رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
السبت 03/مارس/2018 - 03:20 م

للقصة بقية.. الجزيرة حين تدخل الحلبة بقفاز التطرف (1)

مبنى الجزيرة
مبنى الجزيرة
صلاح الدين حسن
aman-dostor.org/8306

تقف فيروز زياني، مذيعة الجزيرة أمام الكاميرا، بوجهها الجميل المتبرج. تتقدم بضع خطوات واثقة للأمام فتنغلق كاميرتها عليها. تبقى في مواجهة "الأوتوكيو"، لتقرأ نصًا كتب لها بعناية، يحركه المعدون في غرفة التحكم، كلما أوشكت الصفحة على الانتهاء.

مذيعة متمرسة ذات لياقة في حديثها وتتمتع بأداء حركي جيد، يظهر بجانبها "هشتاغ" بعنوان الحلقة (للقصة بقية.. أبو ظبي التدين الجديد)، وعلي إيقاع موسيقي سريع ومثير، تشن "زياني" هجومًا شرسًا على الدولة الإماراتية، التي تدعي أنّها تتبنى مفهومًا جديدًا للتدين، تحاول التسويق له، في مواجهة التدين القديم، وهي في سبيلها لذلك، تحاول مجابهة تلك المؤسسات الدينية القديمة، كالأزهر والمؤسسة الدينية في المملكة العربية السعودية.

الشعور بصدقية "زياني" وإيمانها بما تنطق به لم يكن متحققًا لحد كبير، ففي الوعي الشعبي الجمعي، تبدو أنها تنتمي لذلك النمط من التدين الذي تهاجمه، كان الأقرب لأداء هذه المهمة، إعلاميات في الجزيرة من عينة خديجة بن قنة، وهي المذيعة التي قررت أن ترتدي الحجاب، بعد تأثرها بمواعظ للشيخين عمر عبد الكافي، ويوسف القرضاوي. لم يوفق إذن من اختار فيروز، التي اضطرت للظهور بمظهر من يهاجم العلمانية، وتجديد الخطاب الديني، وهي سليلة عائلة جزائرية مناضلة تنتمي لجبهة التحرير الوطني الاشتراكي.

 مذيعة الجزيرة..
مذيعة الجزيرة.. فيروز زياني

بطل الفيلم متطرف!
تسترسل المذيعة في قراءة نص المقدمة الذي بدا أكبر من قدرتها أو معديها على كتابته، نص مكتوب بعناية فائقة، كأنه خرج من مكاتب المستشارين والمنظرين القابعين في مكاتب وثيرة في قطر، تنهي حديثها ليبدأ عرض الفيلم الوثائقي، الذي يحمل ذات الاسم، 25 دقيقة كاملة، أنفقت من أجلها عشرات الآلاف من الدولارات، لابد أنه استغرق وقتًا طويلًا، ومجهودًا شاقًا، ليكون سلامة عبدالقوي، هو أول من يطل برأسه على المشاهدين.

أن يظهر سلامة في أول مشهد من الفيلم، لهو كافٍ أن ينسف كل مجهودات بذلت، وأموال أنفقت، ويدمر رسالته ويعري أغراضها، من أولى كلماته التي نطق بها ليستهل حديثه "الإمارات الآن تعمل على إسلام ضد الحرية بوجه عام".

تظل ذاكرة اليوتيوب شاهدة على الخطاب المتطرف على الجزيرة وفضائيات الإخوان، ليس علينا سوى كتابة اسم الرجل على "غوغل" لينضح بخطاباته التي تحوي كما هائلًا من التطرف والإرهاب والكراهية- ليس هناك ما يشير إلى إيمانه بحرية- فهو الذي يجمع في مفهومه بين الإسلام وبين جماعة الإخوان المسلمين حين غرد على صفحته على "تويتر":

"اللهم إني أسألك أن تحشرني في زمرة النبيين والصحابة والصالحين و‫‏الإخوان المسلمين"، وذهب مبكرًا مع زمرة من أقرانه ليطل على إحدى الفضائيات السلفية، نازعًا عمامته، وملقيًا بكتب لمفكرين مصريين أمام الكاميرا، ليشعل فيها النيران، لقد اختار خيار حرق الأفكار، على خيار مواجهة الفكر بالأفكار والكلمة بالكلمات.

لم يكن مفاجئًا إذن أن تكشف تلك الشخصية عن أفكار العنف والتطرف، بعد الإطاحة بنظام الرئيس المعزول محمد مرسي، فوقف زاعقًا على منصة رابعة "السلمية ماتت.. السلمية ماتت"، ثم طار إلى تركيا هاربًا مع من فروا، فزاد تكفيرية على تكفيريته، فلم يجد غضاضة في التحريض على الجيش المصري، وأفتى بحرمة الانضمام إليه، ودعا أهالي سيناء إلى قتل الضابط الذين يظهرون على مواقع التواصل الاجتماعي، وتظل ذاكرة اليوتيوب شاهدة على خطابه المتطرف على الجزيرة وفضائيات الإخوان.

لا يخيل على المشاهدين، زي سلامة الأزهري، الذي يحرص على الظهور به، في محاوله بائسة منه لإعطاء إشارة ضمنية في أنه يمثل الإسلام القديم والأصيل، فيرمي بتهمة تحوي في باطنها مضامين التكفير حتى قبل التعرض لتفنيدها والرد عليها إذ قال "بدا محمد بن زايد أن يأخذ على عاتقه صناعة إسلام جديد".

لم يتطرق سلامة عبدالقوي لصلب القضية، معنى وعلاقة "الدين بالتدين" التي احتدم النقاش حولها في السنوات الماضية، هنا استبدل مصطلح "التدين الجديد"، بمعنى مختلف تمامًا هو "الإسلام الجديد"، الذي يعني أيضًا "الدين الجديد"، لتجتر الذاكرة مقولات رموز الجاهلية في قريش في عصر النبوة "إن محمدًا أتى بدين جديد". حتى يحل التشويش والإرباك ذهنية المشاهد المتلقي.

لم يتطرق سلامة عبدالقوي لصلب القضية، معنى وعلاقة "الدين بالتدين" التي احتدم النقاش حولها في السنوات الماضية، وأوشك مفكرون وباحثون للتوصل لمشتركات كبرى حولها، حيث إنها تقضي ببساطة بأنّ حقيقة الدين تختلف عن حقيقة التدين؛ إذ الدين هو ذات التعاليم التي هي شرع إلهي، والتدين هو التشرع بتلك التعاليم، فهو كسب إنساني. وهذا الفارق في الحقيقة بينهما يفضي إلى فارق في الخصائص، واختلاف في الأحكام بالنسبة لكل منهما.

يخشى الشيخ وأمثاله من كهنة الإسلام السياسي، من سيادة مثل تلك المفاهيم، فيخرجون حرابهم وأسهمهم من أكنتها، ليطلقوها على صدور من يحاول نزع سلطويتهم الدينية، ونزع الأغلال من أعناق الأتباع والمخدوعين.

المونتاج المخادع
يدرك محترفو الإعلام وصناع التقارير والوثائقيات، أنّ بإمكانية القائمين العمل- عبر المونتير- أن يقلب الحقائق لو تملكه الغرض، وباع مهنيته ومصداقيته وطرحها جانبًا، وأنّ لديه القدرة على تفعيل القص واللزق، وإقحام الجمل في سياقات مصنوعة ومتكلفه، حتى يتسنى له أن يوجه شريحة من المشاهدين وفق ما يريد؛ لعبة معروفة ومجربة.

يظهر الحبيب على الجفري، في لقطة غير كاملة ومقتطعة، بعد إنهاء سلامة لحديثه وهو يقول: "نعم أدعو للسيسي وأدعو لخليفة بن زايد وأدعو لعبدالله بن عبدالعزيز"، لكن الصناع حجبوا سياق الحديث الأصلي للجفري من بدايته وحتى نهايته، فالسياق الحقيقي قبل التحريف، كان يتحدث فيه الشيخ عن أنه يدعو الله لهم بالهداية والتوفيق، ولكل حكام العرب، من منطلقات خيرية بحتة لا هدف من ورائها إلا وجه الله "وفق السياق".

أما الضيف الثاني الأكثر بروزًا، فلم يكن أيضًا شخصية محايدة على الإطلاق؛ إذ إنه أستاذ الأخلاق السياسية في جامعة حمد بن خليفة، محمد المختار الشنقيطي، فلم يكن يتوقع منه سوى ما قاله بارتباك لم يستطع إخفاءه "الإمارات العربية المتحدة برهنت على أنها من أسوأ الدول استخدامًا للدين".. يجب هنا أن يستدعى المثل القائل "رمتني بدائها وانسلت"، فلم يكن مطلوبًا من هذا الضيف المكرم والمغدق عليه من الإمارة القطرية، أن يتحدث الرجل عن أنها مأوى المتطرفين وملاذهم الآمن، بيد أنه لم يتحدث عن مظاهر استخدام الإمارات للدين، الذي يزعم هو وسابقه أنها تحاربه!.

يصل المعلق للهدف المحدد بقوله: الإمارات اصطفت خلف محور ممانعة ثورات الربيع العربي 
أما حسن أبو هنية، الباحث في شؤون الإسلام السياسي، فلم يفهم في البداية في أي سياق يتحدث -بفعل المونتاج- حيث قال "هذا الخطاب يؤسس لنوع من السلطوية الدينية وسلطوية ديكتاتورية سياسية".

إلا أنه يعود فيقول معنى يؤذي جماعة الإخوان، دون أن يدري صناع الفيلم "نعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية والغرب قد غير من نظرته التقليدية، بالاعتماد على الاسلام السياسي، وتحديدًا جماعة الإخوان المسلمين في العالم العربي".

يقحم الصناع مشهدًا لشيخ سلفي يظهر على قناة أبو ظبي وهو يقول: "إن ظلم الملوك نقمة من نقم الله على الشعوب، ونقم الله لا تلاقى بالسيوف، وإنما تلاقى وتدفع بالدعاء" يمثل الشيخ التيار التقليدي لأهل السنة - التدين القديم المفترض أن الفيلم يناصره- لكن المعنى فيه واضح هو أنّ هذا الشيخ يدعو لعدم استخدام السيف في مواجهة ظلم الأنظمة السياسية- وهو ما يزعج الجزيرة- مع أن دفع الظلم لا يكون بالدعاء فقط؛ بل العمل السياسي السلمي، والعمل الاجتماعي النهضوي والتقدمي، وهو ما تعتبره الجزيرة خطابا مهادنا وخانعًا.

تزداد جرعة الخلط والتغبيش، كلما يمضي الفيلم في مسارات معوجة ومربكة، فالمؤسسات التي تزعم قطر أنّ الإمارات تمولها، لا تتبنى مثل هذا الخطاب، الذي وصفه الفيلم بالتدين الجديد، بينما لا يمثل هذا الشيخ هذا المؤسسات، ويناقض خطابه خطابها، بدا الهجوم عشوائيًا وغير مفهوم المعالم.

حين يتحدث المعلق عن ثورات الربيع العربي، تبرز الشاشة صورة محمد مرسي، على الفور، أو مظاهرات الإٍسلاميين من أجل عودته، في إشارة إلى أنه رمز لتلك الثورة، التي قام بها آلاف من الشبان ولم يكن للإسلاميين دور فيها، إلا بعدما تبين لهم أنها نجحت في الإطاحة بالحكام، ثم امتطوها كالعادة دائمًا.

يصل المعلق إلى الهدف المحدد بقوله: "الإمارات اصطفت خلف محور ممانعة ثورات الربيع العربي، والذي سرعان ما اعتبر محور الثورات المضادة".. تعود الشاشة للتركيز على "مرسي".. لكن ما الدليل على صدقية ذلك؟

إذا كنت تريد أن تعطي هالة على ما تريد قوله فأقحم في السياق وثيقة من وثائق ويكيليكس، ولن يفتش أحد بعدك عن صدقية ومنهج التوثيق، ولن يعتني الكثيرون في تحليل ما جاء فيها، يقول المعلق: برز هذا التوجه المضاد لثورات الربيع العربي، باكرًا في إحدى وثائق ويكيليكس، المسربة على لسان محمد بن زايد في إحدى اللقاءات.

تقول الوثيقة: "إذا كانت مصر تجري انتخابات حرة، فسوف يفوز الإخوان المسلمون، كانت هناك 3 دول إسلامية كبيرة تدعو للقلق بحسب محمد بن زايد، مصر، السعودية، باكستان"، الكلام في الوثيقة لا يخدم السياق الذي أراده صناع الفيلم؛ فالجميع كان يعرف أن الإخوان بعد "يناير" سوف يكسبون الانتخابات، فلا يوجد شيء خطأ فيما قاله بن زايد، ولا إشارة على أنه كان يواجه ثورات الربيع العربي، لقد أعلن خشيته من تفكيك وسقوط تلك الدول.
وللحديث بقية...

هذا الموضوع نقلًأ عن حفريات