رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
قضايا
الخميس 08/مارس/2018 - 03:55 م

خطاب التأويل والعنف.. «التمكين» بين الشرع وتحريف الجماعات المتطرفة (2)

خطاب التأويل والعنف..
محمد يسري
aman-dostor.org/8484

آفة الجماعات الإسلامية المنحرفة في كل العصور، هي تزوير النصوص الشرعية لخدمة أهدافها السياسية، ودعوة الناس للدخول تحت لوائها، ومعاداة من ينكر عليها هذه الانحرافات، وتكفيره ونعته بأبشع الصفات.

ومن التفسير السياسي للدين تقليص دلالة الألفاظ العامة، ونقل المفاهيم الكلية من سعة العموم إلى ضيق التأويل، وحصرها في نطاق مخصوص بحالة معينة، يتسلق أصحاب هذا الاتجاه من الأبواب الخلفية للصعود على النص الشرعي في محاول لسرقة ما يمكن سرقته لتأييد جرائمهم، أو لشرعنتها بما يتيح لهم من خلال ذلك اجتذاب الأتباع وتكثير الأعداد، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بعد ذلك إعادة المخدوعين بهم إلى الطريق السليم، وهو بالفعل المعضلة الأساسية في علاج للتطرف والإرهاب.

ومن المصطلحات التي حرفتها الجماعات المتطرفة عن مراد الشرع، مفهوم "التمكين"، الذي تحول من مدلوله العام الذي جاءت به نصوص القرآن والسنة، وتخصيصه ليشمل الجانب السياسي فقط، وليت التخصيص كان تفسيرا دقيقا أمينا لنصوص الشرع، التي تناولت الجانب السياسي من التمكين، لكن تم تأويلها لتعبر فقط عن زاوية معينة من مفهوم ضيق للغاية، وحصرها في وصول مجموعة من المسلمين للسلطة فقط.

وقديما قال أحد السلف: "ما ابتدع قوم بدعة إلا في القرآن ما يردها، ولكن لا يعلمون"، وهو المنطلق الذي يمكن من خلاله تقويض ذلك البناء المتهاوي الذي وضعته الجماعات المتطرفة، فالردود على منهجهم موجودة في الكتاب والسنة، اللذين زعمت تلك الجماعات أن لديها توكيلا حصريا لتفسير نصوصهما، وهو ما يناقض الواقع.

التمكين نوعان

ومفهوم "التمكين" في الكتاب والسنة، مفهوم شامل، يسير على وجهين، هما التمكين الكوني، والتمكين الشرعي، أما التمكين الكوني، فهو أمر لا علاقة لبشر به، يعز الله به من يشاء من عباده، ويذل من يشاء، فهو ابتلاء واختبار للعباد الممكنين، وهو يشمل المسلمين وغيرهم، الأفراد والدول على حد سواء، فقد يمكن الله للكافرين في أرضه ابتلاء للمؤمنين وتمحيصا لمن يثبت منهم على صراطه المستقيم، ممن يهوى في مزالق الفتن، كما هو الحاصل اليوم في الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين العربية الإسلامية، وكذلك العلو الأمريكي في أرض الله، وقد يمكن الله لشخص لا يعترف بوجوده، ويجعله قائدا وسيدا ومسيطرا على مجموعة من المؤمنين، وكل هذا من الأمور التي لا دخل للبشر بها.

كما يتجلى التمكين الكوني في تمكين الله لجميع البشر من السيطرة على الأرض التي سخر لهم كل ما فيها والسموات، قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الجاثية: 13].

وكما أن هناك تمكينا عاما للبشر من السيطرة على الأرض، هناك أنوع أخرى من التمكين الكوني فمنها ما يشمل أمة من الأمم كتمكين الله لقوم عاد في قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً) [الأحقاف:26].

ويشمل أيضا التمكين لفرد من آحاد الناس، كقوله تعالى عن ذي القرنين، (إنا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض واتيناه مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً )[الكهف: 82]، والآيات الدالة على هذا النوع في القرآن الكريم والسنة النبوية أكثر من أن تحصى.

التمكين الشرعي

أما التمكين الشرعي فهو الأوامر والتكليفات الشرعية التي وضعها الله لعباده والتي بها تتحقق إقامة الدين، وهذا ليس مقصورا على فرد دون فرد، أو فئة دون فئة، أو أمة دون أمة، قال تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحج:41].

يقول الطبري في تفسيره عن هذه الآية: "عن أبي العالية، قال : كان أمرهم بالمعروف أنهم دعوا إلى الإخلاص لله وحده لا شريك له، ونهيهم عن المنكر أنهم نهوا عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان . قال: فمن دعا إلى الله من الناس كلهم فقد أمر بالمعروف، ومن نهى عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان فقد نهى عن المنكر".
(انظر: تفسير الطبري، سورة الحج، جزء 18، ص 653)

وقال ابن كثير: أن عمر بن عبد العزيز خطب وهو يقول : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ) الآية، ثم قال : إلا أنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه".
(انظر: تفسير ابن كثير، سورة الحج، جزء2، ص113)

وعلى ذلك فإن المفسرين لم يخصصوا آية التمكين، بوصول مجموعة من المسلمين للحكم، أو أنها خاصة بإقامة الدولة ولكنها عامة للناس كافة، وهي تعني إقامة دين الله تعالى، وليس إقامة دولة يحكمها مجموعة من المسلمين، كما تزعم الجماعات الإسلامية، خاصة الجهادية والحركية منها، فالآية خاصة بالحاكم والمحكوم على السواء، لكن يد العابثين حولتها من العموم إلى التخصيص في تأويل باطل لكتاب الله، وليتهم سكتوا على ذلك بل أنكروا على من قال بالتفسير الصحيح.

تحريف التمكين

ومن نماذج تأويل مفهوم التمكين وتحريفه لدى الجماعات الإسلامية، ما ذكره حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان وهو يعد نموذجا واحدا فقط من هذا النوع لدى كل الجماعات المتطرفة والأمثلة عديدة ومتكررة، يقول البنا عن الصحابة والتمكين والجماعة:

" فهم الجماعة التي وقع عليها اختيار القدر لإنقاذ العالمين، وكتب لهم الفضل بذلك، فكانوا خير أمة أخرجت للناس. لقد سمعوا المنادي ينادي للإيمان فآمنوا، ونحن نرجو أن يحبب الله إلينا هذا الإيمان، ويزينه في قلوبنا كما حببه إليهم وزينه من قبل في قلوبهم، فالإيمان أول عدتنا. ولقد علموا أصدق العلم وأوثقه أن دعوتهم هذه لا تنتصر إلا بالجهاد والتضحية والبذل وتقديم النفس والمال، فقدموا النفوس وبذلوا الأرواح ، وجاهدوا في الله حق جهاده..... فالجهاد من عدتنا كذلك، ونحن بعد هذا كله واثقون بنصر الله، مطمئنون إليه: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج:40-41)".
(انظر: مجموعة رسائل حسن البنا، الإخوان تحت راية القرآن)

يشبه البنا جماعته بأنهم يسيرون على نهج الصحابة الذين عملوا بهذه الآية وأن وعد الله لهم بالتمكين في الأرض وإقامة دولتهم، أو خلافتهم المزعومة، ويوهم أتباع الجماعة بأن هذه الحقيقة واقعة لا محالة حتى وإن تعرضت للنقد.

ويضيف: "سيقول الذين يسمعون هذا إنه الخيال بعينه وإنه الوهم، وإنه الغرور. وأنّى لهؤلاء الذين لا يملكون إلا الإيمان والجهاد أن يقاوموا هذه القوى المتآلبة المجتمعة، والأسلحة المتنوعة المختلفة، وأن يصلوا إلى حقهم، وهم بين ذراعي وجبهة الأسد ؟
سيقول كثيرون هذا، ولعل لهم بعض العذر، فهم قد يئسوا من أنفسهم، ويئسوا من صلتهم بالقوي القادر، أما نحن فنقول إنها الحقيقة التي نؤمن بها ونعمل لها، ونحن نقرأ قول الله تعالى : (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لا يَرْجُونَ) (النساء:104).
(انظر: مجموعة رسائل حسن البنا، الإخوان تحت راية القرآن )

التمكين السياسي في القرآن لمن؟

أما التمكين السياسي في القرآن فيختلف عن هذا المفهوم الذي تتحدث عنه الجماعات المتطرفة من حيث الآلية والأسباب والأهداف، فالجماعات كلها ترى أن التمكين السياسي عمل سابق على "تطبيق الشريعة" وأنه يجب أن تكون هناك عصبة مؤمنة- بحسب مقاييسهم- لتنفيذ هذه المهمة الشرعية من وجهة نظرهم، يتم من خلالها تحقيق عبادة الله في أرضه، لكن هذه النظرة يرد عليها القرآن الكريم، كما قال السلف: "ما ابتدع قوم بدعة إلا في القرآن ما يردها، ولكن لا يعلمون".

يقول تعالى: (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًٔا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ) [النور:55].

وهذا وعد مشروط من الله تعالى لعباده الصالحين الذين يحققون طاعته في الدنيا بأن يتلاقى تمكين الله الكوني لهم، والذي يأتي بمشيئة الله وحده، ولا مرد له، يعز من يشاء ويذل من يشاء، مع تمكينه الشرعي الذي يتطلب وجود الأسباب من العمل الصالح وصدق التوجه كي يكتب الأجر لفاعله.

يقول السعدي في تفسير الآية: " هذا من أوعاده الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة؛ لفضلها وشرفها ونعمته عليها، بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم".

فالتمكين في هذه الآية يأتي على شكل جائزة للمؤمنين، وليس كما يظن الجماعات المتطرفة التي تسعى للوصول أولا إلى الحكم أو "التمكين" وبعدها تبدأ العمل، وهو ما يناقض نصوص الشرع ويخالفه.