رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
ما وراء الخبر
الأربعاء 28/مارس/2018 - 12:08 م

أزمة «الجماعة الإسلامية» من فوق ومن تحت أيضًا

أسامة حافظ
أسامة حافظ
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/9204

 هل قرأتم ما كتبه عاصم عبدالماجد عن كيفية التعامل مع الجيش؟ هل سمعتم عن الخلافات حول المشاركة في الانتخابات الرئاسية؟ هل رأيتم كيف تضع العناصر والقواعد صور قتلى التسعينات على صفحاتهم بمواقع التواصل؟.. لو قراتم وسمعتم، ورأيتم فاعلموا أن الجماعة الإسلامية، أزمتها ليس في قياداتها فقط، بل في قواعدها كذلك، أي من فوق ومن تحت.

الجماعة الإسلامية منذ نشأتها في السبعينات من القرن المنصرم، وحتى إطلاقها لمبادرة وقف العنف عام 1997، مثلت رقمًا صعبًا في عمليات العنف الممنهج على الأرض، عسكراتيًا، وكذلك أيديولوجيًا، لأنها الوحيدة، التي نظّرت للعنف الإسلامي في أبحاث وكتب مرتبة، أدت في النهاية إلى وحدة فكرية منهجية مرتبة لدى كل أعضائها، وأصابت عدواها جماعة الجهاد الإسلامي المصرية، التي كان يقودها سيد إمام الشريف، وأيمن الظواهري، فحاكتها في أبحاث وكتب مماثلة، أصبحت مرجعية لجماعات أخرى في العالم، مثل الجماعة الإسلامية الجزائرية المسلحة (جيا)، حتى جاءت اللحظة الفارقة، التي أعلنت فيها عن مراجعات وتصحيح لكل مفاهيمها، وأيضًا قامت بتدوينها في كتب أخرى، لتكون بذلك الجماعة الأولى، التي تنقلب بشكل كامل على ما أدلجته من قبل، وهذا ما حاكته جماعات أخرى فيما بعد مثل الجماعة الليبية المقاتلة، لكن الحادث الفارق، وهو قيام الثورة المصرية، أدى إلى تحولات جديدة في هذه الجماعة، وهو الانقلاب الناعم على قيادات المراجعات الفكرية، وصعود صقور التنظيم، الذين تحالفوا مع جماعة الإخوان، فشهدت انقساماً وهيكلة، وتحديات العمل في بيئة جديدة، ومرحلة فرضت جيلاً جديداً على الأرض، ومتطلبات أخرى فى أطر التعامل والتحالفات.

عبد الماجد
عبد الماجد


عقب سيطرة جناح الصقور على الجماعة وحزبها، أصبح الحديث عن قتلى الجماعة في التسعينات ظاهرة شملت كل محافظات مصر، فأغلب العناصر وضعوا صور القتلى، متفاخرين بهم، وصاغوا قصصاً طويلة، وأحياناً غريبة عن موتهم، على سبيل المثال (علاء رجب)، و(أبو العابدين ناصر الشريف) وغيرهم، من قيادات الجماعة بمحافظة أسيوط، كانوا لا يكفون عن الحديث عن قتلى الصدام المسلح، ما دفع القيادي عصمت الصاوي، ليكتب: إذا كان للجماعة شهداء، فللدولة شهدائها أيضًا، وهذا ليس وقته، وأبناء الوطن الواحد لا غالب ولا مغلوب بينهم، وما أفهمه أن المبادرة لا غالب ولا مغلوب فيها، والإنصاف يقتضي أننا إذا تحدثنا عن سلبيات التسعينات، أن نتحدث عن إيجابيات ما بعد المبادرة.

رد المتحدث الإعلامي، محمد حسان على الصاوي قائلاً: "فلتبرأ إلى الله مما كتبت، كيف تقارن بين شهداء الجماعة الذين قتلوا في سبيل الله، وبين من تعدى عليهم، وثانياً المواجهة كانت باجتهاد والمبادرة أيضاً باجتهاد!"، كما رد الأخ خالد أبو طالب أيضًا، قائلاً: "الأخ عصمت ما هو تعريف الشهيد عندك؟ هل تعتبر أن من حارب الدين وأغلق المساجد من الشرطة شهيد؟!" .

مؤخرًا استقال محمد شوقي الإسلامبولي اعتراضاً على وقوف الجماعة في المنتصف، في موضوع الانتخابات الرئاسية بين السيسي وموسى مصطفى، وهذا ما يوضح، أن أزمة الجماعة ليست من القيادات لكنها من أسفل، أي في القواعد، وعموم الأفراد.

الجماعة الإسلامية مرت بأزمات كثيرة، كان القيادات سبباً فيها وليس القواعد، ففي السبعينات والثمانينات، كانوا من جيل الشباب، وكانت قراراتهم غير مدروسة، ومنها قتل السادات، وأحداث أسيوط، وهو ما اعترفوا به، أما التسعينات فبسبب سيطرة تلاميذهم المتحمسين على الجماعة، واعتناقهم أيديولوجية الصدام، وتغيير النظام والسلطة من أعلى وليس من أسفل، أما أزمة ما بعد عزل الإخوان، فهي خلل الرؤية، فقد كانت هناك رؤية قبل المبادرة، ترى علنية الدعوة وسرية التنظيم، والاستعلاء على المجتمع، ثم القفز على السلطة للتغيير الفوقي لكل الدولة، وبعد المبادرة تغيرت الرؤية فأصبحت انكفاء التنظيم على ذاته، ومحاولة إنقاذ أفراده بأي ثمن، ثم الانفتاح على المجتمع، وجعل الدعوة هي اتجاه فكري عام، والتغيير الاجتماعي للدولة من أسفل القاع، وليس من قمة السلطة للدولة، وعقب ثورة 25 يناير وإقالة كرم وناجح أو استقالتهما، أصبح داخل الجماعة رؤيتان، الرؤية القديمة، والرؤية الحديثة، لكن الفريقين آمنا ببقاء الجماعة، ووجوب العمل الجماعي، وتجاوز مرحلة ناجح وكرم، والاستفادة من المرحلة الإخوانية واعتبارها فرصة غير مسبوقة، وإلى حد ما كانت الجماعة فترة حكم الإخوان مواقفها متسقة عن غيرها من التيارات السلفية المتنوعة، رغم وجود بعض الأخطاء.

في العام الذى تلا سقوط الإخوان، وجدت الجماعة ذاتها في مأزق شديد، فقد تورطت بالفعل، وأصبح جزء من قياداتها هاربًا لخارج البلاد، وآخر داخل السجون، كما أصبح الباقون تحت عين الرصد، وكانت مشكلة الهاربين هي الأدهى، فقد كانوا لا يستطيعون الانفصال مطلقًا عن الإخوان في الخارج، لظروف متنوعة، وكانوا لا يستطيعون تغيير خطابهم، وإلا جرفهم سيل المتعاطفين مع الإخوان، واتهموا بالخيانة والنفاق، لذا فقد انتهجت سياسة المناورة، فهي ما بين الدولة والإخوان، أي في المنتصف داخل مصر، ومع الإخوان قلبًا وقالبًا خارج مصر، وكانت استراتيجيتها هي البقاء في صدارة المشهد الإعلامي بشكل شبه يومي، وبيانات شبه يومية، ومحاولة استغلال الفراغ الإخواني لضم عناصر جديدة على فكرة مميزة هي: (التاريخ الطويل من الصراع الدامي مع الأنظمة، الجماعة الوحيدة التى ضحت بعشرات الشهداء، الجماعة الوحيدة الثورية، فشل الإخوان والسلفيين)، وكان ذلك هو خطاب الجماعة، سواء قادة أو أفراد طيلة الفترة السابقة.

استراتيجية الثورة

اتخذت الجماعة استراتيجية أيضًا جديدة اتضحت معالمها باتخاذ العنوان الثوري سلاحا لها (وفق طارق الزمر)، والالتفاف حول شباب الثورة، وخطاب التجميع للضغط على مصر، للحصول على بعض المكتسبات المحدودة، بعد محاولات الانسحاب الإخوانية، لتكوين جبهة مواجهة ترتكز على الرؤى الجهادية والخلفية السلفية الحركية، ترفض التنازلات التي يمكن أن يقدمها الإخوان للثوريين من أجل التوافق.

في هذه الآونة أيضاً كان قيادات الخارج يمارسون (اللخبطة) دون حساب دقيق، وتزداد (عشوائيتهم) حين يصرح الإخوان أن منهجهم ليس العنف، وأن تحالفهم مع الجماعة الإسلامية هو السبب فيما جرى من أحداث مسلحة داخل مصر، وأن أفراد الجماعة الإسلامية هم المتورطون في كل ما جرى.

انقسمت الجماعة الإسلامية، إلى 4 أقسام لا خامس لها، الأول منها هم قياداتها، الذين قسموا أنفسهم لفريقين، أولهما بالخارج، وهذا له خطاب لا يخلو من المواجهة والعنف، مستغلين وجودهم خارج مصر في طرح هذا الخطاب، ومنهم ممدوح على يوسف، وإسلام الغمري وغيرهم، وأما قيادات الداخل فلهم خطاب يمسك العصا من المنتصف، متحججين بوجودهم في الداخل، واضطرارهم إلى ذلك، وأما القسم الثاني من الجماعة فهم من نشروا صور شهداء التسعينات، وهم من يؤمنون أن مبادرة وقف العنف القديمة ما هي إلا اجتهاد مضى وقته، والقسم الثالث، هم الذين ما زالوا متمسكين بالمبادرة لكن رأيهم لا يؤخذ به، وليس لهم أى دور في سياسات التنظيم، والقسم الأخير وهو الذي ينفذ أوامر القيادة دون تفكير، أو تخلى عن الجماعة وانعزل عما يجري.

حرص قيادات الجماعة على ازدواجية المواقف طوال الوقت، على سبيل المثال (المؤتمرات التى تم فيها مناقشة فكر داعش.. حتى عنوانها كان (داعش ما لها وما عليها).. في المنتصف أيضاً، أى أن داعش لها إيجابيات.. وهذا ما تسبب فيما بعد في لفت الانتباه لداعش، وكانت الجماعة الإسلامية هى ثاني كبرى الجماعات التى ورّدت أفرادًا من جيل ما بعد الثورة لهذا التنظيم بعد الإخوان.

كما حرص القيادات على الإبقاء على ازدواجية المواقف للإبقاء على مشهد القيادة الحالية كما هو دون تغيير، وعدم فقدانهم مكانتهم التاريخية التي اكتسبوها، وإحداث توازن داخلي لإثبات أنها تدار بالديمقراطية وبرأي الأغلبية.

 قبل عزل الإخوان، وهروب القادة لخارج مصر، التقيت رفاعي طه، الرجل القوي بالجماعة، وأحد مؤسسيها، وقائد معسكراتها بأفغانستان، فقال لي: إن أسامة بن لادن وضرب برجى مركز التجارة العالمى فى 11 سبتمبر هما اللذان أشعلا ثورة 25 يناير بمصر، وإن مقتل السادات ما كان إلا محاولة لإقامة الدولة الإسلامية عن طريق الثورة والانقلاب العسكري، وإن الجماعة فى أفضل حالاتها، والقيادة الحالية هى الأفضل من كرم زهدي وناجح إبراهيم.

لقد اعتقد قادة الجماعة وعلى رأسهم رفاعي أن الفرصة مواتية أكثر من أى وقت مضى، وأن الحركة الإسلامية بجميع فصائلها في مسار الصدام والمفاصلة، وأن حالة الاحتقان السياسي، وقضية المظلومية، والاضطهاد للإسلاميين، يمكن توظيفها والترويج لها على أوسع نطاق، على خلفية الأحداث السياسية، التي أعقبت تظاهرات 30 يونية ضد حكم الإخوان، فضلاً عن إمكانية إطالة الصراع مع الدولة على أرضية الدفاع عما يعتبرونه حقوق الإخوان في الحكم والسلطة، وأنهم باستطاعتهم تصوير الصراع على أنه ديني ضد الهوية الإسلامية والشريعة والثوابت، فضلاً عن توفر المحاضن والملاذات الخارجية ذات الدعم المادي السخي في كل من تركيا وقطر، وهذه العوامل مجتمعة شجعت قيادات الجماعة المحسوبين على منهج الصدام المسلح، والخيارات العنيفة على أن يدفعوا باتجاهها من جديد.

لماذا تحالفت الجماعة مع الإخوان؟

كان هناك أسباب كثيرة لتحالف الجماعة الإسلامية المصرية مع الإخوان المسلمين، أهمها: تصور قياداتها بإمكانية عودة الإخوان للسلطة، ووجود داعم دولي وإقليمي لأول مرة لهذا الأمر، وأن مفاجأة وصول أحفاد البنا للحكم يمكن أن تتكرر، ولا ينفع بحال من الأحوال أن تتراجع للوراء، وإلا ستخسر الإخوان، كما ستخسر السلطة القائمة، بسبب ما فعلته أثناء حكم محمد مرسي وما قبله، وستخرج خالية الوفاض من كل شيء، كما أن عقلية الجماعة السلفية الأصولية ارتأت أن الإسلامويين هم أقرب لها من السلطة الجديدة، التي تراها علمانية عسكرية، مناهضة للشريعة، وأنه يمكن من معاقبة هذه السلطة، بالوقوف في الخندق الإخواني، وعلى هذا تجاوزت خلافاتها القديمة الأيديولوجية مع جماعة الإخوان، والتنافس السياسي بينهما، لتكون عضوًا في تحالفها المضاد للجيش.

افتقار الجماعة الاسلامية خلال ركضها المتسارع، وأزمة غيبتها الطويلة فى السجون للرؤية الاستراتيجية المتكاملة، هو الدافع الرئيسي لاتخاذها تلك الاستراتيجية، التي أدت إلى انخراطها وراء الإخوان، وفي ذات الوقت حرصها طوال الوقت على إعلان وقوفها مع بنود مبادرة وقف العنف القديمة، رغم الممارسات العملية المخالفة لذلك، وهو ما أدى بالفعل إلى تذبذب واضح في كل تصرفاتها، التي أعقبت سقوط الإخوان، وأكثر من 20 مبادرة جديدة طرحتها من أجل إنهاء أزمة الإخوان، والجيش المصري.

انفصلت الجماعة الاسلامية خلف الاخوان عن الواقع واعتزلت المشهد، وسارت على نهجهم، وكانت أول الصور فوق منصة رابعة، ورفضت المشاركة، في أية فعالية سياسية، رغم حرص الحكومة على عدم إقصائها بالكامل، أو شطب حزبها من أروقة لجنة الأحزاب السياسية، وبدأ عناصرها يتحدثون عن المظلومية التاريخية، والانقلاب على الإسلام، واستدعوا قصص قتلاهم في التسعينات كما قلنا، ما وفر بيئة حاضنة للعنف، ولجماعات التكفير المسلحة فيما بعد، رغم أنهم خالفوا أبسط القواعد التي تحدثوا عنها في مبادرة وقف العنف، وهي عدم تفريق المجتمع، ودرء المفاسد التي قد تحل بسبب التنازع والصراع.

الدولة التي كانت منشغلة بما يكفي في صراعها الدموي مع الإخوان، والجماعات المسلحة الجديدة، تركت الجماعة الإسلامية، لذا فقد أقامت مؤتمراً بمحافظة المنيا حول مواجهة داعش وفكر التكفير، ورسم القيادي الكبير عبود الزمر  صورة مثالية للجماعة على أنها بعيدة عن العنف، وأن منهجها الحقيقي هو الدعوة إلى الإسلام فقط، وأن ما جرى فى التسعينات من أحداث عنف كان حدثاً عارضاً، بسبب فخ نصبته لهم الحكومة، وأنهم لن يقعوا فيه مرة أخرى، وأن الجماعة هي البديل عن جماعة الإخوان والسلفيين، لأنهم ضربوا المثال على ذلك بعد الثورة، إذ إنهم لم يمارسوا العنف مطلقاً، ووقفوا بجوار الدولة المصرية في كل مواقفها، وأن من ارتأى غير ذلك، فهو حر في رأيه، لكن عليه أن يقترب من الجماعة ليرى بنفسه.

ما ذكره الزمر مخالف لما كان يجري على الأرض، حيث تم ضبط خلية متخصصة في تفجير سيارات الشرطة تابعة للجماعة عقب المؤتمر مباشرة، وهم كريم سجلي، وأحمد قنديل، وإبراهيم أبو طالب، وهذا غير الخلايا الأخرى، التي يدّعي التنظيم، أنه لم يكلف أحداً منهم بذلك، وكلهم اعترفوا أنهم فعلوا ما فعلوا نتيجة التحريض المباشر وغير المباشر لقيادات الجماعة.

الجدل الآن يدور حول المؤيدين والمعارضين.. حول الخارج والداخل.. حول حزب البناء والتنمية، وهل هو حزب إرهابي أم لا؟، والأجوبة عن الأسئلة التالية هي الحاسم لهذه المسالة: هل هناك فصل حقيقي بين الحزب والجماعة؟ هل يستطيع الحزب فصل كل من ثبت انقلابه على مباردة وقف العنف؟ هل هو قادر على وقف الهراء الذي يصدرمن قيادات الخارج، وإسكات عناصره الباقين عن الرغاء الذي يفعلونه على قنوات الإخوان بالخارج؟ وهل هو قادر على إجبار الجماعة على فصل تحالفها مع الإخوان؟

أنا أعتقد أن أزمة الجماعة والحزب معًا هى عدم تحديد رؤية واضحة للعمل، وهل هى من فوق أى من تغيير السلطة أم من أسفل أى من المجتمع؟ وهل هم حزب أم جماعة؟ وما هى علاقتهما بالدولة، هل هم خارجون عليها، أم يعملون من خلالها؟.