رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الثلاثاء 06/مارس/2018 - 11:43 ص

ماهر فرغلي يكتب: المدرسة الوادعية بالتيار السلفي وأثرها في انتشار التكفير

ماهر فرغلي يكتب:
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/8400

المدرسة الوادعية داخل التيار السلفي هي تيار عريض جداً، له تلامذة في كل مكان، تعتبر المدخلية هي امتداد طبيعي له، وهى السلفية التى نشأت عقب احتلال العراق للكويت، في مواجهة فتاوى سفر الحوالى وسلمان العودة وعائض القرني، التي حرمت دخول القوات الأمريكية لجزيرة العرب، وهي سلفية يسمونها سلفية السلطان، لأنها لا تؤمن بالخروج على الحكام، وتعتقد أن العمل الجماعي دون إذن من الحاكم هو فسق مبين، وأن كل الجماعات الإسلامية العاملة في الساحة مبتدعة، وتطورت درامتيكياً فخرجت منها السلفية الجامية، التي تشددت في مواجهة الذين أفتوا بحرمة دخول القوات الأمريكية للسعودية، إلا أنها في ذات الوقت تتشارك مع الجماعات الأخرى، خاصة السلفية الجهادية، في جملة من القواعد، أهمها: الإيمان بعدم تطبيق الشريعة، ووجوب إقامة الخلافة، وتكفير المخالفين، مثل الطرق الصوفية.. ألخ ألخ

تنسب المدرسة الوادعية إلى مقبل بن هادى الوادعى، الذي كان تلميذاً نجيباً لابن باز، لكنه تورط فى أحداث اقتحام الحرم المكى، وبعد أن أفرجت عنه السلطات السعودية بعد 3 أشهر من السجن بهذه التهمة، درس بأحد المعاهد الدينية، وأتم دراسته الثانوية، وبعدها التحق بجامعة محمد بن سعود، ثم درس في كلية الدعوة، وواصل دراسته العليا فى الماجستير، رغم أنه كان يدعو أتباعه فيما بعد بعدم الاهتمام بالتعليم الحديث.

عاد الوادعي، وبنى مسجداً صغيراً في دماج، في قلب المناطق الزيدية، وتعرض لسيل من المشكلات، إلا أنه مع مرور الأيام توافد إليه كثير من التلاميذ والطلاب، ومنهم مصريون كثر، على سبيل المثال أسامة القوصي، الذي يؤكد دائماً أن الوادعي هو أستاذه، وقد كلفه فيما بعد أن يكون إماماً لأحد مساجد اليمن، التي بدأ يسيطر عليها السلفيون، حتى عاد إلى مصر.

تحول مسجد الوادعي في دماج إلى معهد كبير، في وقت انتشرت المعاهد الدينية السلفية والإخوانية في دولة اليمن الفقيرة، واستقدم المدرسون إليها من مصر، فكانوا يعودون منها إما سلفيون أو إخوان، وتوافد المئات من الشباب من أنحاء اليمن والعالم الإسلامى كمصر والكويت والجزائر وأوروبا لتلقى علوم الحديث على يده لأنهم يعتبرونه (أي السلفيون) محدث العصر بعد الألبانى!!.

غدت دار فى دماج باليمن بمثابة النواة التى بدأ منها التيار السلفى يمتد إلى معظم أرجاء العالم العربى وبالأخص مصر فى الوقت الذى كان بن باز والألبانى يخرجون عدداً من التلاميذ الذين أصبحوا مشايخ السلفية كى يديروا العديد من المعاهد والجمعيات والمراكز السلفية فى أماكن أخرى.

أصبحت هناك عدة مدارس سلفية أهمها مدرسة بن باز التي تتميز بأنها تهتم بالأمور العقائدية، المتمثلة فى تنقية العقيدة ودراسة تعاليم محمد بن عبد الوهاب كالأسماء والصفات، والاهتمام بدراسة العلم الشرعى عن طريق كتب التراث والعقيدة، وأما الألبانى فكانت تهتم بدراسة الحديث على اعتبار قوله إن الحديث هو مذهبى، ولكلا المدرستين تأثير كبير على دار الحديث فى دماج، وقطاعات متعددة فى اليمن الذى أصبح هو القبلة السلفية التى يذهب إليها الشباب الجدد القادمون إلى السلفية.

مقبل بن هادي الوادى له ذهنية تحريمية متشددة، فقد كان يفتى بحرمة لبس الكرافتة، واستخدام الملاعق، وله كتاب مشهور هو (الصواعق في تحريم الملاعق)، كما أفتى بكفر من يقيم حزباً سياسياً، وحرمة إقامة الجماعات والجمعيات الخيرية، ولا زالت كتبه وفيديوهاته تملأ سماء الإنترنت، وفتواه المعروفة بوجوب أن تخرج المرأة منتقبة بعين واحدة، (الشيخ السلفي المصري عبدالله بن عمر الذي مات في أحداث جهيمان والحرم، كان يفتي بنفس الفتوى، ولا زال أبو ذر القلموني الذي يؤم أحد مساجد القاهرة يفتى نفس الفتاوى).

ترى سلفية الوادعي أنهم الفرقة الناجية، دون غيرهم من الجماعات التى كان يراها فرقاً إسلامية ضالة، وتدعو إلى العزوف عن الحياة، والعيش وفق ظروف عصر صدر الإسلام لكى تطبق سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كما أراد، بحرفية هى أقرب إلى السطحية منها إلى الاقتداء به صلى الله عليه وسلم.

هذه الذهنية التحريمية والآراء المتشددة الصادرة عن مقبل بن هادى الوادعى، خاصة ما يتعلق بتحريم تشكيل الجمعيات الخيرية باعتبارها شكلاً من أشكال العمل الحزبى انتشرت لدى السلفيين التقليديين فى مصر، وكانت فى اليمن مبرراً وسببا رئيسياً للانقسام الكبير فى هذا الجماعة بداية تسعينات القرن الماضي، من خلال خروج مجموعة من كبار طلاب مقبل بن هادي الوادعي، وعلى رأسهم محمد بن موسى العامري، الذي أسس جمعية الحكمة، وهي السلفية الحركية المنظمة التي يقودها في مصر الآن الشيخ الهارب محمد عبد المقصود، ومن أساتذتها الشيخ نشأت أحمد، والشيخ فوزي الشريف.

توفي مقبل بن هادى الوادعي عام 2001، وخلفه الشيخ يحيى بن على الحجوري، والمصري أبو الحسن مصطفى إسماعيل، وانشقت جماعته بعد وفاته إلى جماعتين، وهي الجماعة السلفية الحركية، التى تمثلها اليوم جمعيتان خيريتان هما جمعية الحكمة اليمانية، وجمعية الإحسان الخيرية الأقرب إلى جماعة الإخوان.

رغم وفاة الوادعى إلا أن حضوره يتجاوز اليمن، في مدرسة سلفية لها مميزات وملامح أهمها:

-   تضخيم الاحتفال بالمندوبات، وتضاؤل الاهتمام بالوجبات وفرائض الوقت، ومن ثم حدث انقلاب مدوٍّ في فقه مراتب الأعمال، فقد انقلب سُلم الأولويات رأسا على عقب، ووقع تضخيم وتقزيم بغير حق، وانشغال بفتاوى مثل تحريم سماع الموسيقى.

-   حشو العقول بالمتون، وحفظ الشروح، واستيعاب الهوامش، والاستغراق في فقه الفروع، وهذا نتيجة طبيعية لانقلاب سُلم الأولويات، مع العلم أن هذا الاستغراق في الفروع لا يلبي حاجات الإسلام والمسلمين في العصر الحاضر.

-       تكفير الشيعة على العموم، وعدم جواز التعاون معهم، وهو نفس الفكر الذي تعتنقه داعش الآن في بلاد الشام.

تسبب وجود مدرسة مقبل بن هادي الوادعي، في وجود تيار متطرف في الزيديين، فخرج الحوثيون، الذين كانوا رد فعل طبيعي، لانتشار تلاميذ الوادعي، في دماج، وفي مناطق الزيديين، ما تسبب في مشكلة حقيقية لليمن، راح ضحيتها الآلاف حتى الآن.