رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
قضايا
الإثنين 09/أبريل/2018 - 10:15 م

تجديد الخطاب الديني بين ابن تيمية والشاطبي

تجديد الخطاب الديني
أحمد الشوربجى
aman-dostor.org/9608

منذ عقود طويلة والأمة مجمعة على ضرورة تجديد الخطاب الديني، وسط محاولات للأفراد والجماعات والدول لتقديم شيء ملموس في هذا الملف، ومازالت الدعوة قائمة والأمة تائهة والبحث مستمر عن طريق ناجع للتجديد، هنا تأتي أهمية هذه المقارنة بين "ابن تيمية"، و"الشاطبى"؛ فكلاهما خرجا عن مألوف عصريهما وكلاهما نادى بالتجديد.

حظى فكر وفقه ابن تيمية بنصيب كبير من الاهتمام والتطبيق بعدما حملته الدعوة الوهابية التي نجحت في تأسيس دولتها، ومن ثم أصبح اسم "ابن تيمية" رمزًا لهذه الدعوة ومرجعًا لكافة الجماعات التي تطلق على نفسها "إسلامية" كطريق للتجديد والنهضة وبعث الأمة من جديد، هكذا زعموا، في حين لم يحظ مشروع "الشاطبي" رغم مكانته العلمية بالاهتمام الكافي.


لماذا "ابن تيمية" و"الشاطبى"؟

هناك زاوية مهمة يجب أن ننظر إليها في طريقنا للتجديد بين الشيخين "ابن تيمية" و"الشاطبي"، نظرا للتشابه الملحوظ بين الرجلين، من حيث وحدة مشاكل العصر الذي عاشا فيه تقريبا، وإن اختلفت الأماكن فـ"ابن تيمية" ولد عام 661 هجرية وتوفى سنة 728 هجريا، فيما ولد الشاطبي قبل وفاة ابن تيمية بثمان سنوات بغرناطة في الأندلس، وتحديدا عام 720 هجرية.

"ابن تيمية" كان يعيش في الشرق، و"الشاطبي" في الغرب المنعزل تمامًا عن الشرق، لكن جمع الاثنين وحدة الموضوعات والمشكلات التي كانت تواجه الغرب والشرق معًا، فالأندلس كانت تعاني من عودة ملوك الأسبان الغربيين بقوتهم ليستعيدوا الحكم.

رأى "الشاطبي" المدن والبلاد الإسلامية وهي تسقط في أيدي الملوك الأسبان، وعايش محنة الإسلام وهو يُمحى من الغرب، ويحارب بكل ضراوة وقسوة، ورأى المسلمين وهم يفرون من مكان لآخر أويهجرون قسرًا، أو يمكثون فيضطهدون، ويفتنون في دينهم ويشردون.

هاجر أبواه إلى غرناطة، تاركين مسقط رأسه مدينة "شاطبة" التي ينسب إليها الشيخ، والتي كانت أعظم حصون المسلمين قبل سقوطها.


نفس المشاهد التي عاشها "ابن تيمية" حينما خرج مع أبيه وأهله فارًا من التتار، الذين اجتاحوا بلدته "حَرَّان"، كما عايش الحروب الصليبية وعصر الاضطرابات والانقلابات السياسية، وهي نفس المشاهد التي كانت تحكم الأندلس أيضا.

رأى كلاهما الأمة مريضة تحتاج لبعث جديد، فنادوا بمحاربة البدع وضرورة التجديد فكتب الشاطبى"الاعتصام" أشهر مرجع في تعريف البدعة وتقسيماتها وأنواعها، أما كلام ابن تيمية ومواقفه في محاربة البدع فأشهر من أن تدون، إذن وحدت الظروف ومعطيات العصر أهداف الرجلين، واتفقا في التشخيص ومن ثم انطلقا يبحثان عن العلاج والحل، فهل اتفقت نتائج بحثيهما؟.

شخصية الشيخين

ربما يكمن جزء من الجواب في شخصية الرجلين، فبحث الباحث مهما تجرد هو نتاج وحى الشخصية التى تفرض بصمتها شئنا أم أبينا ولقد نص القدامى على هذا فى ثنايا كتبهم ولكن المعاصرون تنبهوا له أكثر فأفردوا مؤلفات وأبحاث حول الدين والاجتماع، فيقول المطهرى في بحث حول (الاجتهاد في الإسلام) تحت عنوان: "أثر شخصية الفقيه في فتاواه"، ما يلي: "عمل الفقيه والمجتهد هو استنباط الأحكام الشرعية، إلا أن معرفته وإحاطته وطراز نظرته إلى العالم تؤثر تأثيرًا كبيرًا في فتاواه. على الفقيه أن يكون محيطًا إحاطة كاملة بالموضوع المطلوب منه إصدار فتوى فيه. فإذا افترضنا فقيهًا دائم الانزواء في بيته أو مدرسته، ثم نقارنه بفقيه آخر يعايش حركة الحياة حوله، نجد أن كليهما يرجعان إلى الأدلة الشرعية لاستنباط الحكم، ولكن كل منهما يستنبط حكمه على أساس وجهة نظره الخاصة".


لو أن أحدًا أجرى مقارنة بين فتاوى الفقهاء، وتعرف في الوقت نفسه على ظروف حياة كل فرد منهم وطريقة تفكيرهم في مسائل الحياة، لعرف كيف أن المنظورات الفكرية لكل فقيه ومعلوماته عن العالم الخارجي المحيط به تتأثر بها فتاواه، بحيث أن فتوى العربي تفوح منها رائحة العرب، ومن فتوى العجمي رائحة العجم، ومن فتوى القروي رائحة القرية، ومن فتوى المدني رائحة المدنية.

فالشاطبى كان رجلًا يكره التعنت والاعتراض والجدل، فيقول: "أوصانى شيخى ألا أعترض على أحد. 


ويقول: تدقيق الأمور غير مطلوب شرعًا؛ لأنه تكلف وتنطع، ومن تعسف وطلب المحتملات والغلبة بالمشكلات وأعرض عن الواضحات فيخاف عليه التشبه بمن ذمهم الله تعالى بقوله " فأما الذين فى قلوبهم زيغ "، كما كان يكره الفرقة والإختلاف كرهًا شديدًا ولم يتورع أن يذكر ذلك قائلًا:: أطلب نفسى بالمشى مع الجماعة التى سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسواد الأعظم فى الوصف الذى كان عليه هو وأصحابه وترك البدع التى نص عليها العلماء أنها بدع".

سمات تصعب أمر التجديد على من يريده فكل مجدد معارض ومحارب ومعادى حتى من أهل العلم لكنه حاول قدر جهده أن يكون مجددًا منسجمًا مع ما يؤمن به وما يتلائم مع شخصيته فخط لنفسه خطة واضحة المعالم، فقال: "فإذا كان وجه الصواب لائحًا لك فاعمل به ما ستطعت ومن جاءك مسترشدًا، فعلمه مما علمك الله. ومن جتاءك مستشكلا لأمر، وعرفت من مخائله الصدق، فأرشده لما عندك من الصواب أو قل لا أعلم. ومن جاءك متعنتًا فأعره الأذن الصماء واسأل ربك اللطف الجميل ومن أتاك يخبرك بما فيك فاعلم أنه فى الغالب نمام ينم عليك كما ينم لك فلا تثق به ولا تتلقف كلام الناس فإنه مما يوقع العدواة والبغضاء بين المؤمنين ومن خطأ صوابك فكله إلى الله وكل من عاملك بشر فعامله بخير وكل من قطعك فصله".

رُمى الشاطبى بالغباوة والجهالة والبدعة والضلالة ورماه أهل التصوف الزائف بمحاربة الأولياء لكنه لم يقع فيهم، وقال "اتكلم عمن نسبوا أنفسهم إلى الصوفية ولم يتشبهوا بهم، فلم يقدح فى أصل التصوف ولم يحاربه بل تمسك به وأظهر خطأ من ينسب إليه".

درس وعاه "ابن تيمية" رحمه الله بعد خبط كثير، فقال في أول عهده كلامًا ثم ناقضه بغيره ليوازن أوله بآخره، انغمس ابن تيمية رحمه الله في الفروع الفقهية وما يتصل بها من قواعد الأصول فخاصم واختصم وأفتى بالقتل وأُفتى بضلاله فقال فيمن أخر صلاة الفجر إلى طلوع الشمس يجب قتله بعد أن يستتاب.

وقال "فيمن يرى أن الجهر بالنية عند إرادة الصلاة من الدين يجب استتابته من هذا القول، فإن أصر على ذلك قتل. ومن أصر على تقليد إمام معين استتاب فإن رجع وإلا قتل. ومن أنكر على المسافر فطره فى نهار رمضان استتاب فإن تاب وإلا قتل".

ففرق بين الناس وافترق عليه فقال ابن حجر فى الدرر الكامنة: "وافترق الناس فيه شيعًا فمنهم من نسبه إلى التجسيم؛ لما ذكر فى العقيدة الحموية والواسطيةوغيرهما.. كقوله إن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقة لله وأنه مستوى على العرش بذاته.. ومنهم من ينسبه للزندقة لقوله إن النبى صلى اله عليه وسلم لا يستغاث به وفى ذلك تنقيص ومنع من تعظيم النبى، ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله فى على ما تقدم، وأنه كان عبدًا مخذولًا حيث ما توجه، وإنه حاول الخلافة مرارًا فلم ينلها، وإنه كان يحب الرئاسة،وقاتل للرئاسة لا للديانة،.. وإن عثمان كان يحب المال، وقال قوم إنه – يعنى ابن تيمة- كان يسعى للإمامة الكبرى، وكان إذا حوقق وألزم يقول: لم أرد هذا إنما أردت كذا فيذكر احتمالًا بعيدا. وقال أيضًا: أنه بالغ فى الرد على الشيعة حتى أوقعه ذلك فى إنكار بعض فضائل على فتحامل فى مواضع عديدة ورد أحاديث موجودة لعلى، كما بالغ فى الرد على الأشاعرة من أهل السنة حتى نسبهم للتعطيل والتجهم؛ فقد كان من طريقته أنه يرد على طائفة بقول الطائفة المناقضة لها فيرد على الرافضة بقول الناصبة،ويرد على الجهمية بقول المجسمة".

ظل "ابن تيمية" رحمه الله على ذلك من الجدل والخلاف حتى قال فيه تلميذه الذهبى محذرًا وناصحا من يسلك نفس الدرب: "فإن برعت في الأصول وتوابعها من المنطق والحكمة والفلسفة وءاراء الأوائل ومحارات العقول، واعتصمت مع ذلك بالكتاب والسنة وأصول السلف، ولفقت بين العقل والنقل، فما أظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ولا والله تقاربها، وقد رأيت ما ءال أمره إليه من الحط عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منورا مضيئا على محياه سميا السلف، ثم صار مظلما مكسوفا عليه قتمة عند خلائق من الناس، ودجالا أفاكا كافرا عند أعدائه، ومبتدعا فاضلا محققا بارعا عند طوائف من عقلاء الفضلاء، وحامل راية الإسلام وحامي حوزة الدين ومحيى السنة عند عوام أصحابه، هو ما أقول لك".

أما "الشاطبي" فقد تجاوز النظر في الفروع الفقهية وما يتصل بها من قواعد الأصول وحلق بعيدًا في السماء وراح إلى هناك إلى منطقة لم يذهب إليها أحد من قبله إلى روح الشريعة التي هي مقاصدها وغاياتها التي تستهدف إصلاح الإنسان في هذا العالم وتحقيق سعادته في الدار الفانية، والباقية على حد سواء فاتسم بالتعمق والإحاطة والأستقراء والنقد الموضوعى فعرض إنتاجه هذا فى ثلاث كتب فقط هى جملة الكتتب التى طبعت له "الموافقات"، وا"لاعتصام"، و"الإفادات"، قال فيها محمد رشيد رضا قليل منك يكفينى ولكن قليلك لا يقال له قليل، فلم يكثر الشاطبى من القيل والقال فراح فى منطقة لا يعرفها أحد وجلس يخط ويؤسس لعلم جديد ينقذ الأمة مما هى فيه فهدف بكتابه الموافقات إلى تجديد النظر فى الشريعة بلفت العقول إلى مقاصدها وأسرارها شن فيه حملة ضارية على من قنع من بالعلم بالحفظ والتقليد فهؤلاء وصفهم بالجهل وبين أن كتابه هذا قتنة لهم إن نظروا فيه وهو لم يخاطبهم به إنما يخاطب من أعمل العقل وأحاط بالنقل وأراد سبر أغوار الشريعة ومعرفة معانيها فكتابه هذا خير معين لهم، كتب الرجل كتابه للأمة بهدوء ثم تركه ورحل.


كتاب الموافقات

اشتمل كتاب الموافقات لـ "الشاطبي"، على خمسة مباحث المبحث الأول فى المقدمات وتحتوى على المبادئ التى يحتاج إليها فى فهم مباحث الكتاب، والثانى فى الأحكام من زواية ارتباطها بمقاصد الشريعة فى تحقيق المصلحة ودرء المفسدة والمبحث، الثالث سماه المقاصد وهو معلم مستقل بذاته وتأسيساص مستحدثًا لأسرار الشريعة وغاياتها، وتناول المبحث الرابع أدلة الشريعة واقتصر فيها على الكتاب والسنة وقال عن السنة أنها مبينة لمجمل القرآن ولا تخرج فى جملتها عن أحكامه، وتناول المبحث الأخير الأجتهاد والتقليد وكان أول من وضع شرط فهم مقاصد الشريعة فى من يريد الاجتهاد مع تمكنه من أعمال فهمه هذا فى استنباطه.


الطاهر ابن عاشور

اتجهت الأمة لفقه ابن تيمية فناهلها من حظه ما ناله ولم تلتفت لما كتبه الشاطبي إلا بعد عمر طويل يقول محمد رشيد رضا: "إن الشاطبى يُعد بكتاب الموافقات نظير لابن خلدون فى المقدمة؛ فكلاهما ابتدع من التأليف ما لم يسبق إليه، كما أنهما انتهيا إلى وضع واحد هو أن الأمة التى ابتدع لهما هذان العبقريان كتابيهما، أو علميهما الجديدين، لم تقبل على أبداعهما العجيب، ولم تنتفع به".


التقط "الطاهر ابن اعشور" من "الشاطبى" الخيط ومشى وراء ما أضاءه فعرف أن أحوال الرسول التى عنه أقواله وأفعاله 12 حال من عرفهم عرف كيف يتعامل مع السنة وكيف يأخذ الأحكام منها، فليست السنة ولا أقوال النبى كلها سواء.

الصحابة كانوا يفرقون بين ما يصدر منه على وجه التشريع وما يصدر على غير وجه التشريع فإن اُشكل عليهم أمر سألوه فيه مثلما فعلت بريرة الأمة التى اُعتقت فطلقت من زوجها مغيث فكان يطوف ورائها يبكى ودموعه على لحيته يحبها وتبغضه فقال لها النبى لو راجعته فقالت أتامرنى قال إنما أشفع قالت لا.


لم يكن الصحابة فقط من فهموا ذلك بل جاء من تبعهم بنفس فهمهم: "فعن الزهرى عن سالم عن رافع ابن خديج قال: إن رسول الله نهى عن كراء المزارع، فقال الزهرى لسالم راوى الحديث أتكريها أنت؟ قال نعم إن رافعًا أكثر على نفسه"، وأخرج مالك فى موطأه حديث "البيعان بالخيار ما لم يتفرق" ورغم صحة الحديث قال: "وليس لهذا عندنا حد محدود ولا أمر معمول به؛ لأنه خالف مقاصد الشريعة".

قال الشاطبى عن ابن عربى: إذا جاء خبر الواحد معارضًا لقاعدة من قواعد الشرع هل يجوز العمل به؟ قال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وقال الشافعى يجوز، وقال مالك: إن عضد الحديث قاعدة أخرى فبها وإن كان وحده تركناه لذا رد مالك حديث المصراة لما رآه مخالفًا للأصول.

إنه فقه "الشاطبى" الذى مازال ينتظر مزيدًا من خدمتة، وإعمالاه له لتذهب الأمة إلى هناك إلى روح الشريعة ومقاصدها إلى النورالذى يطفئ ظلمة التخبط وحالة التيه.