رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الجمعة 13/أبريل/2018 - 11:47 ص

نبي الدولة المدنية

نبي الدولة المدنية
ماهر فرغلى
aman-dostor.org/9721

من المؤكد أن هناك فرقًا بين دولة الرسول في ذهنية المتطرفين، والدولة التى أسسها الرسول الكريم، وعدم الوصول لتلك الحقيقة، هو الذى سبب إشكالية عميقة جدًا، يمكن أن تكون هى السبب الرئيسي في العنف المسلح الذى تمارسه العناصر الإرهابية.

في البداية لا بد وأن نؤكد على عدد من الحقائق الهامة، وهى أن هناك فرقًا بين الحكم السياسي، والحكم الفقهى، وهما متضادان لحد كبير جدًا، ومحاولة التوفيق بينهما عملية ليست بالميسورة، والوصول إليها هى معادلة لا يصل إليها سوى الحكماء، أو المسلمون المتدينون تدينًا فطريًا ولا يعرفون معنى لتلك المعادلات السخيفة.

لنضرب مثلاً لهذه الفروق، فقد حكم النبي على عبدالله بن أبيّ بن سلول، أنه رأس النفاق في المدينة، بل واستأذن ابن عبدالله النبي في أن يقتل والده المنافق، لكن الحكم السياسي النبوي هنا ظهر باعتباره حاكمًا، وقال (لا.. لئلا يقول الناس إن محمدًا يقتل أصحابه)، لقد ظهر لنا أننا أمام حكمان، فقهى، وهو نفاق الرجل، وسياسي، أن الرجل صحابي للنبي، والقاضى كان واحداً في كلا الأمرين، وهو النبي محمد، الذى حكم على عبدالله بن أبيّ، أنه منافق، وحكم عليه أيضًا أنه صحابي.

في واقعة يهود بني قريظة، الذين غدروا بالنبي في المدينة، وكادوا يفتكون بدولة الرسول الناشئة في غزوة الأحزاب، وسار إليهم الرسول وحاصرهم شهرًا أو خمسة وعشرين يومًا وفق بعض الروايات، ولمـا طال عليهم الحصار عرضوا على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتركهم ليخرجوا إلى أذرعات بالشام تاركين وراءهم ما يملكون، لكنه رفض، إلا أن يستسلموا دون قيد أو شرط، وبالفعل استسلموا، فوكل الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ أحد رؤساء الأوس، فقال عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق للنبي، وقد أمسكه من عنقه، اترك مواليّ، وكان سعد حليف بني قريظة في الجاهلية، وقد ارتاح اليهود لهذا الاختيار، وظنوا أن الرجل قد يحسن إليهم في حكمه، لكن سعدًا حكم عليهم، أن يقتل رجالهم، وتسبى نساؤهم، وتؤخذ ذراريهم، وكان الصحابة يكشفون عن عانة المراهقين، فمن خرجت له عانة قتلوه، وقتل في هذه الواقعة أكثر من 400 من يهود بنى قريظة!!.

هنا نحن أمام حكمين (فقهى وسياسي) وبين شخصين (نبي رسول أو حاكم سياسى لدولة)، فالحكم الفقهى على ما أعتقد كان متعارضًا مع الرؤية السياسية التى رأى فيها سعد بن معاذ أن يقتل رجالهم، ويسبي نساءهم، كما كان متعارضاً بين شخص الرسول الكريم، الذى قال عنه الله (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وبين القائد الذى يحكم المدينة وحكم على رجال بالقتل، في طريقة تتنافى عن مفهوم الرحمة الذى نعرفه عن الرسول، لكن المنطق، هو أن الرسول في هذه الحالة تصرف كحاكم وليس كنبي، وأنه طوال حياته كلها كان يتصرف بتلك الحالة، وهذا واضح في قول الصحابي له (أهو منزلاً أنزلكه الله، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟)، فما نزل من الله على الرسول، فهو رسالة واجبة التصديق والنفاذ، وما ترك له كبشر وكحاكم جازت به الشورى، وهذا هو المنطق الذى يفسر لنا عدم التعارض بين الرحمة والقتل، وعلى ما أعتقد في أن تلك النصوص التي وصلت إلينا في السيرة، فقد كتبت في عهد الدولة الأموية، أو العباسية، فيما بعد، وأن ما تعارض مع نص الرحمة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فهو نص مكذوب وموضوع، ولا يؤخذ منه حكمًا.

الديني والمدني موصول دائمًا، فقد تعددت الصفات التي اقترنت بالرسول باعتباره ربّ أسرة ونبياً مرسلاً، وتغير الأمر بعد الهجرة إلى المدينة، ودخوله في منطق التحالفات والوفاقات، وهي مرحلة يمكن أن توصف بـ"المرحلة السياسية"، وصار الرسول "إماماً سياسياً، وقائداً عسكرياً، يتولى إدارة شؤون الجماعة".

صعوبة تمييز التصرف الديني أو التصرف الرسالي، والتفريق بين السلطة التي يمارسها النبي في المجالات غير الدينية، وهل هى سلطة دينية أم مدنية؟ على ما أعتقد هى السبب في إشكالات كثيرة يقع بها المتطرفون، حين ينادون بما يسمى «دولة الخلافة الإسلامية» ويطالبون بعودتها، ولا يعلمون أن الخلافة ليست أصلاً إنما هى تطبيق إسلامى للحكم قد يصلح لعصر دون الآخر، ونفس الأمر أيضًا لمن ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية بوصفها أساسا لإصلاح الحكم، وهم بذلك يتجاهلون أن الرجوع للشريعة يكون فى الأصول والمسائل القطعية فقط، أما باقى الأمور الدنيوية فهى تحتاج إلى الاجتهاد، ومن دونه لن تفيد أى نصوص دينية.