فى أبواب العقود المحرمة فى الفقه الإسلامى، لأنها نوع جديد، يدخل فى باب الاستثمار أو التمويل».
وعن الحكم الشرعى فى حال الإيداع البنكى، قال: «المودع يودع أمواله لدى البنك ليستثمرها له، وبالتالى فالإيداع يخرج عن كونه ربا، حتى لو تحددت الأرباح مسبقًا، ومن يقل بالحرمة بسبب تحديد الربح، لا ينظر إلى أن البنوك تفعل ذلك بناء على دراسات جدوى دقيقة، تتوصل من خلالها إلى هذه النتائج، وهذا يحمى المودع من الوقوع تحت طائلة الاستغلال والتنازع، وهذا هو المهم فى المعاملات».
أما فى حال الأخذ، المعروف بـ«الاقتراض»، فقال: «طبقًا لقانون الاستثمار، الصادر سنة 2004، فليس هناك شىء اسمه قرض، ليفتح باب الحرمة، وإنما هو تمويل، ما ينفى عنه شبهة الربا».
وأوضح الأمر بقوله: «البنك يعطى المستفيد تمويلا، ولا يشترط فى التمويل أن يكون لشراء سلعة مثل شقة أو سيارة أو غيرهما، بل قد يكون تمويلًا لشراء منفعة، أو خدمة، مثل تمويل دخول الأولاد المدارس، وهذا تمويل أيضا وليس قرضا».
وطالب الشيخ مجدى عاشور بضرورة إطلاق المصطلحات الصحيحة على الأشياء، وفقا لمضمونها، قائلا: «القرض قائم على الحاجة والمساعدة، وأصل عقد القرض قائم على الإرفاق، بينما العقد هنا قائم على المعاوضة، فالبنوك لا تعطى مساعدات، ولا تعطى من باب الرفق، وبالتالى فهذا تمويل وليس قرضًا».
وعن التضارب فى الفتاوى الخاصة بالمسألة، قال الدكتور أحمد ممدوح، مدير إدارة الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء: «الأمر يرجع للتغيرات الواقعة على الأرض، نظرا لأن طبيعة التعاملات المالية والبنكية اختلفت، بعد تخلى دول العالم عن الغطاء الذهبى، ما غير من طبيعة الأوراق المالية المتداولة، وأحكام التعامل بها».
وأوضح أن ورقة المعاملات البنكية أو «البنكنوت» كانت قديما عبارة عن «صك»، يستطيع الإنسان بموجبه أن يذهب إلى البنك، ويصرف ما يقابله من الذهب، لذا فهى لم تكن أكثر من مجرد صكوك، مغطاة بالذهب، لكن «الأمر اختلف عند فصلها عن الغطاء الذهبى، ما جعل لها قيمة ذاتية مختلفة، وأدخلها إلى باب جديد من الأحكام».
وأضاف: «البنوك كانت تربط العملات النقدية بالذهب، وتكيف هذه المعاملات على أنها قروض، وهذا ما جعل الفقهاء يعملون وفق قاعدة (كل قرض جر نفعا فهو ربا)، لكن بتغير الأمر عبر الزمن، وإنهاء الربط بين العملة والذهب، وتحول المسألة إلى استثمار، وفقا لنصوص القانون، خرجت المسألة من أبواب الربا، واختلفت الفتوى لاختلاف الواقع».