رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الخميس 22/مارس/2018 - 02:07 م

قراءة عقدية.. هل يكفل الإسلام حرية الاعتقاد للبشر؟

أرشيفية
أرشيفية
محمد يسري
aman-dostor.org/8966

هل يكفل الإسلام حرية الاعتقاد للبشر؟ وهل يمنحهم حرية اختيار الدين والعقيدة، التي يرغبون في الانتماء إليها؟، أم أنه جاء باتجاه واحد لا يعترف بأي دين غيره؟

تعتبر هذه الأسئلة الأكثر جدلا حول الإسلام خاصة لدى غير المسلمين، في ظل وجود الجماعات الإرهابية والحركات المتطرفة التي تقصي الآخر، من غير المنتمين لفكرها، ومنهجها حتى من المسلمين أنفسهم، وتتعامل معهم بالسيف، فتستحل دماءهم، وأموالهم وأعراضهم.

ورغم وجود النصوص الشرعية القطعية التي تؤكد أن الدين عند الله هو الإسلام وحده ولا شيء معه، حتى إن نطق الشهادة نفسه الذي يدخل به المسلم الإسلام يبدأ بكلمة (لا)، التي تقطع بعدم الاعتداد بأي دين آخر يخالف دين الإسلام، رغم ذلك كله فهناك نصوص أخرى قطعية الدلالة والثبوت على أن الإسلام لا يقبل إكراه أحد على اعتناقه والدخول فيه بغير رضاه وقناعته، بل يحكم على من أكره شخصا على الدخول في دين الإسلام بأحكام مغلظة، ولا يقبل أن تسري أحكام الإسلام على من تم إكراهه على الدخول في الإسلام.

وهنا تأتي إشكالية كبيرة، قد توهم تناقض النصوص الشرعية في هذه المسألة التي تعد من أدق المسائل التي يتعامل فيها الإسلام مع غير المسلمين، بل مع المسلمين أنفسهم في كل أمور حياتهم، وحل هذه الإشكالية مرهون بفهم النقطتين التاليتين:

أولا: تحقيق حكمة الابتلاء التي ميز الله بها البشر عن غيرهم من الكائنات.
ثانيا: حتمية الإيمان بقضاء الله وقدره والفرق بين مشيئة الله الكونية ومشيئته الشرعية.


النقطة الأولى: لم يكن تمييز الله تعالى للإنسان عن غيره من الكائنات، بأن جعله كائنا عاقلا أو ناطقا كما يقول الكثيرون، لكن الله تعالى ميز البشر حتى عن الملائكة، وأسجدهم لأبيهم آدم عليه السلام؛ لقبول بني آدم بحمل الأمانة، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:380]، قال البغوي في تفسيره لهذه الآية الجزء السادس، (ص380): " أراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده، عرضها على السماوات والأرض والجبال على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، وهذا قول ابن عباس".

إذن فقد ميز الله تعالى الإنسان عن غيره من الكائنات بما ابتلاهم به من الأمانة، فمن حقق الطاعة، كان أفضل منزلة عن الملائكة الذين شاء الله تعالى لهم أن يخلقوا على الطاعة وحدها، لأن الإنسان في حال الطاعة قد تغلب على ما ابتلاه الله تعالى به من المعاصي، فيصير أعلى منزلة من الملائكة، أما إذا اختار معصية الله كان أقل منزلة من البهائم والحيوانات، قال تعالى: { يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} [النبأ: 40]، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " أي : كنت حيوانا فأرجع إلى التراب . وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور وورد فيه آثار عن أبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو ، وغيرهما"، وقال تعالى: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176].

وقد أرسل الله تعالى رسله لبني آدم جميعا لتحقيق هذه حكمة الابتلاء بالمعصية والطاعة، وشاء عز وجل أن يكون بين عباده المؤمن والعاصي، بل في داخل العبد الواحد المعصية والطاعة، أو الكفر والإيمان، وجاء رسل الله جميعا برسالة واحدة من الله تضع القواعد والضوابط الشرعية التي تحدد علاقة المؤمن المطيع بغيره ممن اختار غير الإيمان، فمن أطاع الله في هذه الضوابط تم إيمانه بالله، ومن عصى كما يفعل الكثير من المتطرفين في تعاملهم مع غير المسلمين واستباحة دمائهم - لأنهم لم يؤمنوا بالله تعالى- كما يرون- فهذه معصية كبيرة لله تعالى، كما سنرى.
وهذا ينقلنا إلى النقطة الثانية:

ثانيا: حتمية الإيمان بقضاء الله وقدره والفرق بين مشيئته الكونية ومشيئته الشرعية:

جاء الإسلام ليقر أنه لا شيء يحدث في ملك الله بغير مراده ومشيئته وقدرته، فقد شاء تعالى أن يكون عباده بين مؤمن وكافر ولم يأمر أحدا بالكفر به فقد خلق الإيمان بمشيئته وقدرته الكونية، وأحب الإيمان، وخلق الكفر بمشيئته وقدرته الكونية ولم يحبه، كما خلق في الإنسان مشيئة وإرادة يحاسب عليها وعلى اختياراته في الآخرة، والآيات الدالة على ذلك أكثر من أن تحصى في الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: { إن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر:7].

والإيمان بقضاء الله وقدره مرهون بأن الله تعالى قد خلق عباده الكافرين والمؤمنين، والبشر مقسمون بين مؤمن بالله مطيع لأوامره مصدق لأخباره، وبين كافر به مكذب بأخباره عاصٍ لأوامره وتكاليفه، وقد أرسل رسله لهداية الكافرين وتذكير المؤمنين، فمن يؤمن فقد حقق المشيئة الشرعية التي جاءت بها رسالات السماء، ومن كفر فقد عصى مشيئة الله الشرعية ويحاكمه الله وحده على اختياره.

كما أرسل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم لإقرار هاتين القاعدتين المهمتين وبموجبهما حدد علاقة المسلمين بغيرهم، ووضع ضوابط التعامل معهم فكان أرقى ما وصلت إليه الحضارات الإنسانية فقد جاءت شريعة الإسلام لتقر الوحدانية لله تعالى وتطلق لعباده الحرية الكاملة من كل ما يكبلهم ويجعلهم خاضعين لقوى متعددة تتحكم فيهم وتسيطر عليهم وتسخرهم لخدمتها دون عائد دنيوي أو أخروي، فغاية رسالات السماء هي الحرية، وقد حدد الإسلام الطريق المؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة وأمر العالمين بالاجتهاد في السير عليه للوصول إلى الغاية المأمولة وهي الجنة، وترك للبشر الاختيار بين الخير والشر وكل محاسب عما اختار أمام الله تعالى.

ترجمة واقعية في عهد النبوة

وجاءت الآثار النبوية العملية خير ترجمة لهذه الحرية، وكيفية التعامل مع أصحاب المعتقدات الأخرى من غير المسلمين داخل المجتمع الواحد، للدرجة التي وصلت إلى التعامل مع غير المسلمين في أدق تفاصيل الحياة، ولن نتحدث كما تحدث غيرنا حول وثيقة المدينة التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم للتعايش بين أهلها أو تعامله مع نصارى نجران وغيرها من هذه الروايات المشهورة، وحسبنا واقعة تدمي القلب، وتؤكد مدي تباسط النبي صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين، وتعامله معهم حتى في حاجاته الشخصية ولجوئه إليهم فيما لا يتم إلا بين من تكون بينهم علاقات ود قوية في أمور الدنيا ومدى الحرية التي تترجم الفهم السليم لحكمة التعايش مع غير المسلمين، وبرز ذلك في الواقعة التي رواها الطبري في سبب نزول قوله تعالى:

{ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [طه:131]
قال الطبري:
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تنظر إلى ما جعلنا لضرباء هؤلاء المعرضين عن آيات ربهم وأشكالهم، متعة في حياتهم الدنيا، يتمتعون بها، من زهرة عاجل الدنيا ونضرتها ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) يقول: لنختبرهم فيما متعناهم به من ذلك، ونبتليهم، فإن ذلك فانٍ زائل، وغُرور وخدع تضمحلّ ( وَرِزْقُ رَبِّكَ ) الذي وعدك أن يرزقكه في الآخرة حتى ترضى، وهو ثوابه إياه (خَيْرٌ) لك مما متعناهم به من زهرة الحياة الدنيا(وأبْقَى) يقول: وأدوم، لأنه لا انقطاع له ولا نفاد، وذكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهوديّ يستسلف منه طعاما، فأبى أن يسلفه إلا برهن.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي رافع، قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهودي يستسلفه، فأبى أن يعطيه إلا برهن، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنـزل الله ( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ).
(تفسير الطبري، سورة طه، الجزء 18، ص: 403).

ويعترف الإسلام بجميل أهل الفضل من الكافرين، وهو من السنن الإنسانية الراقية، التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم، فعن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسارى بدر: " لو كان مطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له" ومطعم ابن عدي كان من المشركين ومات ولم يدخل الإسلام، لكنه أسدى جميلا للنبي صلى الله عليه وسلم في الطائف بإجارته من المشركين.
(انظر: سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في المن على الأسير بغير فداء، حديث رقم: 2689، رواه البخاري، في صحيحه حديث رقم: 3139).

وكان السلف أيضا أكثر فهما وتطبيقا لهذه القاعدة الإنسانية الجليلة التي تدعو للاعتراف بالجميل وفضل الكافرين، بعيدا عن الحكم عليهم وعلى منازلهم في الآخرة.

قال ابن حبان في كتابه (روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ص352- 353) :
"كان إبراهيم بن أدهم- رحمه اللّه تعالى- إذا صنع إليه أحد معروفا حرص على أن يكافئه، أو يتفضّل عليه. قال صاحب له: فلقيني وأنا على حمار، وأنا أريد "بيت المقدس"، جائيا من "الرّملة"، وقد اشترى بأربعة "دوانيق" تفّاحا وسفرجلا وخوخا وفاكهة فقال لي: أحبّ أن تحمل هذا. وإذا عجوز يهوديّة في كوخ لها فقال: أحبّ أن توصّل هذا إليها، فإنّني مررت وأنا ممس، فبيّتتني عندها فأحبّ أن أكافئها على ذلك".

فالعقيدة لها مسارها الطبيعي إلى النفس ولا يمكن إكراه الإنسان على أن يعتقد واقعاً بحقيقة من الحقائق، وقد منع الإسلام بالفعل الإكراه في العقيدة.