رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
قضايا
الأحد 08/أبريل/2018 - 02:17 م

هل حقًا الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة؟

هل حقًا الأشاعرة
محمد يسري
aman-dostor.org/9560

من الألقاب التي يحاول "الأشاعرة" احتكارها، كغيرهم من الفرق لقب "أهل السنة والجماعة"، وينكرون على غيرهم استخدامه باعتبارهم وحدهم الطائفة المنصورة، أو الفرقة الناجية التي أخبر النبي صلى الله عليها وسلم عنها في الحديث الصحيح: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. وفي بعض الروايات: هي الجماعة. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.

فمن هم أهل السنة وما هي الجماعة؟ وهل حقا الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة؟.. دعنا نرى في السطور التالية:

أهل السنة من هم؟

ليس المقصود هنا توصيف أهل السنة، مقابل الشيعة، فالفرق بينهما كبير وله مباحث أخرى، ليست من شأننا الآن، وما نتناوله هنا هو البحث المتجرد في النزاع القائم إلى الآن حول مفهوم أهل السنة والجماعة بين الأشاعرة، وغيرها من الفرق الإسلامية السُنية.

يعرّف علماء اللغة السُنّة بأنها الطريقة والسيرة، وهو ما ذكره ابن منظور في لسان العرب (الجزء 13، صفحة 225، مادة سنن، بقوله أن " الأصل فيها الطريقة والسيرة"، واتفق معه أيضا ابن فارس في مقاييس اللغة، مادة سن بقوله: " وسُنَّة رسول الله عليه السَّلام: سِيرته.

أما في الاصطلاح فقد تنوع مدلول اللفظ تبعا للعلم الذي يتم استخدامه فيه، فيأتي في "الفقه" بمعنى "المستحب" أو "المندوب"، وفي علم "أصول الفقه" بمعني "الدليل الشرعي"، أو "الأدلة الإجمالية المتفق عليها" وهي الكتاب والسنة والإجماع، وفي علم الحديث يطلق على كل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول وفعل وتقرير.

وحول ذلك يقول الشاطبي في الموافقات، الجزء الرابع، صفحة (289- 290) : "يطلق لفظ السنة على ما جاء منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص، مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز ، بل إنما نص عليه من جهته عليه الصلاة والسلام ، كان بيانا لما في الكتاب أو لا".

وقال: "ويطلق أيضا في مقابلة البدعة؛ فيقال : فلان على سنة إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أو لا، ويقال : فلان على بدعة إذا عمل على خلاف ذلك، وكأن هذا الإطلاق إنما اعتبر فيه عمل صاحب الشريعة؛ فأطلق عليه لفظ السنة من تلك الجهة، وإن كان العمل بمقتضى الكتاب".
(انظر: الموافقات، للشاطبي، الجزء الرابع، ص191)

كما اشتهر إطلاق لفظ السنة أيضا على علوم العقيدة، يقول ابن رجب: "وكثير من العلماء المتأخِّرين يَخصُّ السُّنَّة بما يتعلَّق بالاعتقاد؛ لأنَّها أصل الدِّين، والمخالف فيها على خطَر عظيم".
(انظر: جامع العلوم والحكم، الجزء الثاني، ص 120)

وقد اعتمد هذا الاسم أغلب الذين صنفوا في علوم التوحيد والعقيدة منذ القرن الثاني الهجري، ومن ذلك كتاب "السنة" لعبدالله ابن أحمد ابن حنبل، و"السنة" للخلال، و"شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة" للإمام أبي القاسم اللالكائي، و"شرح السنة" للبربهاري، وكتاب "السنة" للإمام محمد ابن نصر المروزي، و"السنة" للحافظ ابن عاصم، و"السنة" لحرب الكرماني وغيرها الكثير.

وقد ذكر الحافظ ابن رجب سبب إطلاق اسم السنة على علم التوحيد والعقيدة فقال:
" والسنة هي: الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة ولهذا كان السلف قديماً لا يطلقون اسم "السنة" إلا على ما يشمل ذلك كله، وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض، وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم "السنة" بما يتعلق بالاعتقاد إلا أنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم".
(انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، الجزء الأول، ص 263).

ومن هنا فقد جاء النزاع بين الفرق الإسلامية حول من ينطبق عليه الاسم ومن الأولى باستحقاق اللقب، في مقابل أهل البدعة- أي البعد عن منهاج النبوة في تقرير مسائل العقيدة- واعتماد المناهج الدخيلة على الإسلام وقد وضع العلماء شروطا واضحة في كل كتب المتأخرين والمتقدمين لمنهج أهل السنة، إلا أن أغلب الفرق تدعي لنفسها أنها صاحبة الحق في استخدام لقب أهل السنة والجماعة، وتحاول أن تدلل على ذلك بكل ما استطاعت، حتى انفردت فرقة الأشاعرة باللقب الذي يقدمونه على اسم الفرقة، فيقولون "أهل السنة والجماعة، الأشاعرة، وبالتالي باتت تقدم نفسها على أنها الفرقة الناجية، وأن الصلاح فيما رأت وأن غيرها من الفرق الأخرى مهما كانت مطابقة الشروط عليها، جميعها "أهل بدع".

شروط أهل السنة والجماعة

تمثل عقيدة أهل السنة والجماعة المنهج الواضح، الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم، وفهمه صحابته الكرام، وطبقوه في حياتهم ونقلوه إلى من تبعهم بعد ذلك، وتواتر عنهم إلى اليوم، ويطلق عليهم أحيانا مصطلحات أخرى منها "السلف"، والطائفة المنصورة، أو الفرقة الناجية، طبقا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وضع أساس هذه العقيدة التي تمثل الإسلام بشقيه العملي والاعتقادي، وبالتالي فإن النسبة إلى أهل السنة هي نسبة للرسول صلى الله عليه وسلم وطريقته، وكذلك التسمي بالسلف أيضا هو تسمي بما أقره النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أول من تكلم بلفظ "السلف" وأطلقه على هذا المنهج، في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عائشة عن فاطمة رضي الله عنهما قالت:
"... فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت- أي فاطمة- أما الآن فنعم أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين وإنه عارضه الآن مرتين وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري فإنه نعم (السلف) أنا لك، قالت فبكيت بكائي الذي رأيت..."

وقد اتفق العلماء على أن شروط التسمي بلقب أهل السنة والجماعة هي اتباع كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يتعلق بصفات الله وأسمائه، وموافقة منهج النبوة في أبواب الإيمان، وبالتالي فإن أصول أهل السنة والجماعة ترتكز على اتباع ما صح من الأدلة الشرعية، واقتفاء ما كان عليه الصحابة والتابعون من فهم هذه الأدلة، لأنهم أقرب الناس إلى معرفة الوحي، وقد جاءت الأدلة الكثيرة على ذلك في الكتاب والسنة.

وتتلخص هذه الشروط فيما يلي:

1- أن مصدر التلقي في أمور الاعتقاد هو الكتاب والسنة، وأن هذا الدين كامل.
2- تقديم الشرع على العقل فيما يتوهم فيه التعارض بينهما، خاصة في الأمور الغيبية التي لا سبيل للعقل فيها.
3- ترك التأويل والبعد عن التحريف والتعطيل والتفويض.
4- الحرص على الجماعة ونبذ الفرقة.
5- الوسطية وترك الغلو.

وتعتبر الشروط الخمس السابقة هي أهم ما يميز أهل السنة عن غيرهم من الفرق خاصة في باب الاعتقاد، لأن جميع مسائل العقيدة تعتبر من الغيبيات التي اختص الله تعالى بها نفسه، وأنزل الخبر والعلم بها في كتابه الكريم على نبيه صلى الله عليه وسلم؛ وبذلك فليس لأحد إنكار شيء منها أو تأويله، أو تفويض العلم به لله، لأن الله تعالى لم ينزل في كتابه ما يحير عباده، أو ما لا يريد إخبارهم به، وإلا لما أنزله؟، قال تعالى : {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء:192- 195]

موقع الأشاعرة من الشروط السابقة

ربما يكون فتح النقاش حول هذه القضية من الأمور الحساسة للغاية التي لا يقبل الأشاعرة الحديث عنها، رغم أهميتها بالنسبة لهم، ولا يشك أحد من منتقديهم أنهم من أهل التوحيد، وبينهم الكثير من أهل الفضل الذين لهم جهود عظيمة في خدمة الإسلام والمسلمين، ويكفي أن نذكر منهم شيخ الإسلام الإمام العز بن عبدالسلام، وصلاح الدين الأيوبي، والإمام أبو حامد الغزالي وغيرهم من الرموز العظام في تاريخ الأمة الإسلامية.

ولأن كلا يؤخذ منه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، فيما بلغ عن ربه، نطابق الشروط السابقة على منهج الأشاعرة، بإيجاز:

الشرط الأول: مصدر التلقي

يعتبر الأشاعرة أن مصدر التلقي في باب العقيدة هو الأدلة السمعية من القرآن والأحاديث "المتواترة"، دون الآحاد وقد ذكروا ذلك في مؤلفاتهم، قال الرازي: "أما التمسك بخبر الواحد في معرفة الله تعالى فغير جائز.. لأن أخبار الآحاد ظنية، وما كان كذلك فلا يجوز التمسك به لقوله تعالى (إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) [يونس:36]".
(انظر: أساس التقديس، للرازي، ص 168

وبالتالي فقد أسقط الأشاعرة جانبا كبيرا من السنة النبوية، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمد كثيرا على شخص واحد، في تبليغ دعوة الإسلام لغير المسلمين، وقبول الصحابة حديث الآحاد، ومنها حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الذي أرسله إلى أهل اليمن والذي رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس يقول:

"لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن، قال له إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس".

ورغم رفض الأشاعرة قبول خبر الآحاد في باب العقيدة، إلا أنهم يجيزون ذلك في مسائل الفقه، وهو أمر شديد العجب؛ لأن تنفيذ التكاليف الشرعية في مسائل الفقه يتطلب حكما اعتقاديا، وإلا على أي أساس يتم تنفيذه قبل أن يسبقه اعتقاد.

وما يثبت هذه المخالفة أيضا أن القرآن الكريم أقر خبر الواحد في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6] وغيرها الكثير من الأدلة على ذلك.

الشرطان الثاني والثالث:

يؤمن أهل السنة والجماعة أن الله تعالى هو الذي خلق العقل، وأرسل له النقل ومن المحال أن يرسل له ما يفسده، ورغم ذلك فقد تغاضى الأشاعرة عن هذه القاعدة في مسائل الاعتقاد، وبدلا من أن يجعلوا العقل دليلا ومرشدا إلى الشرع، جعلوه حكما عليه بهدف الحرص على تنزيه الله تعالى من مشابهة المخلوقين، وهي غاية غالية، ولكن الآليات تهدم ذلك، يقول الرازي:

" اعلم أن الدلائل القطعية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة ..."
ثم قال بعد ذكر هذه الأمور:
"ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية : إما أن يقال : إنها غير صحيحة، إلا أن المراد منها غير ظواهرها ؛ ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى. فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات، وبالله التوفيق".
(انظر: أساس التقديس، للرازي، ص172-173)

وتحمل هذه الفقرة من كلام الرازي منهج الأشاعرة في التعامل مع النصوص الشرعية التي يوهم ظاهرها التناقض مع العقل، وتقديم العقل على النص الشرعي، واعتباره حكما عليه، وهو ما جعله ينطلق إلى مخالفة الشرط الثالث أيضا لمنهج أهل السنة والجماعة، الذي ينص على "ترك التأويل والبعد عن التعطيل والتفويض"، واعتبر أن التفويض والتأويل هو القانون الكلي الذي يحكم هذه المسألة، رغم أن العقل يؤكد أن الله تعالى لم يرسل غوامض أو أحاجي إلى عباده في القرآن الكريم، ورغم أن كل حرف في كتاب الله قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم معناه تاما غير ناقص وقد فهم الصحابة ذلك كله دقيقه وجليله، فكيف يرسل الله شيئا غير مفهوم لعباده ويفوض علمه إليه وحده؟، فلماذا أرسله إذن؟ ولماذا لم يسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا لم يستوضح الصحابة معناه من النبي، رغم أن المعروف أنهم لم يتركوا شيئا في الكتاب والسنة إلا وكانوا حريصين على فهمه.

وقد أدت هذه القاعدة إلى ظهور مخالفات كثيرة في مسألة صفات الله تعالى وأسمائه فالأشاعرة يثبتون فقط 7 صفات لله تعالى، وهي: القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، والأخيرة أيضا خالفوا فيها منهج الصحابة وقالوا إن الله يتكلم بكلام نفسي، رغم ثبوت الأدلة من الكتاب والسنة على أن كلام الله حقيقي لا مجازي.

الشرط الرابع: الحرص على الجماعة ونبذ الفرقة

يتميز الأشاعرة- رغم ما لديهم من مخالفات كغيرهم من الفرق- على الجماعة ونبذ الفرقة، ويتفقون في ذلك مع منهج الصحابة وأهل السنة، إلا أن نظرتهم لمخالفيهم قد تعكس انطواء على الذات، ورفضا لمن لم يتبع طريقتهم، وقد يُمارس ضد المخالف نوع من الضغوط نظرا لنفوذ الأشاعرة الرسمي في كل الدول الإسلامية، وهو ما يثير عليهم الهجوم من الكثير من التيارات الأخرى خاصة التيار السلفي.

وفي المجمل فإن الأشاعرة المتأخرين والمتقدمين منهم قد أظهروا الحرص على وحدة الأمة الإسلامية، ومن ذلك جهود العز ابن عبدالسلام وصلاح الدين الأيوبي في محاربة التتار والصليبيين.


الشرط الخامس: الوسطية وترك الغلو:

يحرص الأشاعرة دائما على رفع لواء الوسطية باعتبار أن وسطيتهم هي وسطية الإسلام، التي دل عليها الشرع إلا أن البحث في أصول هذه الوسطية، يؤكد أن ما يتحدثون عنها هو الوسطية بين فرق المتكلمين المشبهة والمعطلة لصفات الله تعالى، وقد اتخذ الأشاعرة بينهم موقفا وسطا معتمدا على الأدلة العقلية فقط مثلما فعلت الفرق الأخرى، وبالتالي فالقول بأن وسطية الأشاعرة هي وسطية الإسلام أمر مخالف للحقيقة، بل هي وسطية بين فرق المتكلمين والفلاسفة.

ويغالي الأشاعرة كغيرهم من الفرق الإسلامية في مدح الذات باعتبار أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة دون غيرهم، وهي آفة يعاني منها الجميع.