رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قاعدة بيانات
الثلاثاء 06/مارس/2018 - 06:37 م

الحشاشون والإخوان.. تشابه المنهج السري الباطني بين الطائفة والجماعة

الحشاشون والإخوان..
محمد يسري
aman-dostor.org/8424

البحث في تاريخ الحركات السرية الإسلامية، يكشف كيف يمكن لهذه الحركات اجتذاب الأتباع، ونشر أفكارها المتطرفة التي لا تستند إلا إلى الأباطيل والكذب والتلفيق، والشعارات الفارغة التي لا علاقة لها بالواقع، وكيف يمكن لهذه الحركات استغلال كل هذه الأدوات لتهييج الشعوب وتأليبها على بعضها البعض؛ لتكون وقودا لفتن عظيمة تراق من أجلها الدماء، وكيف تبني العقل المتطرف بناء على تأويلات مغلوطة لنصوص الشرع، مثل طائفة الحشاشين والقرامطة وغيرها.

وفي العصر الحديث، ظهرت جماعة الإخوان المسلمين، تحت شعار الدعوة لنشر دين الله ومحاربة الفساد، وكان هذان الشعاران المعلنان يخفيان خلفهما سيلا جارفا من الأعمال السرية الباطنية، التي تحمل الدمار للمسلمين باسم الإسلام، وقد اجتذب الشعاران الكثير من العامة والخاصة، من الذين انخدعوا بما يحملانه من مضامين لا تمت للواقع بصلة، فالجماعة لم تقم على منهج علمي تستطيع به تبليغ كلمة الله إلى خلقه، ولم تقم أيضا على منهج يستطيع تقييم الفاسد من المصلح، ولم تنفك الجماعة تجتذب الأتباع إلى أن ظهرت حقيقتها التي كانت تخفيها بانتهاج سياسة الاغتيالات السياسية، التي اختارت بعناية رموز الدولة ومن بينهم اغتيال أحمد ماهر باشا رئيس الوزراء، في 24 فبراير عام 1945، مثلما كان الحال من حركات سرية أخرى ظهرت في التاريخ الإسلامي من أبرزها طائفة الحشاشين.


الإخوان والحركات الإيرانية


لم تكن جماعة الإخوان هي التي ابتكرت العمل السري الباطني في الإسلام، ولكنها تسير على خطى أسلافها من الحركات الهدامة التي عرفها المسلمون، وكانت البداية من الناحية الشرقية حيث بلاد فارس التي احتضنت أعنف الحركات وأشدها خطرا منذ سقوط إيوان كسرى والرغبة الانتقامية من المسلمين.

نبدأ البحث في علاقة الإخوان بالحركات السرية الباطنية، من إيران، فحينما تجد الكثير من أصحاب هذا الاتجاه يترضون عن حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان، في الوقت الذي يسبون فيه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تتعجب من تلك العلاقات الخفية بين الطرفين التي تكشف الجذور المشتركة بينهما، ولا يمكن لأحد أن يغفل العلاقة المشبوهة بين حسن البنا والشيخ القمي التي يقول عنها الأكاديمي الإيراني محمد على أذرشب:

" وحين يتحدث الشيخ القمي عن ذكرياته مع جماعة التقريب يقف طويلا عند الشيخ حسن البنا، حين يذكره يسرى إلى جسده نوع من النشاط والحيوية فى الكلام كأن نشاط الشيخ البنا يسري إلى جسده، لم يكن حسن البنا عالما أزهريا، ولم تكن له علاقات مع شيوخ الأزهر، لكنه كان جبلا شامخا فى همومه وتحركه ونشاطه وتخطيطه وإخلاصه، بهذه الصفات الكبيرة اخترق أوساط الشباب الجامعى وربّى جيلا تقيا ورعا مجاهدا مثقفا ثقافة إسلامية واعية صحيحة..".

ثم يعترف القمي باستخدام حسن البنا في نشر أفكاره بين الحجاج فيقول:

" ولا بأس أن نذكر أن الشيخ كان مهتما أن ينشر في صحيفته ما يقرب بين أهل السنّة والشيعة، وكان يتعاون مع دار التقريب في إيصال صوتها إلى السعودية التي حظرت هذا الصوت آنذاك، ولا بأس أن أذكر إحدى ذكريات الشيخ القمي في هذا المجال، بعد حادثة إعدام السيد أبو طالب اليزدي في الحجاز انقطع سفر الإيرانيين إلى الحج لسنوات، ثم عاد حج الإيرانيين، وعمدت دار التقريب إلى نشر مناسك الحج على المذاهب الخمسة أي مذاهب أهل السنة الأربعة ومذهب الشيعة الإمامية، من أجل إزالة ما علق في الأذهان تجاه الشيعة إثر التشويش الذي حدث بعد إعدام السيد الإيراني، وخلال سنوات انقطاع الإيرانيين عن الحج، هذه المناسك توضح بما لا يقبل الشك أن السنة والشيعة متفقان في معظم مناسك الحج إن لم يكن كلها، وما كان بالإمكان إدخال هذه المناسك إلى السعودية لتوزيعها في موسم الحج، لأن التعليمات هناك لم تسمح بذلك آنئذ، ولكن الشيخ حسن البنا وجد الطريق إلى ذلك، فطبع كل هذه المناسك في صحيفته، وأدخلها في موسم الحج إلى السعودية، وتوزعت بين الحجاج وكان لها أبلغ الأثر بين المسلمين".

وفي الفقرة الأخيرة من هذا الاعتراف المهم يتبين كيف أن الخداع، والخيانة، كانتا طبعين أصيلين في فكر الجماعة، منذ تأسيسها على يد حسن البنا الذي استغل وجوده في المملكة السعودية وعمل في الخفاء على نشر ما لم يكن يمكن نشره في العلن، من فكر طوائف الشيعة الباطنية بين حجاج بيت الله.

واستمرت هذه العلاقات الخفية بين الجماعة ورموز الشيعة الباطنية إلى اليوم في شكل تبادل الزيارات والأفكار، وقد أراد نواب صفوي- المعروف بفكره الدموي- أن يحتفي بجماعة الإخوان المسلمين عام 1954 في إحدى الفعاليات بحضور مصطفى السباعي المراقب العام للجماعة في سوريا، فقال: " من أراد أن يكون جعفريا حقيقيا، فلينضم إلى صفوف الإخوان المسلمين"، وقد اختار المذهب الجعفري تحديدا باعتبار أنه أحد المذاهب المعترف بها والذي أعده الكثيرون مذهبا خامسا من مذاهب السنة، ليخدع به المتعاطفين مع الجماعة، وحتى لا تظهر العلاقة الخفية بينهما.

ونواب صفوي هو مؤسس حركة "فدائيان إسلام" عام 1945 المناوئة لحكم الشاه، والتي اشتهرت بتنفيذ الكثير من الاغتيالات السياسية في إيران، فقد تورطت الحركة في اغتيال وزير البلاط عبد الحسين حازر في عام 1949، ثم اغتالت رئيس الوزراء حاجي علي رزم آرا في عام 1951.

وبعد اغتيال رئيس الوزراء الإيراني أرسل حسن الهضيبي رسالة إلى نواب صفوي هنأه فيها على نجاح العملية ونُشرت التهنئة في صحيفة "شعار الإسلام" قال فيها أهنئ الإخوة الإيرانيين بمناسبة "القضاء على عميل الكفر".

وقد زار صفوي مقر الإخوان المسلمين في القاهرة في يناير عام 1954 والتقى سيد قطب، ورافقه قيادات الجماعة وقتها لزيارة مراقد أهل البيت في مصر.

يقول الباحث السوداني الدكتور حسن مكي في كتابه "حركة البعث الإسلامي في إيران": "في 10 يناير 1954 وصل نواب صفوي رئيس المنظمة (فدائيان إسلام) إلى القاهرة للتنسيق مع الإخوان المسلمين والاستفادة من القاهرة وإمكانيات الإخوان في حركة مضادة للشاه، ولكن يوم وصوله القاهرة تم حل جمعية الإخوان المسلمين من قبل مجلس الثورة، وفي مساء ذات اليوم كان صفوي المتحدث الرئيسي في لقاء جماهيري في جامعة القاهرة، حيث أعلن مسئوليته عن اغتيال رئيس الوزراء الإيراني السابق علي رزم آرا”.

إذن فالقاعدة المشتركة بين "فدائيان إسلام" هو اعتماد الفصيلين على الخداع والمرواغة والعمل الباطني السري، إضافة إلى الاغتيالات، ولم يكن ذلك من ابتداع الطرفين، فالبحث التاريخي يكشف منابعها الأولى.

الحشاشون والإخوان

لم يكن التشابه بين جماعة الإخوان والحركات السرية الإيرانية فقط في العصر الحديث، ولكنه يمتد ليصل إلى أول حركة سرية باطنية تعد الأخطر في تاريخ المسلمين وهي طائفة "الحشاشين"، التي أسسها الحسن ابن الصباح في القرن الخامس الهجري، واتخذ من "قلعة الموت" بإقليم الديلم في "أصفهان" مقرا له من أجل نشر المذهب الإسماعيلي النزاري بعد انفصاله عن الدولة الفاطمية في مصر، لتدعو إلى إمامة "نزار المصطفى لدين الله" ومن جاء مِن نسله، بعد انقلابه على أخيه الخليفة الفاطمي الإمام المستعلي في مصر.

تميزت الطائفة باحتراف القتل والاغتيال لأهداف سياسية والتعصب الديني، والعمليات الانتحارية، تحت زعم الاستشهاد، بهدف الوصول إلى الجنة، ومن أبرز الذين اغتالهم الحشاشون، الوزير السلجوقي نظام الملك الذي قتله أحد عناصر الطائفة بينما كان محمولا على هودج وقال الحشاش الذى قتله: " إن قتل هذا الشيطان هو أول البركة ".

وبعيدا عن عقيدة الطائفة فإن تأثر الإخوان بالطائفة يتركز على الجانب الحركي، الذي وسع من رقعة الأرضية المشتركة بينهما.

ويلخص "برنارد لويس" فكر الحشاشين والروابط التي تجمع بين أعضائها، فيقول:
" كانت معظم هذه الروابط تقوم على الأخوة الدينية فتضم أتباعا لرجال مقدسين وعبادات يصنعون أصولها بانفسهم، إنها تتبنى عقائد وممارسات تنتمي إلى الديانة الشعبية، وهي موضع استنكار من رجال الدين المحافظين، وتتميز أيضا بوجود رابطة قوية من الولاء بين الرفاق والتفاني في طاعة الزعماء، ونظام الطقوس وتدرج المراتب، يرافقها مراسم احتفالية ورموز معقدة، وقد تخلصوا تدريجيا من النقاء الفلسفي لنظرياتهم الأولى، واتبعوا شكلا من الديانة وثيق الصلة بالمعتقدات السائدة بين أعضاء الجماعة، فمن ناحية نجد الإسماعيليين مثلا طبقا لما يذكره المؤرخون الفرس، يتبعون نظم الأديرة تقريبا، فقد حظر على قادة القلاع الاحتفاظ بالنساء طالما هم في مناصبهم، ولم يشهد التاريخ مثيلا للحشاشين في استخدامهم المنظم وطويل الأمد للرعب كسلاح سياسي، يقول شاعر إسماعيلي: (أيها الأخوة عندما يحين وقت النصر ويحالفنا الحظ في الدنيا والآخرة، يستطيع مقاتل واحد وهو يمشي على قدميه أن ينشر الرعب في قلب ملك لديه مائة الف فارس)".

وتكشف الفقرة السابقة مدى التقارب بين جماعة الإخوان وفرقة الحشاشين من عدة محاور:

أولا: توظيف الدين لخدمة السياسة

انطلقت فرقة "الحشاشين" الباطنية من منظور ديني، لخدمة هدفها الرئيس، وهو تحقيق أستاذية العالم، والهيمنة التدريجية على العالم، ومن أجل ذلك أسست لنفسها أيديولويجيا خاصة بها، وأساليب ملتوية لنشر دعوتها واجتذاب الأتباع، لتحقيق ما يمكن أن يكون رابطة مقدسة بينهم كأخوة في الدين والولاء أولا، وبالتالي تصبح الفرقة السرية دولة خفية، الطاعة فيها للإمام.
وهو الأمر الذي انطلقت منه أيضا جماعة الإخوان المسلمين، والتي أسسها حسن البنا في مصر تحت ستار ديني بزعم إعادة نشر الإسلام من جديد، وهو الهدف المعلن الذي استطاع به البنا اختراق المجتمعات المسلمة تحت شعارات الدعوة إلى الإسلام، وكانت هذه الشعارات غطاء لإقامة دولة سرية باطنية بزعامته، والتخلص من الدولة الحقيقية القائمة بالفعل.

ثانيا: الطاعة العمياء

قامت فرقة الحشاشين على التنظيم الحركي، الذي يتطلب الطاعة العمياء للإمام والعلاقات البينية والرأسية بين كوادرهم، فقد اشتهرت بأنها تُربي عناصرها من الصغر على الطاعة العمياء للمعلم، وتنفيذ أوامره دون تفكير، فينشأ أتباعها على أن الحقيقة المطلقة لا يمكن أن تكون خارج هذا البناء السري.

قال ابن الجوزي في (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) إن ملك شاه السلجوقي أرسل إلى أميرهم رسولًا، وبينما كان الرسول عنده التفت إلى هؤلاء الشباب، وقال لهم أمام الرسول: "أريد أن أنفذكم إلى مولاكم في قضاء حاجة فمن ينهض لها؟.

فاشرأبّ كل واحد منهم لذلك، وظن رسول السلطان أنها رسالة يحملها إياهم، فأومأ إلى شاب منهم، فقال له: اقتل نفسك، فجذب سكينة وضرب بها غَلصَمَتَه (الموضع الناتئ في الحلق) فخرَّ ميتًا،وقال للآخر: ارم نفسك من القلعة، فألقى نفسه فتمزق؛ ثم التفت إلى رسول السلطان فقال: أخبره أن عندي من هؤلاء عشرين ألفًا هذا حد طاعتهم لي، وهذا هو الجواب".

وهو الأمر نفسه الذي يمكن أن تراه داخل جماعة الإخوان، التي تتبع أساليب التربية الحركية فيما يطلقون عليه "الدعوة الفردية" التي يتعرض فيها عضو الجماعة لبرنامج سري، يجعله أمام المسئول عنه كالميت بين يدي المغسل في طاعة عمياء لكل أوامره وتكليفاته التي يعتبرها مقدسة وأن مخالفتها تعد مخالفة دينية ترتقي لمرتبة الكبائر، باعتبار أن الحقيقة المطلقة للدين لا يمكن أن تكون خارج الجماعة.

ثالثا: التنظيم

تقوم فرقة الحشاشين على التدرج الوظيفي الهرمي، ويقوم على رأس الفرقة الإمام، ثم تتدرج المهام والوظائف داخل الفرقة، إلى تصل إلى مرتبة الفدائيين الذي ينفذون عمليات الاغتيالات والعمليات الانتحارية، فيما يشبه التنظيم الخاص والمليشيات المسلحة لدى جماعة الإخوان.

ويختلف لقب الزعيم الذي له الطاعة العمياء بين الفرقة والجماعة، فلقب زعيم الحشاشين هو الإمام، ولقب زعيم الإخوان، هو المرشد.

رابعا: الجهاد

رفعت فرقة الحشاشين شعار الجهاد المقدس منذ بداية تأسيسها، وبالتالي فإن أي عملية تنفذها ضد خصومها السياسيين، تنطلق من قاعدة الجهاد، باعتبارها أوامر مقدسة تصل بأتباعها إلى الجنة التي روى الكثير من المؤرخين أن الحسن الصباح قد أنشأ لأتباعه جنة في الدنيا، في قلعة الموت وضم إليها الكثير من مباهج الحياة وملذاتها من الثمار والحدائق والنساء والغلمان، وفي سبيل ذلك كان يخضع أتباعه خاصة الفدائيين منهم لنوع من المخدرات حتى يغيبوا عن الوعي فيفيقوا ليجدوا أنفسهم في هذه الجنة الأرضية، ومن ثم يكونون مستعدين للتضحية من أجل بأرواحهم في سبيل التمتع بالجنة العلوية.


ويرفع الإخوان شعار الجهاد ويوهمون أتباعهم أن أي عمل يكلف به العضو مهما كان صغيرا، هو من قبيل الجهاد الذي لا يمكن مخالفته، حتى لو كان تكليفا بزيارة أحد أعضاء الجماعة في محافظة أخرى، كما يتم تجهيز أعضاء الجماعة لتقبل فكرة التضحية بالنفس في سبيل تحقيق فريضة الجهاد الذي يعد أحد الأركان الخمسة لإخوان والتي تتمثل في "الله غايتنا، الرسول زعيمنا، الجهاد سبيلنا، الموت في سبيل الله أسمى أمانينا" فقد صار الموت في سبيل الجماعة أسمى أماني أتباعها، وهو ما ينقلنا بسهولة إلى الوجه التالي من أوجه التشابه بين الحشاشين والإخوان.

خامسا: اختراق المؤسسات

ينقل برنارد لويس قصة مثيرة عن زعم الحشاشين بسوريا سنان بن سلمان بن محمد المعروف برشيد الدين أنه أرسل مبعوثا إلى صلاح الدين الأيوبي وأمره أن يسلم رسالته إليه دون حضور أحد فأمر صلاح الدين بتفتيشه وعندما لم يجدوا معه شيئا خطيرا أمر صلاح الدين بالمجلس فانفض ولم يعد ثمة سوى عدد قليل من الناس، وأمر المبعوث أن يأتي برسالته، ولكن المبعوث قال: "أمرني سيدي ألا أقدم الرسالة إلا في عدم حضور أحد" فأمر صلاح الدين بإخلاء القاعة تماما إلا من اثنين من المماليك يقفان عند رأسه وقال: "ائت برسالتك"، ولكن المبعوث أجاب: "لقد أمرت بألا أقدم الرسالة في حضور أحد على الإطلاق" فقال صلاح الدين:"هذان المملوكان لا يفترقان عني، فإذا أردت فقدم رسالتك وإلا فارحل" فقال المبعوث: "لماذا لاتصرف هذين الاثنين كما صرفت الآخرين؟" فأجاب صلاح الدين:" إنني اعتبرهما في منزلة أبنائي وهما وأنا واحد" عندئذ التفت المبعوث إلى المملوكين وسألهما:" إذا أمرتكما باسم سيدي أن تقتلا هذا السلطان فهل تفعلان؟" فردا قائلين 'نعم'، وجردا سيفيهما وقالا:"أمرنا بما شئت" فدهش السلطان صلاح الدين وغادر المبعوث المكان وأخذ معه المملوكين".

ورغم ما الطعون التي تعرضت لها تلك الرواية، إلا أنها تكشف مدى قدرة فرقة الحشاشين على اختراق الدولة، وهو ما يمكن أن يتشابه كثيرا مع اختراق جماعة الإخوان لمؤسسات الدولة، والتي ظهرت بوضوح خلال سيطرتها على الكثير من النقابات والاتحادات الطلابية، وزرع أتباعها في كل الوظائف العامة حتى إذا سقطت كان خلعها بالكلية أمرا عسيرا مثلما يحدث الآن.

رابعا: الاغتيالات

نفذت فرقة "الحشاشين" الكثير من العمليات الاغتيالية، التي استهدفت رجال الدين والسياسية ويذكر المؤرخون أن عدد هذه العمليات وصل إلى أكثر من ثمانين عملية لشخصيات إسلامية وقيادات سُنِّيَّة ما بين عالم وقائد عسكري، منهم على سبيل المثال اغتيال الوزير السلجوقي "نظام الملك" قوام الدين أبو علي الحسين بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي.

ونجحت مؤامرتهم في العاشر من رمضان سنة 485هـ (1092م)، حيث كان نظام الملك في أصبهان، وبينما هو في ركب السلطان، تقدم إليه غلام من الحشاشين في صورة سائل أو مستعطٍ، فلما اقترب هذا الغلام من الوزير أخرج سكينًا كان يخفيها، وطعنه طعنات قاتلة، فقتل رحمه الله على الفور، وكان حينها في السابعة والسبعين من عمره. وأدرك أصحاب نظام الملك ذلك الصبي فقتلوه، وقال الحشاش الذى قتله بعد القبض عليه: " إن قتل هذا الشيطان هو أول البركة.

وتتشابه هذه الواقعة مع وقائع الاغتيالات السياسية التي تبنتها جماعة الإخوان خاصة في فترة الأربعينيات، ومنها مقتل رئيس الوزراء أحمد ماهر باشا أثناء توجهه لإلقاء بيان بمجلس النواب في في 24 فبراير 1945م، وأثناء مروره بالبهو الفرعوني أطلق عليه الإخواني "محمود العيسوي" الرصاص عليه وقتله في الحال، وكذلك واقعة اغتيال المستشار والقاضي أحمد الخازندار 1948، وبعده بشهور اغتيال رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النُّقراشي، عند ديوان وزارة الدَّاخلية.

خامسا: العمليات الانتحارية

يتوهم أتباع فرقة الحشاشين أن العمليات الانتحارية التي ينفذونها ضد الخصوم تقربهم إلى الجنة العلوية التي ذاق حلاوتها الأرضية "الفدائيون" الذين ينتمون للفرقة في جنة قلعة الموت، وهو المفهوم نفسه الذي يطلقه أتباع جماعة الإخوان على هذه العمليات ويعتبرونها عمليات استشهادية، وهو ما أشار إليه منظر الجماعة الهارب يوسف القرضاوي في أحد لقاءته المسجلة على قناة الجزيرة قال: "ﺇﻥ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺎﺕ ﺍا‌ﺳﺘﺸﻬﺎﺩﻳﺔ ﺗُﻌﺪُّ ﻣﻦ ﺃﻋﻈﻢ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻟﺠﻬﺎﺩ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻠّٰﻪ".

وتعتبر جماعة الإخوان أولى الجماعات الإسلامية التي استخدمت الحزام الناسف، قال علي ﻋﺸﻤﺎﻭﻱ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ:" ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺴﺮﻱ ﻟﻼ‌ﺧﻮﺍﻥ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ "(ﺹ٤٦): "ﺍﻟﺤﺰﺍﻡ ﺍﻟﻨﺎﺳﻒ ﺃﻭﻝ ﻣﻦ ﺍﺑﺘﻜﺮﻩ ﺍﻹ‌ﺧﻮﺍﻥ ﻋﺎﻡ ١٩٥٤ ﻡ ﻟﻘﺘﻞ ﻋﺒﺪﺍﻟﻨﺎﺻﺮ، ﻭﺃﻭﻝ ﻣﻦ ﺗﻄﻮﻉ ﻻ‌ﺳﺘﻌﻤﺎﻟﻪ ﻫﻮ ﻧﺼﻴﺮ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻄﻮﺭ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﻟﻴﺼﺒﺢ ﺍﻟﻘﻨﺎﺑﻞ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﻤﻨﺘﺤﺮﻳﻦ ﻭﺍﻷ‌ﺟﺴﺎﻡ ﺍﻟﻤﻔﺨﺨﺔ".