رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الجمعة 23/فبراير/2018 - 03:37 م

محمد جاد الزغبي يكتب: تطور المواجهات السياسية بين مصر وإيران

محمد جاد الزغبي يكتب:
aman-dostor.org/8063


الأسئلة :
* نبذة تاريخية عن تطور العلاقات السياسية بين مصر وإيران
* لماذا استمر العداء قائما بين مصر وإيران بعد انتهاء عصر القومية برياسة عبد الناصر ؟!
* لماذا يؤيد القوميون العرب إيران رغم العداء الرهيب من إيران للقومية العربية والجنس العربي أصلا ؟! وما هو سر موقفهم هذا
* ما هو موقف الأمن القومى من إيران فى العصر الحالى وهل كان العداء عداء أنظمة أم عداء دول لا يتأثر باختلاف الحكومات ؟
* هل توجد مواجهات أمنية بين مصر وإيران بعد عصر عبد الناصر ؟ ولماذا لا يتم الإعلان عنها ؟
* ما هو موقف مصر الآن بعد ظهور وجه إيران الحقيقي عبر تصريح القيادى الإيرانى رحيم بور أزغدى بأنهم نجحوا فى إسقاط خمس دول عربية ؟

المقال الأول : متى بدأت المواجهة فى العصر الحديث
من الموضوعات التى لم تحظ بالقدر الكافي من التحليل قصة الصراع السياسي بين مصر وإيران فى العصر الحديث ,
وهذا رغم كون المواجهات بينهما حملت عدة مفاجآت فى عدم فهم بعض الكتاب والمفكرين لأبعاد هذا الصراع , وكثيرا ما تم اتهام مصر بأنها تتخذ موقفا سياسيا موروثا تجاه إيران , رغم أن المفاجآت التى تفجرت بظهور وجه إيران الحقيقي فى السنوات الأخيرة أثبتت أن الأمن القومى المصري كان أبعد نظرا بمراحل فى حقيقة فهمه لطبيعة السياسة الإيرانية سواء فى عهد الشاه أو فى عهد دولة الخمينى وولاية الفقيه ..
دار الصراع فى الأغلب الأعم بشكل خفي لا سيما فى أيام مبارك , وقد يبدو مفهوما إخفاء الصراع من الجانب الإيرانى لأنه نظام متأثر بشدة بالعقيدة الدينية المتطرفة للنظام الإيرانى القائمة على عقيدة ( التقية ) ولإيران باع طويل فى هذا الشأن حيث أنها لا تلجأ للمواجهة المباشرة إلا فى حالة اكتمال قوتها واكتمال خطتها فى الإختراق وتنفيذ سياسة تصدير الثورة التى اعتمدها الخمينى , لكن إخفاء آثار هذا الصراع من جانب مصر كانت له أسبابه التى سنكشفها من خلال تلك الحلقات

وحتى يكون موضوع هذه السلسلة قائما فى سياقه لابد من النظر إلى البعد التاريخى لهذا الصراع ,
حيث لجأت إيران فى العصر الحديث لمحاولة إختراق مصر دينيا باستغلال الهوى الفطرى للمصريين تجاه آل البيت , وأيضا باستغلال خفاء العقيدة الشيعية الحقيقية عن معظم المصريين الذين لم يحتكوا احتكاكا مباشرا بالشيعة فى العصر الحديث , رغم أن الصراع بين مصر والشيعة ممتد منذ نجاح الشعب المصري فى طرد الشيعة العبيديين من مصر , وهى تلك الدولة المسماة خطأ بالدولة الفاطمية والتى أطلق عليها المؤرخ والفقيه المصري الشهير جلال الدين السيوطى لقب ( الدولة العبيدية الخبيثة )
ونظرا لأن الشيعة منذ ذلك العهد لم يعد لهم وجود بمصر فقد نسيت الأجيال المعاصرة هذا الصراع تماما ,
لكن الشيعة على اختلاف دولهم وفرقهم لم تنس أبدا الثارات العنيفة بين وبين مصر بسبب أن طرد العبيديين من مصر ورفض المصريين لكافة المحاولات الوحشية لتغيير عقيدتهم للتشيع كان عاملا مضاعفا لعداء الشيعة لمصر , ثم كانت الضربة الكبري للشعب المصري بقيادة فقهائه عندما قاموا بتحويل الجامع الأزهر ـــ الذى أنشأه الشيعة ليكون معهدا لعلوم عقيدتهم الرافضية ـــ حوله المصريون ليكون أكبر قلاع فقه وعقيدة أهل السنة منذ ألف عام ,
والشيعة كشعب وعقيدة يشابهون اليهود كثيرا فى أن ذاكرتهم حاضرة تجاه مصر والمصريين بصفة خاصة , وإدراكهم عال جدا بمدى أهمية مصر ونفوذها المعنوى على العرب , كذلك يتفقون فى أنهم لا ينسون ثاراتهم معها , ولعل أبلغ دليل أن اليهود يحملون الحقد تجاه مصر منذ عهد موسي عليه السلام ويرون أنفسهم أحق بها من أهلها !
كذلك الشيعة يحملون نفس الصفة العجيبة وهى كراهية مصر وشعبها الذى وقف ضد محاولات تشييعهم بالقوة الجبرية , بعكس إيران فى عهد الصفويين الذين نجحوا فى نشر عقيدتهم فيها بالبطش والدماء مستغلين تعدد العرقيات والطوائف فى إيران ..

وفشلت مرجعيات الشيعة خلال النصف الأول من القرن العشرين أن تخترق الأزهر رغم المحاولات التى قام بها المرجع الشيعي عبد الحسين شرف الدين , ثم تجددت المحاولات عن طريق دعم مرجعيات إيران لجماعة الإخوان بعد ظهورها , ورحب حسن البنا بممثلي الشيعة وحاول عرض مشروعهم لإنشاء دار تقريب بين المذاهب كما هي عادتهم فى أى بلد يتسللون إليه
لكن علماء الأزهر الذين استبشروا خيرا بجماعة الإخوان وحسن البنا ودعموه فى البداية انقلبوا عليه بمجرد علمهم بهذه الإتصالات , وكتب الشيخ محب الدين الخطيب كتابا مؤثرا فى التحذير من خطر التشيع بعنوان ( الخطوط العريضة ) وقطع علاقته بالبنا إثر ذلك
وفى مجال الإتصال السياسي كانت إيران تحت حكم الشاه رضا بهلوى الذى اتصل بعلاقة نسب مع أخت الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق , وكان الراعي الرسمى للقصر الملكى سواء فى طهران أو القاهرة هو الإحتلال الإنجليزى الذى كان يعتمد على القطرين معا لتحقيق مصالحه وحفظها بالشرق الأوسط ..

حتى ذلك الحين نستطيع أن نقول بانعدام المواجهات السياسية والأمنية بين مصر وإيران واقتصار المواجهة على محاولات الإختراق التقليدية ,
وبمجئ عصر ثورة يوليو وانطلاق عصر القومية العربية بزعامة عبد الناصر اختلف الأمر جذريا ..
فالحركة القومية فى مصر انطلقت تنادى بوحدة المصير بين العرب جميعا , وتجاوبت معها شعوب العرب من المحيط إلى الخليج وبشعبية كاسحة ومؤثرة إلى أبعد مدى , وأصبحت القاهرة هي عاصمة دول التحرر من الإستعمار الأجنبي ونفوذه ومصالحه , وافتتن العرب جميعا وشعوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية بمنهج القومية وتركيزه على الحرب مع الغرب بعد عهد طويل وخانق من الإحتلال الأوربي ..
فى تلك النقطة تفجر الصراع السياسي بين مصر وإيران ووقع الصدام لثلاثة أسباب رئيسية :
الأول : أن الجنس العربي هو أساس منهج القومية العربية , وبطبيعة الحال فإيران منذ بداية تكون دولة الشيعة الأولى فيها فى عهد القاجاريين ثم عهد الصفويين ثم عهد الشاهنشاهية تقوم على العقيدة القومية الفارسية التى تحمل عقيدة إعلاء الجنس الفارسي فى الأصل وعلوه على العرب ساكنى الصحراء , ومنذ سقوط فارس وفريق القومية الفارسية يقوم على هذا الأساس الذى ابتكروا بسببه منهج التشيع فى الأصل , وكل كتب ومراجع الشيعة الأصلية تقوم على أصل واحد وهو احتقار الجنس العربي وتبشيره بالمهدى المنتظر الشيعى الذى سيأتى من نسل آخر ملوك فارس قبل سقوطها وبشر بحفيده هذا كما يزعمون والذى سيصلب جثث الصحابة ويهدم الكعبة ويحكم بشريعة آل داوود .. هكذا صراحة !
وبالتالى من الطبيعى أن يتصادم هذا بشدة مع العقيدة السياسية للقومية العربية
السبب الثانى : احتلت إيران إقليم ( الأحواز ) العربي ذى المساحة الضخمة الملاصق للخليج والذى تمتع بحكم ذاتى لمدة طويلة ويسكنه عرب أقحاح تفصلهم حدود جبلية عن العمق الإيرانى , وعانى شعب الأحواز العربي تحت نير الإحتلال الفارسي معاناة مستمرة حتى اليوم مارست فيها إيران أشد أنواع القمع ضدهم , فجاء عبد الناصر بحلم القومية أشبه برسالة إنقاذ لهم لا سيما بعد تزعمه حركات التحرر الوطنى
السبب الثالث : كانت إيران تحت حكم الشاه بهلوى هي شرطى الخليج الرسمى التابع بشكل كامل للبريطانيين والأمريكيين , والذين استباحوا ثروات الشعب الإيرانى من النفط ودبروا انقلابا شهيرا ضد رئيس الوزراء الوطنى محمد مصدق الذى أمم شركات النفط الوطنية وخلع الشاه فتدخلت المخابرات الأمريكية برجلها كيرميت روزفلت وأعادته للحكم وتم إعدام مصدق ورجاله , وعدت إيران للحظيرة البريطانية ,
فكان طبيعيا أن يتصادم هذا مع الزعامة المصرية المتوقده ضد الإحتلال الغربي ورجاله وعملائه فى المنطقة .. ولهذا بدأت المواجهات الساخنة بين مصر وإيران منذ ذلك الحين وحتى اليوم , على نحو ما سنرى فى الحلقات القادمة.