رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
ما وراء الخبر
الجمعة 16/فبراير/2018 - 09:31 م

صراع النفوذ بين «القاعدة» و« داعش» على تركة الإخوان

صراع النفوذ بين «القاعدة»
عمرو عبد المنعم
aman-dostor.org/7870

هاجم زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي أيمن الظواهري كثيرا ما يسمى تنظيم "داعش"، مؤكدًا أن الأخير خالف أوامره، حين طالبه بعدم استهداف المدنيين الشيعة في العراق، والتركيز على الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية.

ونفى الظواهري في كلمة صوتية بثّتها مؤسسة ‹السحاب› التابعة لتنظيم القاعدة مؤخرا، التهم التي وجهها تنظيم ‹داعش› للقاعدة مثل أن «الظواهري وضع أمل الأمة بيد مرسي، وأنه لا يجد حرجًا في مشاركة النصارى بالحكم».

ودعا الظواهري في كلمته "بشرى النصر لأهلنا في مصر" إلى المواجهة مع النظام المصري، وتوحيد الصف تجاهه، حيث يعاني التنظيم منذ عامين أو أكثر من حالة انشقاق كبيرة، وتراشق بين القاعدة التنظيم الأم و"داعش" التنظيم المنشق، ومن هنا يبحث كثير من المفكرين والباحثين عن السبب في دخول بعض الشباب من البادية أو الصحراء إلى العنف وممارسة الإرهاب في هذا الجانب مع تنظيم القاعدة وانتقالهم إلى تظيم داعش وعلاقة كل هؤلاء بالتنظيم الأصلي الإخوان.

يمكن أن نشير إلى ثلاثة مستويات أساسية في تفسيرات هذه الظاهرة: الأول: وهو لـ "فرانسوا بورغا" الذي يحدد الدافع وراء ذلك بـ (الإرث الاستعماري والتدخلات الغربية)، والثاني: وهو لـ "جيل كيبل" ويتحدث عن (إسلام الضواحي) أي المناطق المهمشة والشعبية، أما المستوى الثالث فهو يعبر عما يمكن تسميته بـ (حالة فقه البدوي والصحراء) أو ما يطلق عليه البعض سرديات الجنون وهي ما اصطلح عليه بعض علماء النفس من أمثال فتحي بن سلامة.

ونظرًا لاختلاف المنطلقات والتوجهات وآلية العمل بين تنظيم الإخوان والقاعدة وداعش، فإن تمدد وانتشار الأخير في ليبيا كمنطقة صحراوية شكَّل الحاضنة البديلة للقاعدة بعد القضاء على تواجد التنظيم في حلب والموصل وبعد أن دخل الصراع شكَّل تهديدًا جديًّا في ليبيا وأصبح من السهل التعامل مع البداوة الجديدة التي تستغلها التنظيمات الإرهابية وتعمل على التواجد السريع داخلها.

بدأ تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" في إجراء تغييرات عديدة على المستوى التنظيمي بعمل هيكل تنظيمي جديد به كثير من المحاذير التي كان يتساهل بها في الماضي، والعملياتي خلال الانتقال لمساعدة بعد الجماعات التي يمكن أن تتحالف مع القاعدة وتتفق معها في الإيديولوجيات، حيث يمكن ملء الفراغ الناتج عن تراجع نفوذ ونشاط تنظيم "داعش" في مناطق الصراع العراقي والسوري.

وهناك اتجاهات أخرى تقلص من أهمية ذلك وترجح أن يكون الهدف الأساسي للتنظيم من هذه التغييرات هو تجنب تكرار ما حدث مع تنظيم "داعش"، ويتوقع بعض القيادات داخل تنظيم "القاعدة" أن يصبح ذلك الهدف التالي، لمواجهة "القاعدة" لـ "داعش" الذي سرق منه الأضواء والنفوذ، ففي الوقت الذي هاجم أئمة جهاد معروفون، مثل أبي محمد المقدسي وأبي قتادة، تنظيم داعش تبدو الأجيال اليافعة والشابة مهووسة بالعمل لا بالخطابات وتتأثر أكثر بتنظيم داعش الاكثر دموية والذي يجيب على كثير من الأسئلة العالقة في نفوس الشاب المتحمس لحمل السلاح والمواجهة.

فإرهابيو القاعدة من ليبيا واليمن والمملكة العربية السعودية وغيرها يتدفقون على تنظيم داعش لأنَّ زعيمه أبا بكر البغدادي -حسب رأيهم- يواجه الكفار ويبني دولة الخلافة، في الوقت الذي يكتفي الظواهري فيه بالكلام.

وقد وجه الشرعي الداعشي أبو عبدالرحمن عبيدة الأثبجي المتواجد في ليبيا نصيحة منذ عدة أسابيع إلى قيادات القاعدة والمشرفين على منبر التوحيد والجهاد الذراع الإعلامي للتنظيم الإرهابي المتطرف وخاصة المقدسي؛ منوها بأن هذا المنبر في يوم ما، كان محرّضًا وساعيًا إلى الدعوة لقيام خلافة إسلامية، رادًّا على شبهات المخالفين المحرضين على إسقاط المشروع الجهادي، فإذا به ينقلب على هذا المشروع ويحارب إنجازات ـ على حد تعبيره ـ في ليبيا والعراق وسوريا، فإذا كانت لحوم العلماء مسمومة، فلحوم أهل العلم والجهاد ملغومة؛ فقد مُلِئ قلوب اهل القاعدة تجاه الدولة غِلًّا وحسدًا وحقدًا وكبرًا.

ومن ناحية أخري تتقاتل في ليبيا كيانات مسلحة عديدة، منذ أن أطاحت ثورة شعبية بالرئيس معمر القذافي، عام 2011، فيما تتصارع على الحكم 3 حكومات، اثنتان منها في العاصمة طرابلس (غرب)، وهما الوفاق الوطني، المُعترف بها دوليًا، و«الإنقاذ»، إضافة إلى «الحكومة المؤقتة» في مدينة البيضاء (شرق)، التي تتبع لمجلس نواب طبرق، التابعة له قوات «حفتر».

وينشط حزب «العدالة والبناء» الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، والذي يسيطر أحد قياداته الشيخ الصادق الغرياني على دار الإفتاء الليبية التي طالبت كثيرا من الجماعات الحقوقية بإدانة الغرياني "بالتحريض على العنف والقتل".

وكان الغرياني قد أفتي بأن من يموتون وهم يقاتلون قوات حفتر "شهداء"، ووصف ميليشيات فجر ليبيا وأنصار الشريعة بـ"الأبطال".

في حين لم يعتبر داعش ليبيا موقف الغرياني من تأييد الضربات ضد قوات التحالف ولم يعتبرها جهادا، حينما أصدرت دار الإفتاء الليبية فتوي تستنكر بيان أنصار الشريعة في أحداث سرت الأخيرة ورد الشرعي عبدالرحمن عبيدة الأثبجي متهما الغرياني ودار الفتوى الليبية بأنهم يدعون إلى توحيد الكلمة ولو على الباطل والديمقراطية، وهم يرفضون مثل هذا النوع من التوحيد معللا أنهم- أي داعش ليبيا- شعارهم "كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة " بينما شعار الإخوان والغرياني "توحيد الكلمة قبل كلمة التوحيد" فأي الفريقين أحق بالأمن ؟!!

لقد أكد أحد شرعيّ تنظيم داعش في ليبيا مؤخرا بعد أحداث سرت وبن غازي في ليبيا وهو أبو عبدالله الليبي أن ليبيا ستكون مفتاحا لتكسير حدود سايكس بيكو المصطنعة في شمال إفريقيا، لذلك إنهم يعدون العدة لتكسير الحدود الوهمية الظالمة بين الدول العربية وخاصة بين مصر وليبيا عن قريب، تلك الحدود التي فرقت المسلمين- على حد وصفه الساذج- ونسي أن داعش العراق وداعش سوريا، فتحا الحدود، فما كان مصير الجميع هناك؛ لهذا يجب على حد تصورهم الكفر بها ونبذها وألا نعتبر بها واقعا إذ لا اعتبار لها شرعا، فالمعدوم شرعا كالمعدوم حسا هذه قاعدة شرعية معلومة، زيادة على أنها تعارض إقامة الدين على الوجه الحقيقي وتعطل بعض أحكامه وتؤثر عليه كالجهاد والولاء والبراء والفتوى، فهي قائمة على أساس الوطنية والقومية الغربية العلمانية.

ودعا " الليبي "أهل ليبيا لكي يتفهموا خريطة التاريخ الجديد مؤكدا أن "هناك قواعد لفهمه وإدراكه، ولابد أن تصلكم وأن تتفكروا فيها وتبحثوا عنها، فهي مفاتيح فقه الواقع الجديد ليبيا غدت أرضا للجهاد ومنبعا للفتوحات على حد تصورهم.

ووسط هذا التدافع يقف آلاف الشباب الأفارقة أمام خيارين، يستقطبان باسم الجهاد في سبيل الله، وتحفزهم عوامل عديدة للارتماء في أحضانهما، ليس أقلها شأنًا الفقر الذي يدفع الآلاف منهم للرمي بأنفسهم في مهاوي المجهول عبر قوارب الموت في محاولة للهجرة السرية إلى أوروبا، والجهل المنتشر في بلدانهم، في وقت توفر فيه هذه الجماعات "راحة نفسية" عبر رفع شعار خدمة الدِّين والجنة الموعودة، كما تتيح -حسب متابعين- مصادر دخل مُغرية بشكل كبير.

ومن الملاحظ في السنوات القليلة الماضة سرعة توغُّل تنظيم داعش في ليبيا عن طريق إفريقيا، خصوصًا أن قائمة المحظورات في الحرب تتضاءل لدى داعش أكثر منها لدى تنظيم القاعدة، هذا فضلًا عن أن فروع التنظيم في إفريقيا تحظى بأرضية ملائمة لأنشطتها؛ وظهرت في دول بعضها مفكك مثل ليبيا، وبعضها يعاني من هشاشة في منظوماته الأمنية والإدارية وبنيتها الاجتماعية كنيجيريا؛ الأمر الذي يُسهِّل من مهامه وقدرته على التحرك والضرب في أماكن أكثر حساسية وخطورة، حسب مراقبين.

وهنا، لابد من التنبيه إلى أن إفريقيا بدأت تتحول شيئا فشيئا إلى مسرح تنافس محموم بين تنظيم الدولة داعش الإرهابي، وتنظيم القاعدة وانحصار تدريجي للإخوان، فبرغم من الاختراقات التي حققها تنظيم الدولة في القارة، إلا أن تنظيم القاعدة لايزال يحظى بولاء العديد من التنظيمات المسلحة في إفريقيا مثل القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وأنصار الشريعة في ليبيا وتونس، وشباب المجاهدين في الصومال، وجماعة المرابطين في شمال مالي وجنوب ليبيا.

ويعرف هذا التنافس تصاعدًا ملحوظًا بسبب عدم اعتراف أيٍّ من الطرفين بشرعية الطرف الآخر ومحاولة التفوق عليه؛ فقد اعتبر كثير من قادة القاعدة تنظيم داعش من الخوارج مثل المقدسي ومحمد الشنقيطي تنظيم داعش على لسان الناطق باسمه، أبي محمد العدناني، أن شرعية جميع الإمارات والجماعات والولايات والتنظيمات في المناطق التي يمتد إليها سلطان الخلافة، تعتبر باطلة، وهو ما يعني تلقائيًّا القول بعدم شرعية التنظيمات التابعة للقاعدة في إفريقيا بعد ظهور جماعات تابعة لداعش هناك، بينما يرى تنظيم القاعدة أن داعش مجرد فصيل منشق عنه، وأن خلافة البغدادي لا شرعية لها.

ووسط هذا التدافع يقف آلاف الشباب الأفارقة أمام خيارين، يستقطبان باسم الجهاد في سبيل الله، وتحفزهم عوامل عديدة للارتماء في أحضانهما، ليس أقلها شأنًا الفقر الذي يدفع الآلاف منهم للرمي بأنفسهم في مهاوي المجهول عبر قوارب الموت في محاولة للهجرة السرية إلى أوروبا، والجهل المنتشر في بلدانهم، في وقت توفر فيه هذه الجماعات "راحة نفسية" عبر رفع شعار خدمة الدِّين والجنة الموعودة، كما تتيح -حسب متابعين- مصادر دخل مُغرية بشكل كبير.

كل ذلك لا ينفي أن مساعي التنظيم للتمدد داخل مناطق جديدة سوف تواجه عقبات عديدة لا تبدو هينة، إذ أن العمليات الإرهابية التي قام بها التنظيم إلى جانب المجموعات الإرهابية الأخرى دفعت دول المنطقة إلى رفع مستوى التنسيق الأمني فيما بينها للتعامل مع التداعيات السلبية التي تفرضها على أمنها واستقرارها.

كما أن التنظيمات الأخرى المنافسة، وفي مقدمتها تنظيم "داعش" ما زالت لديها القدرة على استقطاب بعض العناصر المتطرفة في هذه المناطق، والحفاظ على مصادر تمويلها التقليدية، بشكل قد يقلص من قدرة التنظيم على استغلال تراجعها في الفترة الأخيرة من أجل تكريس نفوذه في المناطق التي كانت تسيطر عليها، وهو ما يوحي في النهاية بأن المنطقة تبدو مقبلة على مرحلة جديدة من الصراع بين التنظيمات الإرهابية الرئيسية، ولاسيما تنظيمي "القاعدة" و"داعش".