رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الثلاثاء 27/فبراير/2018 - 05:45 م

خبراء وقادة واجهوا «الإسلاموفوبيا» بالفكر والتسامح

 خبراء وقادة واجهوا
عمروعبد المنعم
aman-dostor.org/8178

هناك الكثير من الأحداث الّتي تعرّضت لها الدول الغربية بمؤخّرًا، وعكست ما يسمي بظاهرة ما يطلق عليها موجة الإسلاموفوبيا، ممّا استوجب بيان هذه الظّاهرة معناها، أسبابها، جذورها، وكيفية مواجهتها.

وظهر مصطلح «الاسلاموفوبيا» ليكشف ظاهرة الخوف المرضي من الاسلام، وكيف ينظر الغرب للعالمية الإسلام وتاريخية وكيف يتصدر البعض منهجية الطعن في رسالة الاسلام والتشكيك بنبوة رسول الله(ص) من اجل إثارة النزاعات بين المسلمين والسعي لاحتلال البلاد الإسلامية.

وتستشري هذه الظاهرة في الغرب وداخل المتغرّبين فى عالمنا الإسلامي وهي الظاهرة التي تحتاج إلى تظافر جهود العالم الإسلامي للخروج باستراتيجية موحدة لمواجهة هذه الظاهرة، وأفضل السبل لمواجهة ظاهرة الخوف من الاسلام بعث الحياة في الجوانب الحضارية لهذا الدين.

وتزخر المكتبة العربية والإسلامية بكم هائل من المؤلفات التي تناولت تلك الظاهرة وحللتها وبينت مكامن الخطورة فيها، وإلى جانب تلك المؤلفات هناك المئات من المقالات التي تقدم نماذج صارخة لتداعيات خطورة ظاهرة الإسلاموفوبيا في دول العالم المختلفة.

ولا شك أن ظاهرة بهذا الحجم تتطلب جهدا من الباحثين والمحللين لدراستها ومن ثم الخروج بحلول مناسبة لعمق فهمها والتعامل معها..

ولكن هناك حلول عملية وضعها بعض المفكرين والمصلحين لمواجهة هذه الظاهرة وإليكم بعض هذه النماذج العملية:


 خبراء وقادة واجهوا

محمد علي كلاي..  قصة الأمل والتحدي

«كاسيوس مارسيلوس كلاي»، أحد أعظم الرياضيين في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، أسلم عام 1964م، وأطلق على نفسه اسم «محمد علي»، تربع على عرش لعبة الملاكمة، واعتبر أسطورة اللعبة حتى عام 1967م حينما تم سحب اللقب منه بسبب رفضه الالتحاق بالخدمة العسكرية في جيش الولايات المتحدة أثناء حرب فيتنام؛ اعتراضاً منه على الحرب التي رآها ضد تعاليم القرآن، موضحاً «أننا – كمسلمين – ليس من المفترض أن نخوض حروباً إلا إذا كانت في سبيل الله».


تحمل «كلاي» العقاب القاسي بشجاعة، ولم يُرهبه موقف الحكومة الأمريكية ويثنِه عن الدفاع عن قضايا المسلمين السود ونبذ الكراهية والعنصرية؛ فأصبح الزعيم الروحي لملايين المسلمين وغير المسلمين حول العالم، ورمزاً للأمل والعزة والتحدي، حتى رحل عن عالمنا في عام 2016م.


 خبراء وقادة واجهوا

روجيه جارودي.. الفرنسي الذي نبذ التطرف الصهيوني 

عاش «روجيه جارودي» حياة حافلة ورحل عن عالمنا في عام 2012م، تاركًا ثروة من الكتب والدراسات رغم الصعاب والتضييق الذي واجهه.

كرَّس حياته بعد إسلامه للدفاع عن الدين والقيم الإنسانية، ونبذ العنف والتطرف الصهيوني، ومواجهة الحملات الشرسة من زعماء الإعلام الغربي، وتصحيح الصور المغلوطة التي تدفع إلفي الكراهية.

روجيه جارودي» مفكر وفيلسوف فرنسي، حاصل على درجة الدكتوراه عام 1953م من جامعة السوربون عن النظرية المادية في المعرفة، ثم حصل على درجة الدكتوراه الثانية عن الحرية عام 1954م من جامعة موسكو.

اشهر«جارودي» في الثاني من يوليو 1982م إسلامه، بالمركز الإسلامي في جنيف، بعد رحلة حافلة بالمحطات السياسية التي كانت سببًا في تحوله للإسلام الذي قال في أحد حواراته: لقد صوّروا لنا المسلم على أنه متوحش همجي، فإذا بي أمام منظومة قيم متكاملة لها اعتبارها.

 خبراء وقادة واجهوا

زيتون.. بطل عربي من فولاذ 

شهدت الولايات المتحدة الأمريكية عام 2005م كارثة طبيعية وُصفت بأنها الأكثر فداحه وفتكا في تاريخ الولايات منذ عام 1928م؛ حيث كانت ولاية فلوريدا على موعد مع الإعصار الذي سمي «كاترينا» الذي اعتبر الإعصار الأكثر دموية والذي خلف وراءه أكثر من 1833 قتيلًا.

كانت التحذيرات قد تعالت للمقيمين في مدينة نيوأورلينز الواقعة على خليج المكسيك في ولاية لويزيانا من اقتراب الإعصار المدمر، والنداءات متواصلة بضرورة إخلاء المناطق المحتمل مرور الإعصار بها، حينما أسرع «عبدالرحمن زيتون»، الأمريكي من أصل سوري، بإجلاء زوجته وأطفاله عن المنطقة وبقي هو على أمل تمكنه من حماية ممتلكاته، خاصة وأنه تعود على حدوث الأعاصير بشكل متكرر في تلك المنطقة.

لم يدرك «زيتون» خطورة الموقف إلا بعد أن تجاوز الإعصار المعدلات الطبيعية، وتسببت سرعة الرياح في تدمير أحد السدود الحامية للقرية؛ مما أدى إلى ارتفاع منسوب المياه لثلاثة أمتار.

وحينها لم يسارع «زيتون» بالهرب من المكان، بل ظل قرابة أسبوع كامل يتجول في المدينة بقارب صغير مساعدًا كل من علقوا في منازلهم أو في الطرق بسبب الإعصار، قاطعًا يوميًا أكثر من 25 كم لتقديم المساعدات المختلفة للمنكوبين، والمفارقة الطريفة أن السلطات الأمريكية اشتبهت به واعتقلته بتهمة الإرهاب! بسبب جنسيته العربية وتواجده في المكان وسط مخلفات الإعصار، إلى أن اتضح لهم فيما بعد الدور الرائع الذي قام به، وشهادات العشرات من سكان المدينة المنكوبة.

اعتبر «عبدالرحمن زيتون» بطلًا قوميًا في الولايات المتحدة الأمريكية، كتبت عنه العديد من الصحف العالمية، وحصل على عدة شهادات تقدير من منظمات وجهات مختلفة، وألف عنه الكاتب الأمريكي «دايف إيجرز» كتابًا خاصًا وسماه «زيتون»، ويتم الآن التحضير لإنتاج فيلم سينمائي عنه.

 خبراء وقادة واجهوا

فضل الرحمن خان.. اختراعات مشهودة في عالم الصناعة


مهندس مسلم من أصل بنجالي، غادر بلاده متوجهًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1952م بمنحة من برنامج «فولبرايت الأكاديمي للباحثين»؛ التحق بجامعة إيلينوي، ونال درجة الماجستير في الميكانيكا وهندسة المباني والإنشاءات، ثم حصل بعدها على درجة الدكتوراه في نفس التخصص.

تميز «خان» بالإبداع والابتكار والقدرة الفذة على صياغة علاقات تعاون بين المهندسين المعماريين والمهندسين في مجالات أخرى، أثمرت عن اختراعات مشهودة في عالم الصناعة، كان نصيب مدينة شيكاغو منها هو الحظ الأوفر.

ويُعد «فضل الرحمن خان» مثالًا حيًا ونموذجًا يُحتذى في تفوق العقول المسلمة ونبوغها وتصالحها مع بيئاتها الجديدة في الغرب، ومحاولة إعمار تلك البيئات وتطويرها والنهضة بها على خلاف ما يُشاع عن المسلمين في الكثير من حملات الكراهية التي تستهدف إقصاءهم وإبعادهم عن مجتمعاتهم الجديدة بحجة «الإسلاموفوبيا».


 خبراء وقادة واجهوا

كانت هذه بعض التجارب الناجحة لمسلمين عاشوا حياتهم في الغرب، فتفاعلوا مع الواقع بصورة إيجابية عكست قيم دينهم ورورح شريعتهم، لم يتخلوا عن هويتهم الفكرية والثقافية بل عملوا علي التأثير في مفاهيم الغرب وتطوره الحضاري والفكري والثقافي ، هذا فضلًا عن مئات الأحداث والأخبار الحياتية التي تصب في هذا الاتجاه، ونكتفي منها بهذين المثالين:

سوني.. والميدالية الذهبية


في شهر فبراير 2015م كان محبو رياضة «الريجبي» حول العالم على موعد مع مباراة الدور النهائي لكأس العالم التي انتهت بفوز المنتخب النيوزلاندي على نظيره الأسترالي، ورغم حرارة اللقاء وما شهده من أحداث كافية لإنعاش المجلات والمواقع الرياضية لأيام متتالية بعده؛ فإن الفوز لم يكن محط الأنظار!

دفعت الحماسة طفلًا لاقتحام أرض الملعب محاولًا التقاط صورة تذكارية مع بعض اللاعبين، فما كان من أمن المكان إلا أن طارده محاولًا توقيفه وإبعاده، حتى وقع أرضًا أمام النجم النيوزلندي «سوني بيل ويليامز» الذي ساعد الطفل على النهوض، وطلب من الأمن تركه، ومنحه عددًا من الصور التذكارية، والمفاجأة الكبرى كانت في نزعه لميداليته الذهبية وإهدائها للصبي الذي ملأت الدموع عينيه تعبيرًا عن عميق امتنانه للاعب الذي علق قائلًا: «حاولت أن أجعل تلك الليلة لا تمحى من ذاكرته، وأعتقد أن الميدالية على عنقه أجمل بكثير من وجودها على عنقي»، وبدلًا من تسليط الضوء الإعلامي على نهائي بطولة العالم، كانت صور الطفل وميداليته الذهبية تتصدر المشهد!

ذكر أن «سوني» يعد واحدًا من أعظم لاعبي رياضة «الرجبي» على مدى تاريخها في العالم، وكان قد فاجأ الجميع بإشهار إسلامه منذ أعوام، وقال: إنه يكتفي بالحد الأدنى من أرباحه المالية، والباقي ينفقه على أعمال الخير وجمعيات اليتامى.

نتائج وقيم


كانت تلك بعض النماذج التي فعَّلت تعاليم الدين وقيمه في الواقع، وجعلت منها سلوكًا حياتيًا لا يمكن لمن يراه أو يعايشه إلا أن يحترم ذلك الدين وينزله حق منزلته، نماذج طبقت ما أمرت به شريعتنا بسلاسة وفي صمت،بدون دعوى التطرف والإرهاب وبدون مغالاه او تفريط ، فالتفتت إليها أنظار العالم أجمع، لا شك أن كل مسلم هو نموذج للدين يمشي على الأرض، فَلنُحسن عرض نماذجنا لننزع الخوف من قلوب مَن شوهت الظروف المختلفة صورة ديننا في أعينهم.

على المسلمين والعرب أن لا يستهينوا بالأعمال الصّغيرة الّتي تؤدّي إلى تحقيق أهداف عظيمة على المدى البعيد، فالنّظر إلى الأمور بطريقة متطرّفة لا يخدم قضايا أمّتنا، فهناك فضاء واسع من الأعمال الّتي يمكن أن نؤثّر بها على الآخرين. 


المصدر
نهال محمود مهدي، مسلمون في الغرب واجهوا العنصرية بالنجاح

خالد السمان: ظاهرة الإسلاموفوبيا قراءة تحليلية في ثقافتنا - العدد 12ـ مجلة العالم الإسلامي