رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
تقارير وتحقيقات
الإثنين 26/مارس/2018 - 11:27 ص

رجل مصر المتدين.. قراءة في رؤية الرئيس للتيارات الدينية

رجل مصر المتدين..
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/9106

في حواره الأخير، مع ساندرا نشأت، تحدث الرئيس السيسي عن انشقاق تيار الإخوان على نفسه، وبرأيه، أن هذه التيارات لديها أزمة في الفكر والتفكير، هو الدافع الدائم لا نقسامها على ذاتها.

كان بودي باعتبار التخصص أن أسأل الرئيس كيف تشكلت رؤيته لهذه التيارات؟ كيف يراها هي ومستقبلها؟ كيف تشكلت حياته الدينية؟ وكيف يرى تجديد الدين والاجتهاد فيه؟

لطالما كان السيسي يشير دائماً في كل خطاباته للدين والتدين.. كثيراً ما تحدث عن تلك المفاهيم والتصورات المغلوطة والخاطئة عن الإسلام الحقيقي، وأن الدين الإسلامي تحت حراسة روح الإسلام وجوهره نفسه، وليس تحت حراسة أي من البشر، وقال يوماً: البشر يأخذون جوهر الإسلام وينحرفون به إلى اليمين أو اليسار.


رجل مصر المتدين..

تدين الرئيس الفطري

السيسي متدين بطبعه، هذا ما شهد به أصدقاؤه وأعداؤه، قال برهامي في حوار صحافي "لمست فى هذا الرجل (يقصد السيسي) حباً لمصر، كما أنه استطاع إدارة المؤسسة العسكرية بنجاح، وكل من تعامل معه يحبونه، فهو شخص وطني، ومتدين".

وقال يونس مخيون: الرئيس عبدالفتاح السيسي إنسان متدين ولديه حباً لدينه، وكان في أي اجتماعات يترك الحضور ويذهب إلى الصلاة في وقتها.

هذا يتطابق مع ما ذكرته زوجة «خيرت الشاطر» أن زوجها كان دائمًا ما يحدثها عن تقوى «عبد الفتاح السيسي»، وأنه رجل صوام وقوام.

وكالة سوشيتيد برس، وصفته بالرّجل الروحاني، ووفق ما هو متاح من معلومات حول السنوات الأولى من حياته، فقد نشأ في بيئة شعبوية متدينة، بمنطقة الجمالية (حارة البرقوقية) القريبة من حي الحسين، في منطقة تشم بها رائحة الدين، حيث العدد الكبير من المساجد والزوايا الصوفية.

بمنطقة الحسين وتلك الحاضنة الاجتماعية نشأ عبدالفتاح السيسي، وهذا ما صاغ رؤيته الدينية، وجعله طوال الوقت يكرر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في كل خطاباته وحواراته السياسية.

إن السيسي حريص على أداء الصلاة في وقتها، وعندما يحين موعد صلاة الفجر كان يمر على أفراد أسرته الذين يقطنون معه في نفس العقار الذي كان يقيم فيه لحثهم علي أداء الصلاة، هكذا قال محمد عباس حلاقة الخاص، في تصريح صحافي، إن من حرصه على أداء صلاة الجماعة، أنه كان يترك الحلاقة ثم يعود ليستكملها.

أما العميد أحمد الطيب الصديق المقرب له في العمل فقال إن السيسي كان يرفض استخدام تليفون العمل في مكالماته الشخصية.

أشار إلى أن السيسي كان متأثرا بشكل الحياة الدينية المنضبطة الوسطية، وكان يطلق عليه الشيخ عبد الفتاح، لأنه كان يذهب لأحد الشيوخ لحفظ القرآن، حتى أطلق عليه أصدقاؤه لقب الشيخ، وكان حريصا على أداء صلاة الجمعة بشكل منتظم.

الإعلامي عماد الدين أديب ذكر أن السيسي التحق بمدرسة البكري بسكة برجوان، التي تشمل أبناء الطبقة الوسطى والتجار الذين يعيشون في تلك المنطقة، وهو ما أكسبه القيم البسيطة والطيبة لأبناء الحي، وهو يدرك تماماً أنه عرف الناس البسيطة من أصول طيبة وهو ما أثر فيه، وأن في غرفته كان يعلق صورة طائرة فانتوم، ولم يكن يعلق صور المطربين أو الممثلين والمشاهير، ما يشير إلى أن اتجاهاته في ذلك الوقت عشق العسكرية، والدليل دخوله بعد ذلك الثانوية الجوية.

بكل تأكيد هذا التدين الفطري لم يأت من فراغ، بل هو نتاج نزعة أيديولوجية، تعكس رؤية دينة خاصة له للحياة بكل تفاصيلها، وهذا كان واضحاً في البدايات، ضمن أطروحته البحثية، التي حملت عنوان "الديمقراطية فى الشرق الأوسط"، والتي أكد فيها على أهمية الثقافة والدين في الحياة العامة، وتأثيرهما على مسألة الديمقراطية في العالم العربي، وهذا ما دفع البروفيسور روبرت سبرنج بورج، المتخصص في دراسة العلاقات المدنية العسكرية فى مصر، يتصور أن السيسي إسلاموياً!.

السيسي في أطروحته البحثية، تحدث عن دور الدين في السياسة، على غرار النموذج الأميركي، الذي لا يعادي الدين أو التدين، فهو يريد دورًا للإسلام الوسطي في الدستور، ويريد سلطات تطبق مبادئ الإسلام في عملها، ويريد دورا للعلماء وهذا في شرحه العلاقة بين الديمقراطية والدين الإسلامي.

يطالب السيسي بما يسميه بالإسلام الوسطي، وهو مفهوم لا يشرحه السيسي بوضوح في دراسته، صغيرة الحجم (حوالي 11 صفحة من الحجم الكبير)، لكنه يقول إن الجماعات «المتطرفة» تريد عودة ما يسمى «الخلافة» وأنها تنحرف عن التعاليم الإسلامية الصحيحة.

السيسي والإخوان

يرى أكثر من باحث أميركي تناولوا دراسة السيسي بالتحليل، أن تدين الرئيس كان السبب في البداية الإخوان على التعاون معه، وكانوا دائماً ما يشيرون في أكثر من حديث إلى أنه متدين وأن أسرته متدينة، وهذا ما أكده الدكتور محمد الباز من قبل حين كتب قائلاً: إن تدين الرئيس عبد الفتاح السيسي خدع الإخوان في بادئ الأمر، وهو ما دفعهم للوثوق به ظناً منهم أنه إخواني مثلهم.

هذا ما دفع صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية تعتبر أن الرئيس عبد الفتاح السيسي «لقّن العالم درسًا في الفرق بين التدين والتطرف» منذ تعيينه وزيرًا للدفاع في عهد الرئيس المعزول، محمد مرسي، وحتى أصبح رئيسًا للبلاد الآن.

وقالت الصحيفة، في سياق حوار أجرته مع السيسي، ونشرته، إنه عندما قرر مرسي تعيين السيسي وزيرًا للدفاع كان يعتقد أنه «طالما كان السيسي مسلما تقيا، بسبب زبيبة الصلاة الموجودة على جبهته، فإنه يجب أن يكون إسلاميًا سياسيًا»، مضيفة أن «السيسي لقن العالم درسا في الفرق بين التدين والتطرف».

في هذا السياق، أكد السيسي للصحيفة أن «الدين الإسلامي الحقيقي يمنح الحرية المطلقة للشعب كله في أن يعتقد أو لا يعتقد، الإسلام لا يُملى أبدًا على قتل الآخرين، لأنهم لا يؤمنون به، ولا يمنح المسلمين حق إملاء معتقداتهم للعالم كله، ولا يقول الإسلام إن المسلمين فقط سيذهبون إلى الجنة والآخرين إلى الجحيم».

وبسؤله عما إذا كان أعضاء جماعة «الإخوان المسلمين» من فئة «المسلمين السيئين»، أجاب السيسي: «إنها الأيديولوجية والأفكار»، مضيفاً «نحن لسنا آلهة على الأرض، وليس لدينا هذا الحق في التصرف باسم الله».

الغريب أن الإخوان كعادتهم الانقلابية، انقلبوا على رؤيتهم القديمة، واتهموا الرجل بكل ما يتهم الناس الجماعة به، وقالوا «إنه يستخدم الدين لاستمالة عامة الناس»، و«يستغل الإسلام لأغراضه السياسية».

السيسي مجددًاً

يرى السيسي أن الخطاب الديني يحتاج إلى تجديد، وأنه سيعزز من مكانة الأزهر في نشر “الإسلام الوسطي”، وألمّح إلى التأييد الإلهي، فضلًا عن إشاراته إلى الأخلاق الدينية ما بين الحين والآخر، في أكثر من خطاب، مؤكداً لعلماء الدين، أنه سيحاججهم أمام الله على دعوته لهم، غن لم يستجيبوا لذلك.

كان أمام السيسي ثلاثة رؤى للخطاب الديني، الأول من يريد نسف التراث والمؤسسات، والآخر هو التقليديون الذين يريدون الأمور كما هي، والثالث من يريدون الانتقائية، والاستفادة من الإيجابيات، وترك القديم السلبي، وقد كان السيسي يؤمن بالتجديد، وفي خطبته الهامة والخطيرة يوم ٢ يناير ٢٠١٥ في الأزهر بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي، طالب علماء الأزهر بأحداث " ثورة دينية" وقال بالحرف الواحد: "لا يمكن للمسلمين ان يحاربوا العالم كله" ويجب إعادة النظر في كثير من  الفكر والموروثات التي تشجع الشباب على التطرّف واتخاذ العنف سبيلا لنشر افكارهم المتطرفة.

الغريب أن دعوة السيسي وجدت آذاناً صاغية في أوروبا وأمريكا، ولم تجد من علماء الأزهر، الذين لم يحركوا ساكناً، بل ووقفوا في مواجهة توجيه الرئيس حول مراجعة (الطلاق الشفقهى)، ونشروا كتاباً عارض الموضوع جملة وتفصيلاً.

الغربيون رأوا أن السيسي هو مارتن لوثر الإسلام، والآن هو في مقام "مارتن لوثر" بالنسبة للمسيحية، وأنه حمل كفنه فوق راْسه، يوم واجه جماعة الإخوان، الذين أساءوا للإسلام الوسطي، وأطاح بهم من حكم مصر، ولذا فقد أصبح أكثر شخصية مكروهة لدى الإسلام السياسي في العالم، لنه اختلف معهم “عقدياً، وتفسيرياً لمعنى الدين والتدين"، والخلاف قديم وعميق، ليس فى الفروع فقط، بل في الأصول.

في تقرير لها (أغسطس 2014)، وصفت رويترز السيسي بأنه “يرتدي عباءة المصلح الاجتماعي”، وأنه اتخذ “قرارًا صعبًا لحماية الوطن والإسلام”، وهو نفس التعبير الذي قاله في لقائه بوفد من الطرق الصوفية، قبيل انتخابات الرئاسة في 2014.

حتّى في لقاءاته المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية، يتطرق السيسي إلى الحديث عن الدين، ويُكرّس لثورته الدينية، كما تسميها الصحف الأجنبية، من ذلك اجتماع حضره مع كبار رجال السياحة في أبريل 2014، أرجع السيسي تدهور صناعة السياحة في مصر إلى “الخطاب الديني” الذي وصفه بالمتشدد، والذي لا يراعي تطورات العصر، بحسب قوله.

في المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) تحدّث السيسي عن "التطرف"، و"الغلو الديني"، ثمّ عرج للتلميح إلى أن نظام مرسي كان بمثابة “خطر محاولة فرض الرأي الواحد وإقصاء كل من يخالفه".

وبعد مرور سنوات، وتحديداً في يوم10 فبراير 2017، يشير الرئيس إلي حق الإنسان في أن يؤمن أو لا يؤمن، وفي اختيار الدين الذي يؤمن به.

إن خطابات السيسي نتاج رؤية دينية متماسكة، تتجاوز الشعارات العامة ومغازلة الجمهور المتدين المحافظ في مصر، إلى برامج العمل، والتجديد، ونشر "الوعي الديني الصحيح" بين المواطنين.

الخلاصة، أنه من خلال ما ورد عن الرئيس في كلماته وخطاباته، ان هذه التيارات الدينية تحمل داخلها بذور فنائها، وأن هذه الجماعات تستخدم الدين كوسيلة للوصول إلى السلطة، وأنها غير موحدة الاتجاه أو الفكرة، فالاسم إسلامي لكنها معادية للمجتمع وللآخرين، وأنها ترى أن كل منتقد لها صاحب موقف عدائي أو سلبي من الإسلام ذاته وليس منها، وكأنها الناطقة الوحيدة عن الإسلام وبالإسلام، ورغم أن هذه التنظيمات، خاصة الإخوان حملت الإسلام كراية وصورة، إلا أنه حمّلته كعقيدة أوزاراً وأفعالاً غير راشدة، في غمرة انغماسها بمعارك السلطة والسياسة.

كما أن معرفة الرئيس بالدين، ليست معرفة سطحية، بل جاءت نتيجة لخبراته المتعددة، والحاضنة التي نشأ فيها، ولقاءاته مع هذه التيارات بدءاً من الإخوان وقياداتهم، وانتهاء بالسلفيين، وأنه لا يمثل سوى التدين الشعبي الوسطى.