رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الخميس 05/أبريل/2018 - 01:22 م

الأشاعرة.. وسطية الإسلام أم ماذا؟

الأشاعرة.. وسطية
محمد يسري
aman-dostor.org/9453

 يسيطر أصحاب المذهب الأشعري منذ قرون على كل المؤسسات الدينية الرسمية في أغلب الدول الإسلامية، ويرفعون دائما شعار "الوسطية" الذي يقدمون به أنفسهم في كل المحافل، رغم أن مصطلح "الوسطية" يحمل مدلولات مختلفة فما هو المقصود بهذه الوسطية؟


وسطية الإسلام


يقول تعالى، {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].


نبدأ من تفسير الآية السابقة، لدى الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسير الآية 143 من سورة البقرة:

"وسط في الإيمان والعقيدة. فهناك من أنكروا وجود الإله الحق.. وهناك من أسرفوا فعددوا الآلهة، هذا الطرف مخطئ وهذا الطرف مخطئ.. أما نحن المسلمين فقلنا لا إله إلا الله وحده، لا شريك له واحد أحد، وهذه بديهية من بديهيات هذا الكون؛ لأن الله تبارك وتعالى خلق الكون وخلق كل ما فيه وقال سبحانه إنه خلق، ولم يأت ولن يأتي من يدعي الخلق، إذن فالدعوى خالصة لله تبارك وتعالى، ولو كان في هذا الكون آلهة متعددة لادعى كل واحد منهم الخلق، ولذلك فإن الله جل جلاله يقول: {مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ} [المؤمنون: 91].


أي لتنازع الخلق ولاضطراب الكون؛ فالإسلام دين وسط بين الإلحاد وتعدد الآلهة، على أن هناك أناساً يسرفون في المادية ويهملون القيم الروحية، وأناساً يهملون المادة ويؤمنون بالقيم الروحية وحدها".


يؤكد الشعراوي- رحمه الله أن الوسطية المقصودة في الآية هي وسطية العقيدة والإيمان، فأمة الإسلام جاءت في منزلة وسط بين أصحاب العقائد المنحرفة التي تنكر وجود الإله، أو تلك التي تقول بتعدد الآلهة سواء بوجود إلهين أو ثلاثة، أو أكثر من ذلك، كما نرى في أهل الأديان الوضعية وغيرها، أما الإسلام فقد أقر الفطرة الإنسانية التي تؤكد الوسطية وهي وجود إله واحد أحد صمد، وهي المزية التي رفعت أمة الإسلام على غيرها من الأمم، وهو ما ميزها بالشرف والعلو.


كما أجمع على هذه المزية أيضا كل المفسرين المعاصرين والقدامى ومنها قول الدكتور سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق- رحمه الله- والذي قال في تفسير قوله تعالى: {مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ}.. [المؤمنون: 91].


"جعلناكم- أيضا- أُمَّةً وَسَطاً أى: خيارا عدولا بين الأمم ليتحقق التناسب بينكم وبين القبلة التي تتوجهون إليها في صلواتكم، تشهدون على الأمم السابقة بأن أنبياءهم قد بلغوهم الرسالة، ونصحوهم بما ينفعهم، ولكي يشهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم عليكم بأنكم صدقتموه وآمنتم به".


وقال الطبري: والوسط هاهنا : الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبا ودارا، أي: خيرها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه، أي: أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى : (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ  هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا) [ الحج : 78 ].


وبهذا فالحديث عن الوسطية في الآية يشمل أمة الإسلام التي جعلها الله تعالى وسطا بين الأمم لعلو منزلتها وعدلها الذي قدره الله لها، فالله تعالى هو الذي سماهم المسلمين، فكانوا بذلك شهداء على الناس يوم القيامة، وبالتالي فإن الوسطية صفة لأمة الإسلام، كلها التي أقرت عقيدة التوحيد، وليست حكرا على مذهب أو جماعة أو طائفة بعينها دون غيرها.


وسطية الأشاعرة


يصنف علماء الفرق والمذاهب "الأشاعرة" كفرقة كلامية، "تنسب لأبي الحسن الأشعري الذي خرج على المعتزلة. وقد اتخذت الأشاعرة البراهين والدلائل العقلية والكلامية وسيلة في محاججة خصومها من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم، لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية... على طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب في إثبات الصفات السبع عن طريق العقل: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، أما الصفات الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق فتأولها على ما ظن أنها تتفق مع أحكام العقل وهذه هي المرحلة التي ما زال الأشاعرة عليها".

وقفت فرقة الأشاعرة موقفا وسطا بين علماء الكلام والفلاسفة في صفات الله تعالى، ومنها صفة الكلام التي ابتدعها المعتزلة في مسألة خلق القرآن وتفرعت عنها الكثير من المسائل العقدية الكبرى التي كانت سببا في ظهور الكثير من الفرق الإسلامية.


تميزت فرقة الأشاعرة في هذه المعركة الكبرى بأنها اختارت موقفا عقليا توسط بين من عطلوا صفات الله تعالى، وبين المجسمة والمشبهة ولكنهم استخدموا منهج علم الكلام لتأييد مواقفهم العقدية والرد على من حرفوا صفات الله تعالى، ولم يكن اختيار الفرقة موفقا في هذه القضية، نظرا لأنها اتبعت المنهج نفسه الذي انتقدته، لدى الفرق التي تنكر إثبات صفات الله تعالى، والفرق الأخرى التى تساهلت في إثبات الصفات فشبوه الخالق بالمخلوق.


أما مسألة خلق القرآن فكانت القضية المركزية التي ظهرت خلالها فرقة الأشاعرة، والتي وقفت فيها موقفا وسطا، ردا على المعتزلة والجهمية والفلاسفة الذين نفوا صفة الكلام لله تعالى وأراد المعتزلة الهروب من نفي المعتزلة لصفة الكلام والقول بخلق القرآن فقالوا: "إن الله تعالى تكلم في الأزل بكلام قائم في ذاته منزه عن الحرف والصوت, إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا , وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة , وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً.


والقرآن والتوراة والإنجيل عبارة عن كلام الله لا كلام الله حقيقة, وإن سمي بذلك مجازًا.

أي أن جبريل عليه السلام (فهم) – ولم يسمع - من الله معنىً مجردا قائما بنفس الله ثم عبر عنه، والمعبِّر مخلوق إذا المعبَّر عنه مخلوق.

قال البيجوري: ومذهب أهل السنة (أي الأشاعرة) أن القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرؤه فهو مخلوق.

وبالتالي فإن موقف الأشاعرة من صفة الكلام جاء وسطا بين فريقين، أحدهما يشبه كلام الله تعالى بكلام المخلوق، والآخر ينفي صفة الكلام مطلقا عن الله تعالى، وهو سر تسمية الأشاعرة بالمذهب الوسطي.