رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الأحد 11/مارس/2018 - 05:11 م

مصر وتركيا.. الحضارة فى مواجهة الإرهاب

محمود جابر
محمود جابر
بقلم / محمود جابر
aman-dostor.org/8586

أدت الثورة التى اندلعت فى الإقليم منذ الشهر الأول من 2011 إلى وضع العديد من العلاقات قيد الاختبار، وعلى رأسها العلاقات المصرية التركية؛
فبعد وقت قصير من سقوط الرئيس (الأسبق) حسني مبارك، أصبحت تركيا من المؤيدين الإقليميين الرئيسيين لمصر؛ لكن عندما تمت الإطاحة بمرسي في عام 2013 عبر ثورة شعبية ثانية، غيّرت تركيا من مسارها ومع تولي الرئيس السيسي السلطة في مصر، وسرعان ما وضعت نفسها فى خصومة مع مصر.

فى أغسطس 2013، طلبت تركيا من مجلس الأمن الدولي فرض عقوبات على السيسي؛ كما أن أردوغان قد صرّح لقناة الجزيرة بأن حكومته "لا تقبل نظام [السيسي] الذي قام بانقلاب عسكري". كما واعتبر السيسي "طاغية غير شرعي"، وفي العام التالي، مارست مصر علناً ضغوط ضد ترشيح تركيا للحصول على مقعد في مجلس الأمن.

تركيا استشاطت غضبا بشكل أكبر في أعقاب قرار مصر شن هجمات جوية ضد أهداف تنظيم "داعش" وغيرها من التنظيمات الإرهابية في مدينة درنة الليبية بناء على طلب دعم من الحكومة الليبية المعترف بها دولياً والجيش في طبرق ، إلا أن تحالف طرابلس من المؤتمر الوطني والجماعات المتحالفين مع تركيا رفضوا ذلك بكل قوة . وفي هذا الإطار أعطت تركيا تحالف طرابلس قدراً من الدعم الدبلوماسي من خلال رفضها الاعتراف بالحكومة الليبية الرسمية. ومن جانبها، أدانت أنقرة الهجمات الجوية، معتبرة أن "هذه الهجمات تعمق المشاكل القائمة في ليبيا وأجواء الصراع وتخرب جهود حل الأزمة بطرق سلمية وتمثل عدوان على ليبيا".

يعتقد البعض أن صراع تركيا وعدوانها على مصر يمثل حالة جديدة، وربما يلعب فيها أردوغان دورا كبيرا، ولكن الحقيقة التاريخية تقول أن حالة العدوان هذه لا تعود لأيام الإمبراطورية العثمانية، التي استولت على مصر فى 1517و حتى عام 1867 حين أصبحت شبه مستقلة، بل إن الحيثيون القدماء- وهم سكان شبه جزيرة الأناضول- الذين اعتدوا على مصر فى زمن تحتمس الثالث،و رمسيس الثاني حوالي مائة عام بدأت عام 1305 قبل الميلاد.. وحاولت تركيا ، أي الحيثيين، ضرب الحكم المصرى لسوريا بأى ثمن.. وقد اشترك رمسيس الثانى مع والده الملك سيتى الأول فى التصدى للأطماع التركية .. وزادت حدة العداوة بين تركيا ومصر، ولم يجد رمسيس الثانى هذا بداً من أن يقود بنفسه الجيش المصرى للتصدى للحيثيين وخاض معهم معركة قادش أشهر وأكبر معارك مصر ضد هؤلاء الحيثيين.. وبسبب أهمية هذه المعركة حرص رمسيس الثانى على نقش صور تلك المعركة على جدران الكثير من المعابد.. سواء فى معبدى أبوسمبل- جنوب أسوان- أو فى معبد الأقصر وقاعة الأعمدة فى معبد الكرنك.. ورغم أنه حاول إذابة هذا العداء التركى لمصر بالزواج من ابنة ملك الحيثيين.. إلا أنه ظل محافظاً وحامياً للأراضي السورية من الأطماع التركية، أى الحيثيين!!.

وفى زمن المماليك رأى السلطان المصرى قنصوه الغورى أن عيون تركيا العثمانية تتجه إلى سوريا وإلى مصر فخرج بجيشه إلى أن وصل إلى شمال سوريا، عند حلب، ودارت معركة مرج رابق 1516. ولولا الخيانة «وهى أسلوب الأتراك القدامى والمحدثين» لما نجح الجيش التركى.. فقد اتصل سلطانهم سليم الأول بأكبر قائدين فى الجيش المصرى، هما خاير بك.. وبردى الغزالى، ووعدهما بالمناصب والأموال إن انسحبا من ميمنة الجيش المصرى ومسيرته ليتركا قلب الجيش المصرى بقيادة الغورى نفسه مكشوفاً.. بعدها تم تعيين خاير بك كأول وال على مصر، وقد سماه المصريين خاين بك!!.

وقام سليم الأول بسرقة كل كنوز مصر ونقلها إلى إسطنبول.. مع علمائها وصناع كل صنعة إلى بلادهم.. ولم يكتفوا بأن حولوا مصر من دولة عظمى ذات سيادة إلى ولاية تابعة لهم إلى أيام محمد على.

وعلى الرغم من أن مصر كانت تخضع لسلطة اسطنبول وكانت تدفع الضرائب لهم، إلا أن مصر تمتعت عملياً بالحكم الذاتي طوال فترة طويلة من الحكم العثماني. فقد احتفظت مصر بسلطة كبيرة لدرجة أنها حاولت الاستيلاء على الإمبراطورية العثمانية في ثلاثينات القرن التاسع عشر، وتحت قيادة محمد علي باشا، وابنه ابراهيم قائد الجيش، سيطرت قوة مصرية على فلسطين وسوريا وهددت بإسقاط السلطان العثماني. وفي الواقع، توغل إبراهيم باشا في عمق الأناضول، ووصل إلى مدينة كوتاهية التي تبعد 200 ميل من اسطنبول. إلا أن تدخل المملكة المتحدة وفرنسا حفظ عرش السلطان وأدى إلى احتواء التهديد ، ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية، تطلعت تركيا نحو الغرب ، ولجأ العديد من خصوم مصطفى كمال أتاتورك، إلى مصر هرباً، وقاموا باتخاذ القاهرة مركزاً للأنشطة في الفترة ما بين الحربين العالميتين.

وبعد ثورة 1952، تصاعد التوتر في العلاقات التركية المصرية بعد الإطاحة بالنظام الملكي في مصر، والنخبة ذات الأصول العثمانية التركية التي كانت لا تزال تدير البلاد، غضب أنقرة. وعندما انحاز حاكم مصر الجديد، جمال عبد الناصر، إلى الشرق في الحرب الباردة، ازدادت الهوة بين أنقرة والقاهرة. إذ كانت أنقرة قد دخلت حلف شمال الأطلسي وأصبحت قاعدة للناتو فى مواجهة المنطقة العربية، فضلا عن دورها فى حلف بغداد ضد مصر .

وفى الوقت الذي كانت مصر تحمل على عاتقها هم القضية الفلسطينية كانت تركيا تعد حليفا استراتيجي للاحتلال الصهيوني وكانت من أولى الدول التى بادرت بالاعتراف به وأقامت علاقات دبلوماسية وعسكرية واقتصادية .


وبعد ذلك جاء أردوغان وتولى "حزب العدالة والتنمية" و السلطة في أنقرة في عام 2002، اعتمدت تركيا سياسة ركوب حركة الإخوان للوصول إلى الحلم العثمانى القديم، وتخلت عن توجه أتاتورك المؤيد لأوروبا. كما وأدرجت أنقرة نفسها في إطار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني - شكليا، من خلال حركة «حماس» . إلا أن مبارك، الذي كان رئيساً لمصر في ذلك الوقت، عارض نشاط أنقرة الجديد في المنطقة، واعتبر أنه يأتي على حساب مصر ، ويشكل تدخل في السياسة المصرية الداخلية. لكن على الصعيد الاقتصادي كانت العلاقات بين البلدين جيدة!!

فبين عامي 2002 و 2013، ارتفع حجم التجارة بين مصر وتركيا من 301 مليون دولار إلى 5 مليار دولار. كما أن الخطوط الجوية التركية، الناقل الرئيسي في تركيا، أضافت الإسكندرية والغردقة وشرم الشيخ إلى قائمة رحلاتها المباشرة من اسطنبول.

وبعد رحيل مبارك من منصبه في فبراير 2011 بدا أن العلاقات بين البلدين ستشهد تحسناً. ومن جهته، أظهر أردوغان تركيا كنموذج للديمقراطية الإسلامية الحديثة، وعندما زار القاهرة في سبتمبر 2011، استقبلته حشود الإخوان كبطل، و عُلقت صوره على لوحات كبيرة من مطار القاهرة وصولاً إلى منطقة وسط المدينة، واعتبرت الصحف المصرية في ذلك الوقت أن تقارباً جديداً مع تركيا من شأنه أن يمارس ضغوطاً على إسرائيل، كما أعلن أردوغان بأنه يفكر في زيارة قطاع غزة في إشارة إلى الدعم التركي لحركة "حماس" بقدر ما ينطبق ذلك على سكان غزة أيضاً.

وفي النهاية، لم يقم أردوغان بهذه الزيارة إلى غزة، وذلك وفق ما قيل بسبب معارضة "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" الذي كان يعلم مدى خطورة تركيا على الأمن القومى المصرى. وعلى الرغم من أن تعليقاً أدلى به أردوغان حث فيه المصريين على تبني العلمانية التركية قد ولّد انتقادات كبيرة في صفوف الإخوان وحلفائهم، إلا أن جاذبية أردوغان ظلت قوية.

وفي الوقت الذي بدأت فيه قبضة مرسي على السلطة بالترنح، وصلت طموحات أردوغان حول شراكة استراتيجية مع مصر، تكون فيها تركيا الشريك الأساسي، إلى الحضيض. فبعد وقت قصير من الخطاب الذي ألقاه أردوغان في جامعة القاهرة، أصدر مرسي "إعلاناً دستورياً" يضع سلطاته التنفيذية فوق المراجعة القضائية ومن ثم مارس الضغط لإقرار دستور جديد قامت الإخوان بصياغته إلى حد كبير. وأصبحت الاحتجاجات المناهضة لمرسي و جماعته في القاهرة عنيفة على نحو متزايد، وانهارت محاولات مختلفة للحوار بين مرسي والأحزاب السياسية المختلفة. وبحلول ربيع عام 2013، بدأت حركة "تمرد" المناهضة لمرسي بتنظيم احتجاجات حاشدة وقررت إجراءها في 30 يونيو، في الذكرى السنوية الأولى لوصول مرسي إلى السلطة. ومع انتشار تقارير مفادها بأن مرسي حاول عزل السيسي عن منصبه كوزير للدفاع، أصدرت القيادة العسكرية المصرية تحذيرات بأن الجيش قد يضطر إلى التدخل "لمنع مصر من الدخول في نفق مظلم".

ومع اقتراب موعد احتجاجات 30 يونيو أرسل أردوغان رئيس جهاز المخابرات الوطنية التركي هاكان فيدان، لزيارة مرسي. وفي هذا الإطار، أشارت تقارير لاحقة في وسائل الإعلام المصرية والتركية إلى أن مهمة فيدان كانت تقوم على تحذير مرسي من حدوث انقلاب وشيك، وربما حتى مناقشة كيفية منع ذلك الانقلاب أو الثورة.

في 3 يوليو 2013، أعلن السيسي أن الجيش قد أطاح بالرئيس السابق مرسي من السلطة من أجل "إنقاذ" مصر من شبح الحرب الأهلية. وبذلك انتهت علاقة تركيا - التي أنشأت بعناية - مع القيادة المصرية. فقد اعتبر أردوغان أن السيسي "طاغية" واتهم الحكومة المصرية المؤقتة بممارسة "إرهاب الدولة". وفي الوقت نفسه، سمحت أنقرة بمؤيدين لـ "الإخوان" وبمحطات تلفزيونية مناهضة للسيسي بالعمل من تركيا فضلا عن دعمها لمجموعات على الأرض تخترق الحدود المصرية عبر الصحراء الغربية والحدود مع ليبيا.

وتزعمت تركيا حملة إرهابية ضد أجهزة الأمن المصرية في شبه جزيرة سيناء ، وتحول سفير تركيا القوي لدى مصر، حسين عوني بوطصالي، من سفير ترحب به مختلف أطياف السياسة المصرية إلى سفير يواجه مظاهرات مناهضة لتركيا على أبواب مقر إقامته. وبالتالي، ألغت تركيا ومصر خططاً كانت معدة لإجراء مناورات بحرية مشتركة في شرق البحر الأبيض المتوسط؛ وأخيراً، وفي نوفمبر 2013، طلبت وزارة الخارجية المصرية من بوطصالي مغادرة البلاد.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت السياسة الإقليمية أكثر عنفاً بكثير. ففي صيف عام 2014، اندلعت الحرب في غزة. ومع مسارعة وزير الخارجية الأمريكية جون كيري إلى العمل للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، وعرضت مصر خطة للسلام، بيد أن تركيا من ناحية أخرى وعن طريق الإخوان وحماس تبنت موقفا مناهضا لمصر ومعهم قطر الحليف الآخر لتركيا وللإخوان وقد شكا المسؤولون المصريون إلى نظرائهم الأمريكيين من أن تركيا وقطر تسعيان عمداً إلى استخدام غزة لتقويض المصالح المصرية.
وبعد ذلك في ليبيا، دعمت مصر والإمارات العربية المتحدة حملة قائد القوات الليبية خليفة حفتر ضد الميليشيات الإرهابية التي قيل إنها مدعومة من تركيا. حتى إن السيسي استعمل نوفمبر 2014 ورقة قبرص، وعقد قمة ثلاثية مع الرئيسين القبرصي واليوناني للترويج لصفقة توريد الغاز الطبيعي من الحقول الواقعة تحت البحر قبالة سواحل قبرص إلى مصر. ومن شبه المؤكد أن السيسي كان يسعى إلى وضع تركيا فى مكانها الصحيح فى حوض المتوسط .


الخلاصة


كل ما تقوم به مصر فى مواجهة تركيا يتمثل فى أدوات تستهدف دعم الاستقرار الإقليمي وتوطيد العلاقات مع العديد من القوى الدولية المناوئة لسياسات دعم الإرهاب التي تتبناها تركيا، فإن الأخيرة تعمد إلى توظيف علاقاتها المتشابكة مع الجماعات الإرهابية لتأجيج التوتر في ساحة مصر الداخلية، وفي محيطها الإقليمي، وعلى وجه الخصوص عبر الحدود الليبية، فيما يطلق عليه استراتيجية "شد الأطراف"، والتي تستهدف اشغال مصر عن الاضطلاع بأدوار بارزة في مواجهة سياسات تركيا الإقليمية.


وقد أشارت إلى ذلك الكثير من التقارير الإعلامية، والتقديرات الأمنية، وكذلك العديد من المسئوليين الغربين، بشأن نمط العلاقة بين سياسات تركيا وتحركات الجماعات الإرهابية. وتحدث في هذا الشأن ايضا صراحة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، خلال قمة الرياض، حينما أشار إلى أن مواجهة الجماعات الإرهابية، إنما يتأسس على المواجهة الشاملة للإرهاب، فيما يتصل بالتمويل والتسليح والدعم السياسي والأيديولوجي، مشيرا إلى أن الإرهابي ليس فقط من يحمل السلاح، وإنما أيضا من يدربه ويموله ويسلحه، ويرفر له الغطاء السياسي والأيديولوجي، وذلك في إشارة واضحة وصريحة لدولة تركيا.
وهذا هو الفارق بين دور حضاريا يبنى الدول والحضارات وبين موقف معتدى يبتغى الهدم والاستيلاء إنه الفرق ما بين مصر الحضارة وبين تركيا المعتدية.