رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
وجهات نظر
الخميس 01/مارس/2018 - 08:17 م

محمد جاد الزغبي يكتب: تطور المواجهات السياسية بين مصر وإيران ( الحلقة الثانية )

محمد جاد الزغبي يكتب:
aman-dostor.org/8250


* المواجهة فى عصر القومية العربية
كان الزعيم جمال عبد الناصر يتبع خطا دبلوماسيا متوافقا مع مكانة مصر وتاريخها , تلك المكانة التى فقدتها فى السنوات العجاف عقب الإحتلال البريطانى وانتهاء عصر القوة فى أسرة محمد على
هذا الخط يقوم على اعتماد حدود الأمن القومى المصري فى الشام كامتداد طبيعى ورئيسي لمصر , فضلا على العمق الإفريقي مع العمق العربي , وهذا الخط هو الأصل الذى اعتمدته مصر منذ فجر تاريخها العريق نظرا لموقعها الجغرافي وأهميتها فى معادلة القوة العالمية عبر العصور , ولم يحدث أبدا أن تخلت مصر عن نظرية أمنها القومى إلا فى عهود الإضمحلال
ومن هذا المنطلق جاءت سياسة القومية العربية التى اعتمدها عبد الناصر ومارسها بفاعلية لافتة جعل من النفوذ المعنوى المصري فى عهده يكاد يكافئ نفوذ الدول العظمى , وحافظ فى نفس الوقت على استقلال قراره السياسي بتشكيل جبهة عدم الإنحياز مع يوغسلافيا والهند والتى هدفت للبحث عن مصالح الدول المستقلة بعيدا عن الصراع القطبي بين الأمريكان والسوفيات ..
حدث هذا رغم أن الدول المعادية لمصر وقوميتها فى المنطقة كانت تتعامل فى تحالفها مع الأمريكيين إلى مستوى الدول التابعة بشكل تام ونهائي عبر التوسع فى التعاون الأمنى والإستراتيجى ورهن القرار السياسي للمصالح الأمريكية فضلا على فتح أراضيها للقوات الأمريكية , ولعل هذا ما كان يثير حفيظة الإتحاد السوفياتى الذى كان يري إصرار عبد الناصر على رفض أى تبعية فى ظل دعم الكتلة الشرقية له نوع من المبالغة والحماقة السياسية , لكن الواقع يقول أنه لولا هذا لما اقتنعت شعوب العالم بزعامة مصر لقرارها فى مواجهة الدول العظمى ..

من هذا المنطلق ..
ورغم الإنشغال البالغ للسياسة المصرية بتدعيم ثورات التحرر الوطنى وغرق مصر فى الحروب العسكرية والسياسية جراء ذلك , إلا أن عبد الناصر كان منتبها لمشكلة إقليم ( عربستان ) أو إقليم الأحواز العربي والذى كان دولة مستقلة الحدود بشكل كامل قبل الإحتلال الإيرانى الصريح لها فى بدايات القرن العشرين , لا سيما وأن أهل الأحواز أنفسهم سبقوا فى الإتصال والإيمان بقدرة عبد الناصر على تصعيد مشكلتهم عالميا وإلقاء الضوء عليها بعد تجاهل العالم كله لتلك المنطقة وانشغالهم بصراعات الحرب الباردة فى الشرق الأوسط والأقصي وفى أمريكا الجنوبية ..
ويكفي لإدراك النفوذ المصري فى تلك الحقبة أن تنظيما ناصريا تكون فى الأحواز عام 1956 م , تحت اسم ( اللجنة القومية العليا لتحرير عربستان ) , ونشر التنظيم نداءات القومية العربية التى انتشرت بنطاق واسع بين عرب الأحواز حتى أنهم تمكنوا من إقامة المظاهرات والفعاليات الحاشدة لدعم مصر فى حربها الشهيرة ضد العدوان الثلاثي ,
والتقي ممثلوا التنظيم مع الرئيس عبد الناصر فى مصر والذى استقبل طلباتهم ووافق عليها جميعا وتم دعم حركة الأحواز بالمال والسلاح ليمتلك التنظيم القدرة على المواجهة الفعلية للإحتلال الإيرانى مستلهمين من تجربة الجزائر فى ذلك الوقت ضد الإحتلال الفرنسي ..
وبطبيعة الحال كانت المخابرات الإيرانية على علم بهذا التطور الفادح الذى لم تحسب له حسابا , وعرفت بكل ما جرى فى مصر من مصادرها الموثوقة فى الموساد الإسرائيلي والذى كان يجمعه تعاون أمنى استراتيجى مع نظام الشاه باعتبارهم ممثلين للمصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط ,
وقامت المخابرات الإيرانية بالقبض على زعماء ثورة الأحواز وهم ( محيي الدين آل ناصر , ودهرب آل ناصر وعيسي المذخور ) فى عام 1963 م وتم إعدامهم رميا بالرصاص ..
ولم تنس منظمة تحرير الأحواز المستمرة فى نضالها حتى اليوم موقف عبد الناصر من قضيتهم , هذا الموقف الذى يجهله الكثيرون تحت تأثير شيوع اللامبالاة تجاه قضية عربستان , وقد بدا هذا واضحا فى المؤتمر الأخير الذى تم عقده فى القاهرة لممثلي المنظمة بمشاركة عدة دول عربية فى نهاية العام الماضي , واحتشد المؤتمر بالإشادة المستحقة لموقف عبد الناصر التاريخي تجاههم , على نحو يجلب الفخر والأسي فى وقت واحد !
الفخر لأن آثار السياسة المصرية فى عهد عبد الناصر لا زالت فى ذاكرة الشعوب العربية حتى اليوم , والأسي لأن مصر والعالم العربي فى هذا العصر لا يعرف شيئا عن قضية الأحواز سواء على المستوى العامى أو الفكرى أو الإعلامى ..

من هذا المنطلق تأجج العداء الإيرانى تجاه مصر بشكل لافت حتى كاد يوازى العداء الإسرائيلي , باعتبار أن إيران كانت ممثلة للمصالح الغربية التى يهددها عبد الناصر , ثم جاء السبب الأقوى الذى جعل العداء شخصيا تجاهه بعد دعمه وتبنيه للقضية الأحوازية ..
وبعد دخول منتصف عقد الستينيات ..
حدث ما يشبه التوقف اللحظى لهذا الصراع القائم بين إيران ومصر , وذلك بعد إكتمال مؤامرة التحالف الغربي ضد عبد الناصر وتنفيذ ضربة النكسة عام 1967 م , والتى هدفت بالأساس لإسقاط نظام عبد الناصر فى مصر وتكفير الشعوب العربية بفكر القومية والإستقلال عن المصالح الغربية عن طريق استغلال فشل النظام المصري فى التصدى للمؤامرة الغربية بشكل كاف وهو ما ضاعف من نتائجها الكارثية ..
ويعود تجميد الموقف بين مصر وإيران فى ذلك الوقت إلى سببين هامين ..
الأول : أن ضربة النكسة كانت مقنعة وكافية لإسرائيل والتحالف الغربي ولإيران لأن تعتقد اعتقادا راسخا بأن مصر قد انتهت فعليا , وبأنها تحتاج إلى ثلاثة عقود على الأقل لتفيق من صدمة النكسة , وهو ما جعل هذا التحالف يعيش سكرة النصر ويتجاهل النظام فى مصر باعتباره نظاما قد سقط فعليا مهما ادعى العكس
الثانى : أنه فى تلك الفترة من نهاية الستينيات بدأت إرهاصات الثورة الإيرانية التى ظلت زهاء أربعة عشر عاما لتكتمل بإسقاط نظام الشاه عام 1979 م , ونظرا لإنشغال الشاه بالفتنة الداخلية تم تجميد الموقف مع مصر ..
ولكن هذا التجميد لم يستمر طويلا فى الواقع حيث ما لبث أن تجدد بعد إنتصار مصر فى حرب أكتوبر رغم سقوط عصر القومية فى عصر السادات ..
وهذا ما سنعرفه فى الحلقة القادمة