رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
تقارير وتحقيقات
الإثنين 16/أبريل/2018 - 12:56 م

«الانتخابات العراقية».. كيف تخطط إيران للسيطرة على زمام الأمور؟

أرشيفية
أرشيفية
محمود جابر
aman-dostor.org/9815

منذ نشأة العملية السياسية في العراق بعد الاحتلال في 2003، تشكلت الخارطة السياسية اعتمادًا على طرح الأمريكي بول بريمر، في تقسيم المجتمع العراقي إلى مكونات طائفية، وقد تكرست بالفعل مع تكوين «البيت الشيعي» على يد أحمد الجلبي فى أكتوبر عام 2006، والحقيقة أن الجلبي كان يلعب على حبلين، فهو رجل أمريكا القوى، وفي الوقت نفسه كان عميلا للمخابرات الإيرانية، مرتبطا بـ«خليل نعيمي»، مسئول محطة الاستخبارات الإيرانية في العراق، والذي كان يعمل بغطاء دبلوماسي في السفارة الإيرانية، وقُتل قرب السفارة الإيرانية ببغداد.

ومع تعاقب العملية السياسية وإجراء الانتخابات في العراق، تكوّن التحالف الوطني الذي يمثل جميع الكيانات والأحزاب ذات الخلفية الشيعية، أو ما كان يعرف بـ«الائتلاف الوطني العراقي» الذي أسسه رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم الجعفري عام 2009 ليكون أكبر حاضنة سياسية للشيعة، وخاض انتخابات البرلمان العراقي بهذا العنوان «التحالف الوطني»، وبات أكبر الكتل السياسية داخل البرلمان وخارجه، وصاحب أكبر نفوذ سياسي في العراق، ومن أبرز الأحزاب والتكتلات التي يضمها التحالف الوطني؛ ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، والمجلس الإسلامي الأعلى الذي كان يرأسه «سابقا» عمار الحكيم، وحزب الإصلاح بزعامة إبراهيم الجعفري، والتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، ومنظمة بدر بزعامة هادي العامري، وحزب الفضيلة وكتلة مستقلون، بالإضافة إلى شخصيات أخرى برعاية ومتابعة إيرانية تفصيلية.

يعد حزب الدعوة الإسلامي أقوى تشكيل سياسي تسلم زمام رئاسة الوزراء، من حكومة الجعفري 2005، ومدة حكم المالكي لدورتين ولغاية 2014، وحكومة العبادي الحالية التي تنتهي ولايتها مع نهاية الانتخابات المقبلة 2018، ويتحمل تبعات الحكم والقرار السياسي العراقي من 2003 وليومنا هذا.

وشهد حزب الدعوة انقسامًا حادًا وخلافات بينية بين أقطابه، ساهمت بطريقة أو بأخرى فى إضعاف البنية التنظيمية للحزب، وساهم في تراجعه الأداء المتردي للحكومات المتعاقبة، خاصة في قضية تكريس الحكم الطائفي الإقصائي، ولعل أشد الخلافات بين قياداته ما حدث من خلاف حاد بين المالكي والعبادي، خاصة بعد أن تسلم العبادي زمام الحكم في الدورة الأخيرة، وكذلك من خلال مفاوضات الحزب على خوض الانتخابات.. وحسب تصريحات رئيس مجلس الوزراء العبادي فإن الخلافات التي عصفت بمكونات حزب الدعوة كانت بسبب رفض نوري المالكي خوض العبادي الانتخابات باسم حزب «الدعوة»، معتبرًا أنه إذا تم ذلك فإنه سيعني أن يكون المالكي خارج الحزب، الأمر الذي لن يرضاه لنفسه، وأضاف العبادي، خلال مقابلة مع قناة «العربية»، أنه لم يكن هناك أي خلاف حول رئاسة الوزراء أو ما شابه، لكن الخلاف كان حول مصلحة الحزب ومن يخوض الانتخابات باسم الحزب.. وتجنبا لتكريس الخلاف بين الطرفين قرر حزب الدعوة عدم الدخول في الانتخابات المقبلة باسمه الحالي، ويعلن الدخول في الانتخابات بقائمتين مختلفتين، الأولى يتزعمها المالكي والثانية العبادي.

أما أهم التحالفات والكتل التي تمثل «البيت الشيعي» فهي:

ائتلاف النصر:

برئاسة رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي، ويضم التحالف كتلة «عراق النهضة والسلام»، برئاسة نواف الجربا، وحزب الفضيلة الإسلامي برئاسة عبدالحسين الموسوي، والاتحاد الإسلامي لتركمان العراق برئاسة جاسم محمد جعفر، وتيار الإصلاح الوطني بقيادة إبراهيم الجعفري، والمؤتمر الوطني العراقي برئاسة أراس حبيب، وكلنا العراق والتيار الوطني العشائري في العراق، وتجمع مقتدرون للسلم والبناء، وحركة الوفاء العراقية برئاسة قاسم الفهداوي، وتيار العدالة والنهوض وتجمع صوت الجماهير وتجمع العراق الجديد وتجمع ثوار الانتفاضة برئاسة مهند الزيرجاوي، وحركة عطاء برئاسة فالح الفياض، وتيار الأبرار الوطني وكتلة درع العراق وأمل الرافدين، وكتلة مستقلون بقيادة حسين الشهرستاني وغيرها.

كتلة الفتح المبين:

يتكون هذا التحالف من الأجنحة السياسية المكونة لفصائل الحشد الشعبي بأغلب تشكيلاته، ويترأسه الأمين العام لمنظمة «بدر» هادي العامري، ويضم هذا الائتلاف 18 كيانا سياسيا إلى جانب منظمة بدر، منها منظمة بدر والحركة الإسلامية في العراق وحركة الصدق والعطاء وحزب الطليعة الإسلامي، وحركة الجهاد والبناء وكتلة منتصرون، وحركة الصادقون والتجمع الشعبي المستقل، وحزب المهنيين للإعمار وتجمع كفى صرخة للتغيير، وتجمع عراق المستقبل وحزب المهنيين للإعمار وحزب الله العراق، والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي ومنظمة العمل الإسلامي العراقية، وحركة 15 شعبان الإسلامية وتجمع الشبك الديمقراطي.. وهذه الكتلة تراهن عليها إيران فى حصد أغلبية برلمانية تمكنها من تشكيل الحكومة، أو أن تكون القوى الغالبة في تشكيل الحكومة في مواجهة رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي لا تطمئن إليه إيران.

تحالف سائرون:

تم تشكيل قوة سياسية تحت اسم «سائرون»، تضم حزب الاستقامة الوطني الذي أسسه مقتدى الصدر، والحزب الشيوعي العراقي والعديد من القوى السياسية برئاسة زعيم التيار الصدري «مقتدى الصدر»، بالإضافة إلى تحالفهم مع ثمانية أحزاب، بينها أحزاب مدنية مثل الحزب الشيوعي العراقي، وحزب الدولة العادلة، والشباب وغيرها.

ائتلاف دولة القانون:

برئاسة نورى المالكى، نائب رئيس الجمهورية، كما انضم لهذا الائتلاف عدد من الحركات والقوى والشخصيات السياسية، منها «تيار الوسط» برئاسة موفق الربيعي مستشار الأمن القومي العراقي السابق، و«حركة البشائر الشبابية» بزعامة ياسر عبد صخيل المالكي، وحزب «دعاة الإسلام- تنظيم العراق» ويترأسه خضير الخزاعي، نائب رئيس الجمهورية العراقي السابق، و«حركة النور- الانتفاضة والتغيير» بزعامة محمد الهنداوي العضو في مجلس النواب العراقي، و«كتلة معًا للقانون» برئاسة محمد جعاز، و«الحزب المدني» بزعامة رجل الأعمال حمد الموسوي، بالإضافة إلى «التيار الثقافي الوطني» الذي يترأسه علي وتوت، وتيار الوسط وكتلة معا للقانون والتيار الثقافي الوطني وتجمع أمناء بلدنا، وتيار ولائيون الإسلامي، وهذا الائتلاف إضافة لقائمة الفتح، من حلفاء إيران الأساسيين فى هذه الانتخابات

تيار الحكمة:

برئاسة عمار الحكيم، وقد قرر السيد عمار خوض الانتخابات منفردا بعد أن انفصل عن تحالفه مع «النصر»، وقال أبورغيف، في بيان تلقت «الغد برس» نسخة منه، إنه بثقة المتكلينَ على الله تعالى، الموجَهينَ بإرادة وطنيةٍ ترى في الإصلاح هويّةً سياسيةً وإداريةً، عقدنا العزمَ على خوضِ المشوار الانتخابي لكسب ثقة مواطنينا الأعزّة الصابرين، وما انفك مشوارنا يتقدمُ خطواتٍ في هذا الاتجاه؛ لتعزيز مسيرة عراقٍ حرٍّ كريم، لا يضام، ولا ينحني أمامَ التحديات.

التحالفات والصراعات وحوار الغرف المغلقة:

جل الكيانات والأحزاب السياسية الممثلة للتحالف الوطني «البيت الشيعي»، تدور فى فلك الجمهورية الإسلامية، مع اعتبار كون اللاعب الأقوى في الساحة العراقية هو الولايات المتحدة الأمريكية التي عولت كثيرا على العبادي، والعبادي اقترب من أن يتحول إلى صداع للإيرانيين، بعدما اقترب كثيرا من الأمريكيين والغرب والخليج ودول عربية، ومع هذا لم تتحرك طهران ضده لأنها كانت تظن أنه الأقوى في الساحة الشيعية، كما اعتاد الإيرانيون على دعم الزعيم الشيعي الأقوى، وهذا ما خططوا له، ولكن تقلبات العبادي التحالفية أضرت بصورته العامة، ولم يعد ذلك الزعيم الذي لا يمكن قهره انتخابيا، على الأقل بالنسبة لحلفاء ولاية الفقيه، لذلك نرى أن إيران تشجع عددا من حلفائها في العراق على التنسيق لضمان منع رئيس الوزراء حيدر العبادي من الحصول على ولاية ثانية.

وليس خافيا على أحد أن زعيم منظمة «بدر» هادي العامري، سيحظى بالدعم الإيراني الكامل بعد انتخابات مايو 2018 المنتظرة، ليكون مرشحا لمنصب رئيس الوزراء.

وأيا ما يكون الحديث أو تضخيم شكل الصراع وشكل التحالفات، فهى فى نهاية المطاف هشة وضعيفة، ولأنه وفقا لمعلومات مؤكدة من مصادرها فقد اتفقت الأحزاب السياسية التي ستخوض الانتخابات بقوائم منفصلة، اتفقت فى سرية، على الرجوع للتحالف مع كتلها الأم، أو مع من يتفق معها عرقيًا أو مذهبيًا، بعد إعلان نتائج الانتخابات، لضمان الوصول إلى الكتلة الأكبر.

فمثلا، تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، والذي أعلن انشقاقه أخيرًا عن تحالف النصر بقيادة رئيس الحكومة حيدر العبادي، سيعود مرة أخرى للتحالف بعد الانتخابات، لأسباب عدة، أبرزها عزل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي عن الواجهة الشيعية، والوصول إلى الهدف المنشود بتكوين الكتلة الأكبر في البرلمان، فدخول الحكيم والعبادي للانتخابات منفصلين جاء بعد خطأ ارتكباه تمثّل بتشكيل كتل مترهلة، وأن تحالف الفتح الممثل للحشد الشعبي، لن يترك المالكي وحيدًا بعد الانتخابات.

إن الكتل الشيعية قادرة على خلق بيت شيعي واحد إذا ما حدثت تسويات بين الفرقاء، لكن الكتل السنّية ستبقى منفصلة وتمثّل بيتين بينهما نهر واسع.. إن البيت السنّي لن يصبح واحدًا طالما أن هناك خلافًا على من يمثّل هذا البيت من الكتل والأحزاب الحالية.

ومع كل ما تقدم من خلاف وافتراق للمكون الشيعي، بعد أن تكرس الفشل الذريع بأدائه على مدى حكم الأحزاب والكيانات السابقة، وعلى مدى أربع عشرة سنة، عانى منها العراقيون الأمرين، ومن هنا يسعى رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى الاستمرار في السلطة عبر حسم نتيجة الانتخابات المقبلة، ويستند العبادي في ذلك إلى النجاحات التي حققتها حكومته في مواجهة تنظيم الدولة، وعلى مستوى إنهاء الحلم الكردي في قيام دولتهم الموعودة، بعد أن أفرغ محتوى الاستفتاء من محتواه بالأعمال السياسية والعسكرية التي خاضها مع الإقليم.

فعلى الرغم من تراجع ملفات داخلية مهمة كالمصالحة الوطنية، ومحاربة الفساد، وتطبيق الإصلاحات السياسية والإدارية فهو الأكثر حظا للفوز، نظرا للتفاهم مع القوى الاقليمية العربية والولايات المتحدة، وهو التفاهم الذي تنظر إليه طهران بعين الريبة والشك، مخافة أن يؤدي تقارب العبادي وواشنطن إلى الإضرار بخارطة النفوذ والسيطرة الإيرانية في العراق خلال ترتيبات مرحلة ما بعد التحرير وما بعد الانتخابات المقبلة.

وهناك مؤشرات تقول بكون الخصام بين العبادي والمالكي مجرد تنافس داخل أروقة حزب الدعوة، وأن الخصام المرصود لا يتعدى التنافس الداخلي ضمن حزب الدعوة، فضلا عن أن يكون ذلك على مستوى التحالف الوطني، ونحن لدينا معلومات مؤكدة بأنهما - العبادى والمالكى - وقعا وثيقة الدخول بمقاعد حزب الدعوة بائتلافي النصر ودولة القانون ضمن الكتلة الأكبر بعد الانتخابات، والوثيقة كتبت بخط اليد، وتشير إلى الائتلاف ما بعد ظهور نتائج الانتخابات، كما تضمنت الوثيقة دخول الجميع باسم حزب الدعوة بعد الانتخابات من قائمتي النصر ودولة القانون ضمن اكبر كتلة تشكل الحكومة لضمان عدم انشقاق الحزب.

وقد جرى الاتفاق بحضور جميع قيادات حزب الدعوة والمالكي والعبادي، وقد وقع كل منهم على هذه الوثيقة بخط اليد بحضور ممثل عن المرجعية، وهو الدور الذى سنعرفه فى الحلقة المقبلة، وهو «دور المرجعية فى انتخابات البرلمان العراقي».