رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
السبت 17/مارس/2018 - 10:50 ص

من دفتر الأوراق القديمة (مبادرة وقف العنف)

من دفتر الأوراق القديمة
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/8785

حين بدأت ندوات مبادرة وقف العنف لم يعلق أحد على ما يجري... الغالبية أعطت ظهرها للآخرين يتعمقون في التفكير... كانت كل الوجوه مفروشة ببسمة أظنها بسمة الأمل في قرب انتهاء الأزمة، لكنني كنت تائهًا في شيء آخر... إنه مواجهة الصعب، وحل الإشكالات، وتفتيت العوائق، وتغيير الواقع، وليس تجميل الموقف، وإدانة ما حدث، وهذا ما فعلته الجماعة مراجعاتها.

كانت الجماعة تبحث عن حيز للوجود وطريق للهوية، ووجدت نفسها بممارسة العنف تفتقد لمشروع واضع للمراجعة والوقوف مع الذات، أو رؤية واضحة للمستقبل، فكانت لا تتقدم خطوة إلا وتتأخر خطوات، حتى ضاعت فرص إجراء مصالحات تاريخية مع المجتمع.

إن البداية الصحيحة هى التى كانت ستتم من اللحظة الفارقة، وهى الاعتراف بالخطأ والرجوع للحق،

بخطىً وئيدة بدأت سلسلة المراجعات فى السجون، وفى أكبر سجن وهو الوادى الجديد بدأت ندوات المبادرة، واستمرت عشرة شهور انتهت بسجن دمنهور.

أخرجنا عنبراً عنبراً وكانت الأنباء تتوالى عن وصول المشايخ ودخل المشايخ إلى التريضات التى نقف فيها ننتظر وصولهم.

رفع الشيخ كرم يده وعرف الواقفين باسمه، وقال أخوكم كرم زهدى، فصاح العنبر وسلم عليه، ثم أشار للمشايخ واحداً تلو الآخر، ونحن نسلم بحرارة على المشايخ الذين كنّا نسمع عنهم فقط، لكننا كنا نقرأ أبحاثهم ونعرف أنهم هم الذين يحركون الأحداث حولهم.

رغم استمرار حالة الصمت والذهول استرد الجميع الراحة شيئاً فشيئاً واستردوا الأمل بعد اليأس والقنوط، والجميع إلى هذه اللحظة كانوا لا يدركون أن المبادرة كانت تصويباً للأخطاء، وتقويماً للمفاهيم الخاطئة، فهم كانوا يظنون أنها مبادرة تكتيكية هدفها هو المناورة، ثم حصد المكاسب، والعودة للمساجد بالانتصارات.

لقد ترددت كلمة استراتيجية فى الندوة الأولى من مشايخ الجماعة وقادتها أكثر من خمسين مرة والأغلبية من الناس لا يفهمون معنى هذه الكلمة!

هكذا طلع الصباح وخرق أسماعنا صوت أمير الجماعة بمنفلوط، وهو يطلب من الغرف المجاورة أن تبحث له عن معنى كلمة استراتيجية التى وردت فى خطاب المشايخ، وكان هذا دليلاً واضحاً على تلك الأمية السياسية التى كانوا يحيون فيها ويعيشونها!

لم يمثل اليوم الأول لأولئك الذين يعتبرون الجماعة هرماً كبيراً ومعجزة إسلامية أقرب للحق الأبلج سوى خدعة من خدعات الحرب بين الحق والباطل، وهكذا كانوا يقعدون فى جانب الغرفة يتحدثون عن شيخ الأزهر ويستهزأون به لأنه استنكر حادث 11 سبتمبر، وقال أحدهما:

- مش بعيد على رجل أحل الخمر للسياح أن يفتى بذلك

خرجنا فى الساعة التاسعة صباحاً إلى تريضات العنابر، الشيخ على الشريف قال لنا:

"إن كل ما فعلناه كان شراً مطبقاً... شراً عظيماً... لقد أخرنا الدعوة عشرات السنيين... لو ربينا شوية فراخ وعملنا مزرعة كان أحسن من كده".

الشيخ فؤاد الدواليبى، قال: "إن كتابة إقرار التوبة ليست حرام، لكن المبادرة تختلف عن التوبة لأن التوبة إقرار للدولة بعدم فعل ما يخالفها مع إمكانية بقاء الفرد على فكره، أم المبادرة فهى تغيير للفكر الخاطئ"

أنا كنت أعرف أن هذا جدلا لن ينتهي، وتساءلت "لماذا إذن بقينا هذه الأعوام نفسق من يكتبون إقرار التوبة، ونقول إن التوبة سهم النظام الذى خاب.

عاصع عبد الماجد كان كلامه مختلفاً عن علي الشريف والدواليبي... شعرنا أنها لعبة التوازنات بين قادة الجماعة أنفسهم فى طريقة عرضهم للمبادرة، وأنهم مختلفون، وكانت الأسئلة تتوالى: هل التحولات الفكرية للجماعة هى بسبب خطأ من البداية أم بسبب الظروف المحيطة؟ هل سنسمع من قادة الجماعة رأياً صريحاً فى مسألة الخروج على الحاكم ومسألة تكفير الحاكم الذى لايحكم بما أنزل الله؟

هل القتلى من الجماعة هل هم من الشهداء أم قتلى فتنة؟ هل ستغير الجماعة أبحاثها القديمة؟

قدمنا الأسئلة لمشايخ الجماعة وكانت إجاباتهم شبه موحدة لااختلاف بينهم إلا فى الأسلوب.. تقريباً تم الإجابة عن السؤال الأول بصورة عامة فى جميع الندوات، ولم يتم بصورة خاصة، وأما السؤال الخاص بتكفير الحاكم فلم يتم الإجابة عليه فى الندوات العامة أو الخاصة، وكان يرجئونه لوقت قادم!!.

قال عاصم عبد الماجد: "الإخوة الذين خرجوا فى الأعمال القتالية كانوا مجتهدين فى الوصول للحق وبذلوا الوسع وكانوا صادقي النية لا يقصدون سوى رضا المولى سبحانه، وفى الحديث المتفق عليه ( إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر).

في الإجابة عن السؤال "هل هناك مبرر لوجود الجماعة بعد المبادرة وهل ستحارب الجماعة الإخوان بعد الخروج من السجون؟

قال عبد الماجد: لقد مرت الجماعة بمراحل كثيرة كان آخرها مرحلة المبادرة ومرت بدورات كثيرة كان فيها دائرة العنف، لكنها لم تكن الدائرة الأساسية، فالأساسية هى الدعوة إلى الله تعالى، والأعمال القتالية، ولذا فنحن جماعة ستدعو إلى الله وتسعى لجذب الناس إلى نبع الدين الصافى، وأما بالنسبة لجماعة الإخوان فنحن كنا موجودين والإخوان يعملون وسنبقى وهم يعملون.

يمكن أن نقول إن إجابات الأسئلة كانت تتلخص كلها فى طرح المبادرة وأهميتها، وقد تم التركيز على موضوع أقباط المهجر، وتم طرح موضوع تغيير المنكر والرد على بعض شبهات جماعة التكفير وعلى أهمية الجهاد، والأخطاء التى تقع فيها الجماعات الإسلامية فى الجهاد وكان هناك غيرها الكثير من المواضيع غير ان هناك أشياء كان مسكوت عنها فى أولى أيام المبادرة مثل قضية تكفير الحاكم ولو طرحت مثل هذه القضايا كانت ستحدث أمراً عكسياً، لأنها كانت ستكشف مدى الصدق في المراجعات أم لا.

مهما حاولت أن أصف فلن أستطيع، إنه مجتمع كبير كان وراء الأسوار، وسوف يعجز من أراد أن يحلل ويصف إذا وقف من ناحية زاوية واحدة، أو وضع تصوراً مسبقاً.

فلنجعل الصورة الحقيقية تنساب أمام أعيننا وهى أنهم كانوا مؤهلين تماماً لقبول المبادرة، حتى يخرجوامن السجون.

لم يتم الإفراج بعد انتهاء ندوات قادة الجماعة سوى عن ألف من المعتقلين من جميع السجون، وخالف ذلك تصورنا الذى كنا نعتقده بأن المبادرة جاءت ليجىء معها الإفراج الجماعى والتعويضات المادية الضخمة.. كنا نختلف نحن مع هذه الرؤية العامة وكنا نتابع ما يقوله بعض الكتاب والصحفيين فى الجرائد والمجلات التى بدأت تدخل بكثرة.

أسباب الموافقة على المبادرة

وكنت أدرك أن هناك أسباباً أدت إلى الإيمان السريع بالمبادرة:

أولاً – تلك التربية التى تربينا عليها وهى تربية الاستجابة لأقوال العلماء والتراث إذا تبين لنا الدليل.

ثانياً – الأمية العلمية والفقهية والسياسية لدى حوالى 97% من الإخوة رغم صورتنا الخادعة لدى المراقبين الذين يتصورون غير ذلك، وهذه الأمية كانت تنخلع عن بعضنا فى مسألة حفظ أبحاث الجماعة، وهي تدفع دائماً إلى سرعة الاستجابة لمشايخ الأبحاث ومؤلفيها الذين اجتهدوا فى جمع الأدلة، على نقض أفكارهم القديمة وعلى نقصانها.

ثالثاً – القدسية التى تربينا عليها حيث التقديس التام لمشايخنا، وهذا مثل السيف الذى كان يقف فوق رؤوس الجميع، حيث إننا كنا إذا أردنا أن نقنع أحدنا بشيء، قلنا إننا سمعنا او رأينا المشايخ يفعلون ذلك، فما بالك بمبادرة هم أنفسهم يطلقونها.

كان هناك الخوف الكامن أن يبدو الواحد على أنه معارض للمبادرة وهذا سيكسبه بغض العدد الوفير من إخوانه أو أن ذلك سيؤخر الإفراج عنه، ولكن ذلك كان شحيحاً ونادراً أمام الاتجاه الجماعى الذى يبدو على السطح ليؤكد على الظاهرة.

الكتب الأربعة الأولى لتصحيح المفاهيم

سنلحظ أن الكتب الأربعة التى صدرت من القادة التاريخيين كما تحب أن تسميهم وسائل الإعلام لاقت قبولاً فى أوساط المسجونيين، لكنها لم تلق حظاً كبيراً فى شرائها بسبب غلاء ثمنها كما لم يهتم بقراءتها العدد الكبير فقد عرفت الغالبية أن الكتب لن تخرج عن الندوات التى سمعوها وأضحت الكتب معروضة للبيع فى الزيارات، وفى كل مكان فى السجن حتى قام أمراء السجن بتوزيعها على الزنازين وإعطاء أوامر بقراءتها.

الكتاب الأول: الأدلة الشرعية لمبادرة وقف الأعمال القتالية، وفى هذا الكتاب قالوا إن المبادرة كانت من طرف واحد ولم تبد أجهزة الأمن أى تجاوب معها لكنها أشاعت جواً من التفاؤل بإنهاء الأزمة كما قوبلت بتأييد من الشيخ عمر عبد الرحمن مما عزز توجه الجماعة الجدي.

هذا الكتاب يعتمد على أفكار مدعمة بالكتاب والسنة والنتيجة التى ينتهى إليها الكتاب هى منع القتال بين الشرطة والجماعات الإسلامية حيث تتوحد الأمة الإسلامية أمام أعدائها الحقيقيين وبهذا يتم حفظ دماء المسلمين وتطفأ نيران الفتنة.

الكتاب الثانى: النصح والتبيين فى تصحيح مفاهيم المحتسبين، ويتحدث المؤلفون عن الغلو فى الدين ومنه الحسبة التى هى فرض كفاية، وأن الجماعة بالمراجعة تسعى لتصحيح الأخطاء التى أحاطت بتطبيق هذه الفريضة.

الكتاب الثالث: حرمة الغلو فى الدين وتكفير المسلمين

يبحث الكتاب الثالث فى نشوء ظاهرة التكفير فى مصر، وأن من أهم أسبابها الغلو والإفراط والتفريط، وأن مظاهرها التعصب للرأى والتشدد فى غير الموضع، وضعف البصيرة بحقيقة الدين، والاشتغال بالمسائل الجزئية عن الكلية.

الكتاب الرابع: تسليط الأضواء على ماوقع فى الجهاد من أخطاء

يذكر هذا الكتاب أن هداية الخلائق مقدمة على الجهاد، وإذا تعارضت الغاية مع الوسيلة قدمت الغاية فإذا أصبح الجهاد نفسه محدثاً للفتنة فى الدين ومانعاً لتعبيد الناس لربهم وصداً للناس عن دعوة الحق لم يحقق الجهاد بذلك مقصوده، حيث فيه إراقة دماء بغير وجه الحق.

الكتبا0لأربعة بهذا الشكل شكلت وعياً جديداً لدى أبناء الجماعة الإسلامية دون غيرهم، نظراً لأن الكثيرين من علماء الأمة وغالبية الدعاة لم يكن هذا شيئاً جديداً عليم بل اعتبروا أن الجماعة بهذا الشكل إنما رجعت إلى ما كانوا يعتنقونه قبل ذلك، وهناك من اعتبروا المراجعات إنما هى تكتيكية وتراجع وليست مراجعات.

فى يونيو 2002 كان الحوار الذى أجراه الأستاذ مكرم محمد أحمد وكان له صدى داخل السجون ولم يكن ماجاء فى الحوار جديداً علينا ولكننا نذكر بعض العناوين للتاريخ ومنه بشاعة حادث الأقصر شجعت قيادات الخارج على التجاوب مع مبادرة الجماعة – مصطفى حمزة أبلغنا موافقته على المبادرة رغم وجوده فى إيران – فكرة التوحيد بين الجماعة والجهاد لم تعد مطروحة – نرفض أن يكون للجماعة تنظيم سرى وآخر علنى – كرم زهدى الجماعة ستصدر اعتذار علنى للمجتمع المصرى على جرائم ارتكبت فى حق مصر.

كان هذا هو صدى التجربة الجديدة وكنا نحن نخوض تجربة إنسانية جديدة داخل السجون بعد أن تحسنت معاملتنا وأصبحنا بالفعل نملك كل أسباب النجاح بعد الفشل الذى واجهناه فى حياتنا.

رغم كل ما حدث وما جرى، ورغم الكتب التى تم توزيعها، ابدى العض رفضهم أسلمة الحكام، وبدا إن أكثر الذين كانوا يبدون اقتناعاً بالمبادرة فى أيامها الأولى لم يكن عندهم تصور كاف لأى شيء، بل ولا يعرفون إلى أى مدى حقيقى سوف يسيرون عليه، إلا القليلين الذين كانوا يستشرفون المستقبل، لذا فقد كان تغليب المصلحة الذاتية على الطموحات هو أسهل شيء!

لم يكن ظاهراً للعيان ما تحدثت عنه لأن ولاء أفراد الجماعة وتقديسهم للقادة جعلهم ولا شك يدافعون عن الفكرة مهما كانت.

ونظر لنا المراقبون من الداخلية والشرطة بتوجس وريبة لأنه من رابع المستحيلات أن يظن عاقل أن آلاف المعتقلين بين يوم وليلة تغير أفكارها عن قناعة وتصحح مفاهيمها باقتدار.

لقد بات الأمر السائد أننا نحتاج جميعاً إلى الندوات من جديد وفى هذه الفترة فعلاً صرح وزير الداخلية حبيب العادلى فى حوار صحفى أن دفعات الإفراج عن المعتقلين ستتوقف إلى أن يتم التدقيق بشدة فيمن يخرج وبعد أن يتم التأكد من تغييره لأفكاره القديمة.

دربالة يكفّر الحاكم

وعاد المشايخ من جديد، وأرسلت لعصام دربالة هذه الرسالة وهو فى سجن المنيا وهذا هو نصها:

 ( الحبيب الفاضل بعد السلام عليكم ورحمة الله :

إن التوقع والحلم والتوتر أحياناً يفتحون أماكن مظلمة فى قلبك ويجعلونك تحاول من جديد وهذا ما حدث بالضبط وجعلنى أكتب هذه الرؤية والقراءة لما نحن فيه وإنى لأزعم أن أى رؤية أو مراجعة وإصلاح هى الضمان الوحيد للبقاء والقدرة على الحياة والاستمرار، لكن إشكالية مثل هذه الأمور هى الشعور لدى البعض أنها لا تنبع من صدق وإخلاص وأنها لا بد وأن تصدر من القادة فقط وهذا لأن أغلبنا ينظر دائماً بريبة وتوجس إلى النشء وقاعدة الجماعة على أنهم صغار لا يكبرون أبداً وأن الكبار وحدهم هم القادرون على الفهم والإدراك والإصلاح.

إن الجماعة تحتاج لثورة إصلاح جديدة:

أولاً – ما زال سلوكنا ينفى الآخر وليرى إلا تفسيراً واحداً للأمور ولا يؤمن بالحوار والسماح لللآخرين بالوجود حتى أننا نبحث فى الظلام عمن نوجه له سهامنا ونرفع عليه سيوفنا فكان مصيرنا مزيداً من الإرهاب الفكرى على كل صاحب فكرى مغاير ومزيداً من الديكتاتورية التى أصبحت وجبة ساخنة فى طقوس حياتنا اليومية.

ثانياً – إن مسألة الحاكمية والحاكم المستبدل تشكل خللاً واضحاً بل هى محصورة فى مسألة تكفير الحاكم رغم أن هذه المسألة سوف تحصر الإسلام فى مسألة واحدة من مسائل العقيدة، وخصوصاً ان مبادرتنا استراتيجية وهى تعنى عدم الخروج على الحاكم، وأنا آسف أنكم ساهمتم بشكل واضح فى هذا الخلل والالتباس وأنكم تريدون تسجيل موقف تاريخى، لكن المسألة أعظم من تسجيل المواقف لأنه بهذه الصورة ستصبح المسألة ذات تبسيط مخل سيفرض متغيرات وسلوك جديد، وهذا ما يحتاج إلى حسم حتى لو خالف رأى حضرتك بالإضافة إلى ان الكلام فى الحاكمية وتقديمها على أشياء أخرى مهمة بهذه الصورة التى لا تقدم ولا تؤخر فهو إسراف أيديولوجي.

ثالثاً – هناك تفكير شاذ ومذهب يحتوى عل الرفض والترهيب لكل ما هو مغاير لنا حتى جعلنا ذلك نفسر كل الظواهر والأشياء ونرسم صورة سطحية تافهة لما نريد ونحرض الأفراد أن يحملوا توجهاتنا المعادية لما لا نحبه، والعكس، لأننا ما زلنا نتميز بنزعة عاطفية ونميل إلى تضخيم الأمور ولا نستطيع التحليل العقلى الهادئ، ونتحدث عن الأشياء التى نريدها وكأنها موجودة بالفعل بينما هى لا وجود لها إلا فى مخيلتنا.

أصر دربالة على عدم التنازل عن قضية تكفير الحاكم، ورد قائلاً: "لقد صدقت حينما قلت أن المبادرة لم تكن نهاية المطاف بل هى البداية لطريق الإصلاح، لكن المشكلة التى أزعم أنها تواجه هذا الإصلاح هى فى المقام الأول وليس الأوحد هى فى إتمام هذا الإصلاح فى ظرف غير مواتٍ لا نمتلك فيه كل أسباب الإصلاح وأدواته، ولا ننفرد بتسيير معطياته وتفاعلاته، مما ينعكس على استمرارية مثل هذا الإصلاح لينال جوانب عديدة ذكرتها فى رسالتك الكريمة، ولعلنا نتفق على أن التغيير الذى يتبع أى عملية إصلاحية يواجه عادة بمعوقات أكثرها ينبع ممن لا يرون أن فى هذا الإصلاح فائدة لهم، وممن ستتأثر أوضاعهم بالتغيير المنتظر وممن لا يدركون قيمته ويتفهمون مغزاه.

ولعلك تتفق معى فى أن العديد من المعتقلين الآن بالسجون لا تعنيهم مسائل الإصلاح بقدر اهتمامهم بأخبار الإفراج، ولذلك فإن تقييم بعض الظواهر السلبية التى ذكرتها لا بد أن تضع فى اعتبارها هذه الحقيقة.

ومما لاشك فيه أننا بحاجة للإنفتاح على الآخر دون ذوبان فيه أو صدود عما لديه من خير ونحن بحاجة لتقديم من هو أهل للمسئولية بعيداً عن أى اعتبارات أخرى، وإن كنت أعتقد أن هذا البلاء الطويل الذى وقع فيه الإخوة سوف يسهم فى إعادة ترتيب الصفوف، ووضع كل إنسان فى مكانه اللائق به، ولن نعجب إذا رأينا العديد ممن تولوا المسئولية يوماً قد ذهبوا لحال سبيلهم.

وأيضاً يا أخى نحن بحاجة إلى مشاركة جميع الإخوة فى صياغة مستقيل العمل والمشاركة فى اختيار المسئولين وفى طرح تصوراتهم فى شتى القضايا.

وتبقى نقطة أخيرة تتعلق بمسألة الحاكمية فقد استوقفنى التعبير (أنكم تريدون تسجيل موقف تاريخى.. ألخ)، فالحقيقة أننى أسجل موقفاً شرعياً أحاول من خلاله ترجمة رؤيتى الخاصة بالمبادرة، والمتمثلة فى إفساح الطريق أمام الجماعة لمواصلة العطاء لدين الله دونما تفريط فى حكم شرعى، وموقفى فى المسألة معلوم وهو بالنسبة للحاكم المستبدل بشريعة الإسلام شريعة أخرى فإن حكمه الكفر، أما تنزيل هذا الحكم على الواقع فيحتاج إلى إعمال قاعدة توفر الشروط وانتفاء الموانع، وهو أمر يجب النظر فيه من آن لآخر، ومع كل حاكم من الحكام، وهى تمثل لب العمل الإسلامى الذى يسعى لصياغة المجتمعات على هدى الكتاب والسنة، والقضية عندى كيف نسير ونحقق أهداف الإسلام دونما الإطاحة بأحكام نرى صحتها".

تحديات العمل عقب الثورة

عقب ثورة 25 يناير، واجهت الجماعة الإسلامية تحديات العمل في بيئة جديدة تختلف تمامًا عن بيئة الضغط والحصار، ما فرض عليها متطلبات جديدة فى أطر التعامل والتحالفات، وفي الخطاب المختلف عن الخطابات التعبوية العنيفة فى الماضي، وخطابات ما بعد مبادرة تصحيح المفاهيم، التي اختزلت في تخطيء الماضي دون رؤية واضحة للمستقبل، وفي الدوران في سياق الظروف التاريخية ومراجعاتها، والقضايا التصحيحية لأفراد الجماعة.

أصدر موقع الجماعة الإسلامية، الذي كان يشرف عليه، ناجح إبراهيم، بيانًا أثناء الثورة، بعنوان (ارحموا عزيز قومٍ ذل)، داعيًا لعدم خلع حسني مبارك من الحكم ، وعقب نجاح الثورة، خطط صقور التنظيم لعزل كرم زهدي، وناجح إبراهيم، وباقي القيادة التاريخية للجماعة، الذين كانوا لا يزالون محجوبين خلف موقعهم على الإنترنت .

كرم زهدي، أمير الجماعة في هذا الوقت ، وفريق القيادات الذين معه، نجحوا إلى حد بعيد في تجاوز ثقافتهم العنيفة السائدة، وطرحوا خطابًا جديدًا ليس فيه الحرب على السلطة، لكن أعضاءهم نشأوا على التفاعل مع المجتمع، وكان دورهم في المساجد والزوايا، فلم يتدربوا إجمالا على أن يكونوا في المنفى ووراء جهاز كمبيوتر، وكان الأمل المأمول هو العودة للمساجد، التي كانوا ممنوعين عنها بأوامر أمنية، وهذا ما حدث على عجل بعد نجاح الثورة.

بدا خطاب الجماعة ما قبل الثورة، أشبه بحديث النفس وتخطيء الماضي، كأنه موجه إلى فئة شباب الجماعة، أو إلى النظام والمراقبين الآخرين، من أجل إعطاء تطمينات يمكن أن تمكنها من مساحة أكبر للعمل، مع الاعتراف إلى حد كبير أن خلافات في وجهات نظر قد حدثت حول بعض الأمور التي هي ليست جوهرية في المقام الأول كحكم الإسلام في الغناء، أو مبادرة السلام مع إسرائيل، أو المقالات التي كانت عن الفترة الناصرية.. ألخ، ولم يكن ذلك عبارة عن تنوع في الأفكار بقدر ما هو نقلة وأسلوب جديد في التعاطي مع تنوعات الظروف المحيطة بها، وأفكار من حولها .

كان أهم ما يوجه قبل الثورة إلى الجماعة هو غياب البرنامج السياسي التفصيلي، رغم أنها ربما أدركت بقراءتها للواقع السياسي وقتها أنه لا يحمل أي أفق قريب للسماح لها قانونيًا بالعمل العام، وكان هذا هو الخطر الحقيقي الذي أدى إلى انتكاسة عدد غير قليل، تصور أن تلك المراجعات والآراء إنما تعبر عن خيانة الزعيم أو عدم صدقه، ولم ينظر على أنها تطور بالحسابات التقليدية لفكر القائد ودليل على نضجه، كما أنها عكست الفشل الحالي بعد الثورة في الجاهزية بالعمل والهيكلة، وهذا ما تبين أثره بعد ذلك في الصراع الذي دار بين قيادات الصف الأول، وإقالة صفوت عبد الغني، ووقف عصام دربالة، لحين التحقيق معه .

عقب مبادرة وقف العنف، وتصحيح المفاهيم، كان لا بد أن يصبح هناك تطور دائب في أوضاع التنظيم وأشكاله وعلاقاته، بحيث يؤدي إلى تماسك فعال وقدر كبير من الإجماع الداخلي، حول أمور جوهرية ثلاث، هي: طبيعة التنظيم ورسالته، ومبرر وجوده، وبنيته وإجراءاته الداخلية ذات الصلة بتغيير قادته واتخاذ قراراته، لكن هذا لم يحصل مطلقًا، ما أصاب الجماعة وبنائها بالخلل والشعور بسيطرة واحد أو اثنين عليها دون الآخرين، وبمجرد عزل مبارك من الحكم، ثار الباقون على القيادات، وتم عزلهم، وتعيين عصام دربالة، رئيسًا لها.

ظهر أن ما فوق السطح يختلف عما يجري بداخله، وأن هناك صراعًا قائمًا حول تفصيلات المبادرة، وإن كان الجميع أقرّ بوقف العنف، وأن صراعًا على هذه التطبيقات يجري، قاده فريق كبير بقيادة طارق الزمر ومعه صلاح هاشم المؤسس الرئيسي للجماعة، والفريق الآخر الذي يقوده جناح كرم وناجح وفؤاد الدواليبي، "فمنذ أن دخل كرم زهدي وناجح إبراهيم ووراءهم قيادات الجماعة من باب مستشفى سجن الوادي الجديد، إلى فناء السجن وبرفقتهم ضباط كبار من أمن الدولة المصرية، كان يتضح تمامًا حرص قيادات الجماعة على إظهار وحدتهم وأنهم صفًا واحدًا ولا يوجد بينهم أي اختلاف في هذا القرار المصيري، والحقيقة أن الخلافات قد ظهرت في كواليس مستشفى السجن التي يقيمون بها من القائد علي الشريف وبين عصام دربالة، وبعض قيادات الصف الثاني بالجماعة، وفي نهاية ندوات تصحيح المفاهيم صدرت بعض القرارات ومنها عزل "محمد يحيي" وهو الذي كان فترة التسعينات مساعداً لعلاء محيي الدين المتحدث الرسمي للجماعة، كما صدر قرار بإبعاد "علاء صديق" أحد قيادات الجماعة بسوهاج عن إمارة الجماعة بسجن الوادي الجديد، ثم تسكين "د. أحمد عبده سليم" أمير الجماعة بأسيوط المعقل الكبير والمركز الرئيسي للجماعة بمستشفى السجن دون تكليف واضح" .

ما سبق كان هو أولى التحديات، التي أصابت الجماعة، إضافة إلى المرحلة العمرية، كون الجماعة كان عصبها الرئيسي من الشباب، وقد كبرت أعمارهم داخل السجون، ومشايخهم قد دخلوا إلى العقد السادس، وهي مراحل عمرية لها خصائصها ولها متطلباتها، في وقت تحتاج هي فيه إلى مزيد من الشباب والفتوة من أجل إعادة البناء بعد مرور أعوام طوال من عدم الهيكلة والركود، مع وجود حاجات كبيرة لهؤلاء الأفراد بسبب العوز المادي لكثير منهم، والذي كان من الأولى بناؤه فترة ما قبل الثورة، وهذا ما ظهرت نتائجه، في خروج أكثر من مجموعة من داخل التنظيم تبحث عن الطريق البديل سواء من داخل الجماعة عن طريق حزب، أو جمعية تعمل داخل إطار القيادة مع نوع من الانفصال، أو من خلال هيكلة جديدة تحمل فيها خيط اتصال وولاء للجماعة، أو ما يسمى بتعبير أدق "احترام لها دون التزام تنظيمي حقيقي بها" وذلك مثل مجموعة إمبابة .

الشورى والديمقراطية كانا من أهم أسباب التحولات، إذ إن اختيار قياداتها كان يتم وفق قواعد شخصية، وليس قوانين أساسية منظمة للعمل كله من القاعدة إلى القمة، لذا فإن القررات المصيرية للجماعة في مواجهة الحكومة، أو في وقف العنف والمواجهة، لم يتخذها سوى عدد لا يزيد عن عشرين فردًا كان أغلبهم خارج مصر، وعاشت الجماعة طوال حقبتها التاريخية تبني وتمحور عملها حول شخص القائد، وقدسية الزعيم، وكانت تتمحور الأفكار والآراء حول هذا القائد، والتعامل مع الذات والآخرين ضمن منظار ورؤية شخصه سواء من القيادة الأولى أو الوسطى، وحين حاولت أن تصنع هيكلة واضحة بحيث تتكامل الأهداف فيها مع النظام والشكل والكيان، بما يوفى بأغراض المفاهيم في العهد الجديد، وقعت المشكلات، وأدى ذلك في النهاية لعزل عدد كبير من قيادات الجماعة .

الخروج عن الخط الإصلاحي

كانت الجماعة منذ بداية نشأتها وإلى ما بعد الثورة لا تعاني من أي انقسام، وظل هذا الوضع من إكبار القادة التاريخيين إلى السنين الأخيرة التي حدث فيها انقطاع جيلي، بين الشباب والقيادة التاريخية المنقسمة، فضلاً عن خيبة القيادة وأخطائها الفادحة التي أودت بعناصر الجماعة إلى سنين طوال من العنف مع الدولة، وكل ذلك جعل هناك انقلابات تجري تحت السطح قادها أحد القيادات التاريخية، وأحد المنظرين الفكريين لها، عصام دربالة ، الذي أوقف للتحقيق معه من قبل مجلس شورى الجماعة، كما تم فصل أحد أتباعه، وهو صفوت عبد الغني، بقرار رسمي أعلنته الجماعة على موقعها .

رفض القرار عبود الزمر، وأفراد كثيرون، وأعلنوا عن عقد جمعية عمومية لاختيار قادة جدد ، رغم أن هذا معناه أن أفرادًا مسجلين بطريقة رسمية بعدد معين وفق القانون الأساسي للتنظيم، وهذا لم يحصل لأن الجماعة لم يكن لها مشروعية قانونية في يوم من الأيام، ولم يكن لها قانون أساسي، وليس بها أعضاء مسجلون بطريقة فعلية، لذا فإن ما تم فيما بعد لم يكن سوى انقلابًا على كرم زهدي وناجح إبراهيم، بطريقة جديدة فهماها معًا، لذا قدما استقالتهما من جميع المناصب الإدارية، وقالا إننا سنتفرغ للدعوة! .

برأيي إن أسباب ما سبق، هو عامل السن لدى الأفراد والذين دخلوا السجون وأعمارهم لا تتجاوز العشرين فوجدوا أنفسهم يزيدون عن 35 عامًا، وأرادوا أن يعبروا عن أنفسهم ويختاروا قيادتهم وبالأخص بعد الثورة المصرية، والثقافة التي اختلفت تماماً، وتلك الظروف المحيطة والتي أكسبت الأفراد مسألة التغيير والرغبة في العملية الديمقراطية داخل الجماعة، التي ظلت منذ نشأتها تعاني من الديكتاتورية في قراراتها، وعدم أخذ رأي الأفراد مطلقاً حتى في قرار العنف مع الحكومة أو السلم معها، والخلافات والانشقاقات الواضحة داحل السجون بسبب مشاكل الأسر الطويل والمشاكل الشخصية التي حدثت وتطورت إلى مشكلات فكرية كالتي حصلت بين عصام دربالة وناجح إبراهيم، كما قال عبود في تصريح إن سبب الأزمة هو هذه المشكلات ، وهيكلة الجماعة الهرمية الرتيبة والكئيبة، التي لا يوجد بها سوى قيادات، وبعض اللجان التي تساعدهم، وثبات الهيكلة على هذا الشكل، ونجاح الإخوان والسلفيين على الأرض، والخيبة الكبيرة لقاعدة الجماعة في المجتمع.

انقسمت الجماعة عقب الثورة مباشرة كالتالي: مجموعة القاهرة بقيادة سامح الشحات، ومحمد إبراهيم، والشيخ عدلي، ومحمد بكري، وهذه المجموعة سعت لتكوين جمعية إسلامية خاصة، ولا تزال تقف على خط وسط بين جميع الاتجاهات، معلنة دعمها الكامل للإخوان المسلمين ، وترى على لسان أحد قياداتها وهو الشيخ عدلي إنها أقرب لتصورات عصام دربالة، وعاصم عبد الماجد، ومجموعة الإسكندرية والمنصورة ودمياط والمنيا والتي تقف بوضوح مع كرم وناجح، ومجموعة سوهاج وأسيوط بقيادة عبد الآخر حماد وصلاح هاشم، التي وقفت موقفاً وسطاً بين الجميع .

في حديث مع ناجح إبراهيم، قال: إنه كان يريد أن يغير من نهج الجماعة، ويجعلها اتجاهاً دعوياً، وليس تنظيمًا، وهذا ما أدركه البعض، فحدث الانقلاب عليه، وأن كرم زهدي امتلك شجاعة لم يمتلكها غيره، حين أعلن خطأ ما قاموا به من عنف، وأراد إخراج عناصر التنظيم من السجن، لأنه تسبب في سجنهم، وبعدها كان سيترك القيادة.

كان من الواضح أن الجماعة يتنازعها نهجان، الأول هو التغيير الإصلاحي التحتي في قواعد المجتمع، والآخر الفوقي، الذي يريد أن يصل للسلطة من أجل التغيير، لكن الأخير هو من انتصر في النهاية، وأعلن عن فوز عصام دربالة بقيادة الجماعة .

كان في هذه الآونة الثورة المصرية تغير كل شيء، وتدفع الجماعة لأخذ مواقف متعجلة وسريعة، لو خيرت فيها من قبل ما أقدمت عليها مطلقًا، ومنها: العودة لمساجدها القديمة التي أممتها الأوقاف، التحالف مع جماعة الإخوان، التنسيق مع حزب النور السلفي في الانتخابات البرلمانية.

لقد انحازت الجماعة للإخوان بشكل كامل لما وصلت للحكم، وحين تم عزلها منه، انخرطت معها في العنف والمواجهة مع السلطة الجديدة.

خرج الإصلاحيون من الجماعة، وسيطر الصقور على التنظيم بالكامل، لذا بدأنا نرى ولأول مرة التباين بين الفريقين ، وبينما انتقد زهدي ورفاقه اغتيال الرئيس المصري الأسبق السادات ، أبدى قادة الجماعة الاسلامية الحاليين فخرهم بعملية الاغتيال.

رأى قيادات الجماعة الإسلامية الحاليين أن المرحلة تستوجب مؤازرة الاخوان بكل ما يلزم، تحقيقاً لذلك المقصد، وكانت هذه الاشكالية هي أهم وأخطر نقاط الخلاف، فهناك من أكد على فلسفة المبادرة الاستراتيجية الحاكمة ودورها المستدام المستقبلي المنضبط أداءً وخطابًا في سياقه الدعوى والفكرى والاجتماعي، مع إلزام الجماعة منهجيًا بعلاقة استراتيجية تكاملية مع الدولة ومؤسساتها ومع الحكام ، وهناك فريق آخر رفض إجراء أي تطوير منهجي وفكري لقضية "الحاكمية"، حيث ترى أن السلطة وستظل هي مناط التغيير الحقيقي.

نتيجة موقف القيادات الحالية للجماعة الاسلامية من قضية "الحاكمية"، واعتناقهم نهج التغيير الفوقي، بزعم أن "المشروع الإسلامي" لن يتحقق إلا بوصول الحركة الإسلامية إلى السلطة، ظهر هذا التناقض الواضح بين ما تعهدوا به في كتب المبادرة، وبين الممارسة العملية، عند أول اختبار عملي للمصالحة مع الدولة، فعاد من جديد الاستخفاف بالدماء، وعادت نزعة الانتقام والكراهية في مواجهة مؤسسات الدولة، خاصة الأجهزة الأمنية، ولم يعد يهمهم تنامي العنف وتراكم الأحقاد والنزاعات والثارات، كما تعهدوا بعكس ذلك في كتب المبادرة، ليس فقط لأنهم يسعون لاستعادة ما يطلقون عليه "شرعية مرسي"، وما يترتب من كوارث ومفاسد أفدح وأخطر من مفاسد خروجهم على مبارك، نتيجة المستجدات الخطيرة على المشهد الاقليمي والدولي والمحلي، وليس فقط  لأنهم شعروا ببعض القوة فغلب الظن عليهم أنهم فى مواسم التمكين وتصفية الحسابات والثأر، انما أولاً لافتقادهم المصداقية مع النفس ومع الآخر، بعدما كتبوا بأيديهم فى السابق "نتصالح حتى لا تتفتت وحدة الأمة وتراق الدماء، وتضعف مصر فى مواجهة أعدائها الحقيقيين"، وبعدها مباشرة بعد فترة زمنية قصيرة وعند أول ضعف طارئ للدولة ومؤسساتها، يتحالفون على أساس أيديولوجي مع من يسعى لهدم الدولة، وإضعاف مؤسساتها والنيل من استقرارها طمعًا في الحكم وكراسي السلطة، ويسهمون من جديد فى تفتيت وحدة الأمة، وإراقة الدماء، واضعاف مصر في مواجهة أعدائها الحقيقيين .

في حوار لأحد قيادات الجماعة الاسلامية، وأمين عام حزبها "البناء والتنمية" مع جريدة "المال" ذكر علاء أبو النصر أنهم يعارضون بشدة المراجعات التى قام بها الدكتور ناجح ابراهيم"، وهو يقصد هنا الجانب الأهم من المراجعات ومبادرة وقف العنف بتأصيلها استراتيجيًا وتحصينها علميًا وفكريًا باجتهادات فكرية تفصيلية في قضايا كثيرة عالقة لم تحسم، وبتصحيح فكر "الحاكمية" وتصحيح علاقة الجماعة مع الدولة وأوضاعها في المجتمع بأدوار اجتماعية ودعوية متطورة وبخطاب وأداء منضبط .

صفوت عبد الغني، القائد الحقيقي الآن للجماعة، كتب على صفحته بالفيسبوك: "كلما صدعنا بالحق كاملاً وكلما وقفنا فى وجه الباطل، وكلما أنكرنا مواقف المتخاذلين وفضحنا نفاقهم أو تأويلاتهم الباطلة رفع البعض فى وجوهنا قضية مبادرة وقف العنف، وآثار آخرون قضية المراجعات التى قامت بها الجماعة، لقد ظن هؤلاء جميعاً أن المبادرة والمراجعات معناها ألا تتحدث بالكلية، أو أن تتخلى عن الحق، أو لا تنحاز لنصرته، أو أن تأخذ بالرخص ما حييت، أو أن تنهزم أمام الواقع، أو ألا تقف فى وجه الظالمين الغادرين، أو ألا تنكر على من حاد وسلك سبيل المجرمين، للأسف نحن أمام قراءات خاطئة لقضية المراجعات تسبب فيها تصريحات بعض القيادات السابقة للجماعة، التي كان لها فهم خاص، رفضها جميع قيادات الجماعة وكوادرها، وتسبب فيها أيضاً أن كتب المراجعات نفسها لم تأخذ حظها من النشر والبيان حتى يقف الجميع على حقيقتها، كما أن البعض أراد عن عمد وادراك استخدامها وتوظيفها لإخماد صوتنا، والتأثير على قراراتنا، ومحاولة لإقصائنا عن الساحة، المراجعات يا سادة تعني باختصار: وقف العمل المسلح، أو استخدام العنف مع النظام ومؤسسات الدولة كخيار، أو مبدأ استراتيجي، وذلك جلباً للمصلحة، ودرءًا للمفسدة، وهذا لا يعني أن كل ما قامت به الجماعة كان باطلاً، أو مخالفاً للشريعة، كما لا يعني ألا تكون الجماعة معارضة بقوة للنظام العلماني معارضة سلمية، كما لا يعني أن تكون الجماعة بوقًا للمؤسسات الأمنية أو العسكرية، المبادرة تعني فقط ترك العمل المسلح مع التمسك الكامل بالحق والمبادئ والقيم التى عشنا ومات شهداؤنا من أجلها" .

الأزمة الفوقية والتحتية

عقب سيطرة جناح الصقور على الجماعة وحزبها، أصبح الحديث عن قتلى الجماعة في التسعينات ظاهرة شملت كل محافظات مصر، فأغلب العناصر وضعوا صور القتلى، متفاخرين بهم، وصاغوا قصصاً طويلة، وأحياناً غريبة عن موتهم، على سبيل المثال (علاء رجب)، و(أبو العابدين ناصر الشريف) وغيرهم، من قيادات الجماعة بمحافظة أسيوط، كانوا لا يكفون عن الحديث عن قتلى الصدام المسلح، ما دفع القيادي عصمت الصاوي، ليكتب: إذا كان للجماعة شهداء، فللدولة شهدائها أيضًا، وهذا ليس وقته، وأبناء الوطن الواحد لا غالب ولا مغلوب بينهم، وما أفهمه أن المبادرة لا غالب ولا مغلوب فيها، والإنصاف يقتضي أننا إذا تحدثنا عن سلبيات التسعينات، أن نتحدث عن إيجابيات ما بعد المبادرة .

رد المتحدث الإعلامي، محمد حسان على الصاوي قائلاً: "فلتبرأ إلى الله مما كتبت، كيف تقارن بين شهداء الجماعة الذين قتلوا في سبيل الله، وبين من تعدى عليهم، وثانياً المواجهة كانت باجتهاد والمبادرة أيضاً باجتهاد!"، كما رد الأخ خالد أبو طالب أيضًا، قائلاً: "الأخ عصمت ما هو تعريف الشهيد عندك؟ هل تعتبر أن من حارب الدين وأغلق المساجد من الشرطة شهيد؟!" .

اتضح من هذا الحوار أن أزمة الجماعة ليست من القيادات لكنها من أسفل، أي في القواعد، وعموم الأفراد، ولعل أزمة السبعينات والثمانينات، كانت بسبب أن القيادات كانوا من جيل الشباب، وكانت قراراتهم غير مدروسة، ومنها قتل السادات، وأحداث أسيوط، وهو ما اعترفوا به، أما التسعينات فبسبب سيطرة تلاميذهم المتحمسين على الجماعة، واعتناقهم أيديولوجية الصدام، وتغيير النظام والسلطة من أعلى وليس من أسفل، أما أزمة ما بعد عزل الإخوان، فهي أزمة شاملة، السبب فيها هو عدم وجود مراكز دراسات استراتيجية داخل الجماعة، فضلاً عن جهل الأفراد بالعلوم السياسية، وعدم إجادة الجماعة التعامل مع الإعلام مطلقًا، والأهم هو خلل الرؤية، فقد كانت هناك رؤية قبل المبادرة، ترى علنية الدعوة وسرية التنظيم، والاستعلاء على المجتمع، ثم القفز على السلطة للتغيير الفوقي لكل الدولة، وبعد المبادرة تغيرت الرؤية فأصبحت انكفاء التنظيم على ذاته، ومحاولة إنقاذ أفراده بأي ثمن، ثم الانفتاح على المجتمع، وجعل الدعوة هي اتجاه فكري عام، والتغيير الاجتماعي للدولة من أسفل القاع، وليس من قمة السلطة للدولة، وعقب ثورة 25 يناير وإقالة كرم وناجح أو استقالتهما، أصبح داخل الجماعة رؤيتان، الرؤية القديمة، والرؤية الحديثة، لكن الفريقين آمنا ببقاء الجماعة، ووجوب العمل الجماعي، وتجاوز مرحلة ناجح وكرم، والاستفادة من المرحلة الإخوانية واعتبارها فرصة غير مسبوقة، وإلى حد ما كانت الجماعة فترة حكم الإخوان مواقفها متسقة عن غيرها من التيارات السلفية المتنوعة، رغم وجود بعض الأخطاء.

في العام الذى تلا سقوط الإخوان، وجدت الجماعة ذاتها في مأزق شديد، فقد تورطت بالفعل، وأصبح جزء من قياداتها هاربًا لخارج البلاد، وآخر داخل السجون، كما أصبح الباقون تحت عين الرصد، وكانت مشكلة الهاربين هي الأدهى، فقد كانوا لا يستطيعون الانفصال مطلقًا عن الإخوان في الخارج، لظروف متنوعة، وكانوا لا يستطيعون تغيير خطابهم، وإلا جرفهم سيل المتعاطفين مع الإخوان، واتهموا بالخيانة والنفاق، لذا فقد انتهجت الجماعة سياسة المناورة، فهي ما بين الدولة والإخوان، أي في المنتصف داخل مصر، ومع الإخوان قلبًا وقالبًا خارج مصر، وكانت استراتيجيتها هي البقاء في صدارة المشهد الإعلامي بشكل شبه يومي، وبيانات شبه يومية، ومحاولة استغلال الفراغ الإخواني لضم عناصر جديدة على فكرة مميزة هي: (التاريخ الطويل من الصراع الدامي مع الأنظمة الطاغوتية، الجماعة الوحيدة التى ضحت بعشرات الشهداء، الجماعة الوحيدة الثورية، فشل الإخوان والسلفيين)، وكان ذلك هو خطاب الجماعة، سواء قادة أو أفراد طيلة الفترة السابقة .

اتخذت الجماعة استراتيجية أيضًا جديدة اتضحت معالمها باتخاذ العنوان الثوري سلاحا لها (وفق طارق الزمر)، والالتفاف حول شباب الثورة ، وخطاب التجميع للضغط على مصر، للحصول على بعض المكتسبات المحدودة، بعد محاولات الانسحاب الإخوانية، لتكوين جبهة مواجهة ترتكز على الرؤى الجهادية والخلفية السلفية الحركية، ترفض التنازلات التي يمكن أن يقدمها الإخوان للثوريين من أجل التوافق .

في هذه الآونة أيضاً كان قيادات الخارج يمارسون (اللخبطة) دون حساب دقيق ، وتزداد (عشوائيتهم) حين يصرح الإخوان أن منهجهم ليس العنف، وأن تحالفهم مع الجماعة الإسلامية هو السبب فيما جرى من أحداث مسلحة داخل مصر، وأن أفراد الجماعة الإسلامية هم المتورطون في كل ما جرى.

انقسمت الجماعة الإسلامية، إلى 4 أقسام لا خامس لها، الأول منها هم قياداتها، الذين قسموا أنفسهم لفريقين، أولهما بالخارج، وهذا له خطاب لا يخلو من المواجهة والعنف، مستغلين وجودهم خارج مصر في طرح هذا الخطاب، ومنهم ممدوح على يوسف، وإسلام الغمري وغيرهم، وأما قيادات الداخل فلهم خطاب يمسك العصا من المنتصف، متحججين بوجودهم في الداخل، واضطرارهم إلى ذلك، وأما القسم الثاني من الجماعة فهم من نشروا صور شهداء التسعينات، وهم من يؤمنون أن مبادرة وقف العنف القديمة ما هي إلا اجتهاد مضى وقته، والقسم الثالث، هم الذين ما زالوا متمسكين بالمبادرة لكن رأيهم لا يؤخذ به، وليس لهم أى دور في سياسات التنظيم، والقسم الأخير وهو الذي ينفذ أوامر القيادة دون تفكير، أو تخلى عن الجماعة وانعزل عما يجري.

حرص قيادات الجماعة على ازدواجية المواقف طوال الوقت، على سبيل المثال (المؤتمرات التى تم فيها مناقشة فكر داعش.. حتى عنوانها كان (داعش ما لها وما عليها).. في المنتصف أيضاً، أى أن داعش لها إيجابيات.. وهذا ما تسبب فيما بعد في لفت الانتباه لداعش، وكانت الجماعة الإسلامية هى كبرى الجماعات التى ورّدت أفرادًا من جيل ما بعد الثورة لهذا التنظيم.

كما حرص القيادات على الإبقاء على ازدواجية المواقف للإبقاء على مشهد القيادة الحالية كما هو دون تغيير، وعدم فقدانهم مكانتهم التاريخية التي اكتسبوها، وإحداث توازن داخل لإثبات أنها تدار بالديمقراطية وبرأي الأغلبية.

 دخلت في هذه الآونة أطروحات وبيانات الجماعة، ومنها ما يكتبه عبود الزمر، ضمن أساليب امتصاص الضربات والتقاط الأنفاس وتحويل الأنظار عن الجماعة وقياداتها فى الداخل، وإظهار الجماعة كأنها ليست على وفاق وانسجام مع الإخوان على غير الحقيقة، لاحتواء حركات الانشقاق، وتشتيت جهود المنشقين الساعية لحظر الجماعة، أو تصنيفها إرهابية، ولتفادي تحمل مسئولية العنف والتفجيرات في الشارع، فيمَ يباشر قيادات الخارج الشحن والتحريض والتصعيد .

رأى بعض قيادات الجماعة أن الفرصة فى هذه المرحلة – بعد 25 يناير 2011م – صارت مواتية أكثر من أى وقت مضى لتصفية الحسابات مع ما أسموها "أجهزة نظام مبارك الأمنية"، لذا أعلنت في تصرف غريب، عن إنشاء لجان للحسبة في صعيد مصر سيتم تعميمها فيما بعد، وأعلن الكثيرون منهم دون مواربة على صفحاتهم الخاصة، ومنهم أبو العلا عبد ربه ، وعزت السلاموني ، عن الفرصة المواتية لتخليص الحقوق.

كما رأى آخرون من الجماعة أن الفرصة مواتية، لطرح مرشح رئاسي، لذا فقد اعلنوا عن دعمهم لترشح صفوت حجازي، قبل قرار الإخوان بترشح خيرت الشاطر، وبعده محمد مرسي، ليتحالفوا مع الإخوان من أجل أسلمة السلطة، وكرسي الحكم .

الوقوف في المنطقة الضبابية

بينما كان الإخوان يمارسون الإقصاء لكل خصومهم، أصبحت الجماعة الإسلامية هي الحليف الأكثر التصاقًا بها، فقامت بالإعداد لما يسمى (جمعة الشريعة) بميدان التحرير، وشاركت في كل الفعاليات الإخوانية، وبدأ قادتها مثل عاصم عبدالماجد يخدمون الإخوان في كل الملفات المطروحة على الساحة الإعلامية ، وحين أقام الرئيس الأسبق مرسي مؤتمرًا دعا فيه للجهاد بسوريا، كان عبدالماجد ألو من أقام ما يسمى (جبهة الأنصار) لجمع الشباب للسفر إلى هناك، وهو ما حصل بالفعل، حيث يوجد للجماعة عدد غير قليل من عناصرهم، على رأسهم أحمد عشّاوي .

حين فشل الإخوان في العام الذي حكموا فيه، كان عبود الزمر موجودًا بشكل شبه يومي في قصر الاتحادية بجوار مرسي، وكانت جماعته تناور لتبقى فى صدارة المشهد الإعلامى بشكل شبه يومي، وحين شعرت جماعة الإخوان أنها ستجبر عل ترك الحكم، قررت الاعتصام في ميدان رابعة، والنهضة، وكان قادة الجماعة على رأس المعتصمين، وفوق المنصة توالوا في إلقاء الكلمات التهديدية للجيش المصري.

فشلت التجربة السياسية للإخوان وحلفائهم، فاعتزلت الجماعة المشهد السياسي، ورفضت القبول بالنتيجة التي وقعت، وأعلنت انضمامها لما يسمى (تحالف دعم الشرعية) ، وانفتحت مسارات الصدام والعنف على مصراعيها، سواء من التنظيمات التكفيرية المسلحة المتمركزة فى سيناء، أو من خلايا تكونت حديثاً من شباب منتمى للتنظيمات التقليدية بعد فض اعتصامى رابعة والنهضة، لاستهداف مؤسسات الدولة السيادية والأمنية وعلى رأسها الجيش والشرطة، وكانت الجماعة حاضرة بقوة، إذ إنها أمسكت العصا من المنتصف، فقررت تهريب بعض قادتها للخارج، ومنه مطارق الزمر، ورفاعي طه، الذي قتل فيما بعد بسوريا، وعاصم عبدالماجد، ومن المحطات الخارجية، أطلقوا تصريحاتهم للدعوة لما يسمى الثورة والشرعية، ورفع بعض قادتهم شعار الجماعة القديم، وهو السيف وفوقه الآية، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، وكان منهم ممدوح علي يوسف، رئيس الجناح العسكري السابق للجماعة، وأبو العلا عبد ربه أحد قتلة الكاتب فرج فودة، وإسلام الغمري، ورفاعي طه، الذي كفّر السيسي فيما بعد ،  ومحمد الصغير، المقيم بتركيا، الذي دعا مجموعة (العقاب الثوري) الإخوانية المسلحة، لاحتلال صعيد مصر ، تمهيداً لطوفان "الثورة المسلحة" – بحسب وصفهم.

قبل عزل الإخوان، وهروب القادة لخارج مصر، التقيت رفاعي طه، الرجل القوي بالجماعة، وأحد مؤسسيها، وقائد معسكراتها بأفغانستان، فقال لي: إن أسامة بن لادن وضرب برجى مركز التجارة العالمى فى 11 سبتمبر هما اللذان أشعلا ثورة 25 يناير بمصر، وإن مقتل السادات ما كان إلا محاولة لإقامة الدولة الإسلامية عن طريق الثورة والانقلاب العسكري، وأن الجماعة فى أفضل حالاتها، والقيادة الحالية هى الأفضل من كرم زهدي وناجح إبراهيم، وهى قيادة موفقة جداً وخاضت الانتخابات وحصلت على 15 مقعداً، وأصبح لها وجود سياسي ملموس، رغم أنها خرجت منهكة من السجون، وأنه لم تحدث تحولات للجماعة في مسألة العمل الحزبي، وهناك تشويش على فكر الجماعة قبل المواجهات، فنحن لم نكن نحرم العمل الحزبي، وكانت هذه رؤى تعبر عن أصحابها، مثل كتاب «إعلان الحرب على مجلس الشعب»، ورغم أنه رُوّج له على أنه كتاب الجماعة فإن هذا خطأ، لكن لأغراض سياسية ودعوية، رُئى السكوت عن التصريح بذلك، لأن مبارك لم يكن جاداً في الديمقراطية، وكان يتاجر بالعمل الحزبي، ولم نكن نريد أن نزين وجهه القبيح، والأحزاب كانت ورقية، وكنا نرى أن العمل الحزبي متى أتيحت أسبابه الحقيقية فلا مشكلة.

قال هشام النجار، المتحدث الإعلامي السابق باسم حزب الجماعة البناء والتنمية: اعتقد قادة الجماعة وعلى رأسهم رفاعي أن الفرصة مواتية أكثر من أى وقت مضى، وأن الحركة الاسلامية بجميع فصائلها في مسار الصدام والمفاصلة، وأن حالة الاحتقان السياسي، وقضية المظلومية، والاضطهاد للإسلاميين، يمكن توظيفها والترويج لها على أوسع نطاق، على خلفية الأحداث السياسية، التي أعقبت تظاهرات 30 يونية ضد حكم الإخوان، فضلاً عن إمكانية إطالة الصراع مع الدولة على أرضية الدفاع عما يعتبرونه حقوق الإخوان في الحكم والسلطة، وأنهم باستطاعتهم تصوير الصراع على أنه ديني ضد الهوية الإسلامية والشريعة والثوابت، فضلاً عن توفر المحاضن والملاذات الخارجية ذات الدعم المادي السخي في كل من تركيا وقطر، وهذه العوامل مجتمعة شجعت قيادات الجماعة المحسوبين على منهج الصدام المسلح، والخيارات العنيفة على أن يدفعوا باتجاهها من جديد .

كان هناك أسباب كثيرة لتحالف الجماعة الإسلامية المصرية مع الإخوان المسلمين، أهمها: تصور قياداتها بإمكانية عودة الإخوان للسلطة، ووجود داعم دولي وإقليمي لأول مرة لهذا الأمر، وأن مفاجأة وصول أحفاد البنا للحكم يمكن أن تتكرر، ولا ينفع بحال من الأحوال أن تتراجع للوراء، وإلا ستخسر الإخوان، كما ستخسر السلطة القائمة، بسبب ما فعلته أثناء حكم محمد مرسي وما قبله، وستخرج خالية الوفاض من كل شيء، كما أن عقلية الجماعة السلفية الأصولية ارتأت أن الإسلامويين هم أقرب لها من السلطة الجديدة، التي تراها علمانية عسكرية، مناهضة للشريعة، وأنه يمكن من معاقبة هذه السلطة، بالوقوف في الخندق الإخواني، وعلى هذا تجاوزت خلافاتها القديمة الأيديولوجية مع جماعة الإخوان، والتنافس السياسي بينهما، لتكون عضوًا في تحالفها المضاد للجيش .

الجماعة الاسلامية بات يسيطر عليها بالفعل قيادات أقرب لجماعة الجهاد مثل طارق الزمر، وفيما يشبه الانقلاب الأبيض الذى تمت شرعنته تحت ستار تطوير الجماعة، تم إقصاء أغلب القيادات التاريخية، ومنهم فؤاد الدواليبي، وعلي الشريف، وحمدي عبدالرحمن، فضلاً عن اختيار أعضاء الجمعية العمومية من المقربين من الحركي صفوت أحمد عبدالغني، كما الآخرين من الصف الثاني الذين أصبحوا يديرون التنظيم بالكامل، ممن أفرج عنهم من قضية اغتيال رئيس مجلس الشعب الأسبق، رفعت المحجوب، وكلهم زملاء عبدالغني أيضًا، وهو من اختارهم بعناية، وهذا كله دفع في الاتجاه الآخر القريب من الإخوان وليس البعيد عنه.

عقب عزل جماعة الإخوان من الحكم، بفعل تظاهرات حاشدة، وتدخل للجيش، اتخذت الجماعة الإسلامية استراتيجية جديدة، اتضحت معالمها باتخاذ العنوان الثوري سلاحا لها (وفق طارق الزمر)، والالتفاف حول شباب الثورة، وخطاب التجميع للضغط على السلطة بمصر، للحصول على بعض المكتسبات المحدودة، بعد محاولات الانسحاب الإخوانية، لتكوين جبهة مواجهة ترتكز على الرؤى الجهادية والخلفية السلفية الحركية، وترفض التنازلات التي يمكن أن يقدمها الإخوان للثوريين من أجل التوافق.

ما سبق كان معناه، إمساك الجماعة العصا من المنتصف، فهي بيد في الداخل المصري تلوح بمبادرة وقف العنف، وفي الخارج تلوح بيد العصيان الثورية، والتحالف مع الإخوان.

افتقار الجماعة الاسلامية خلال ركضها المتسارع نحو السلطة عن طريق القوة، وأزمة غيبتها الطويلة فى السجون للرؤية الاستراتيجية المتكاملة، هو الدافع الرئيسي لاتخاذها تلك الاستراتيجية، التي أدت إلى انخراطها وراء الإخوان، وفي ذات الوقت حرصها طوال الوقت على إعلان وقوفها مع بنود مبادرة وقف العنف القديمة، رغم الممارسات العملية المخالفة لذلك، وهو ما أدى بالفعل إلى تذبذب واضح في كل تصرفاتها، التي أعقبت سقوط الإخوان، وأكثر من 20 مبادرة جديدة طرحتها من أجل إنهاء أزمة الإخوان، والجيش المصري.