رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ما وراء الخبر
السبت 10/فبراير/2018 - 07:41 م

من الذي يحاربه الجيش المصري؟

من الذي يحاربه الجيش
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/7687

العملية جاءت عقب إعلان تركيا أنها لا تعترف بترسيم الحدود المصرية اليونانية القبرصية

الأمن رصد اتصالات بين قيادات إخوانية هاربة بتركيا ومجموعات نوعية مسلحة داخل مصر للقيام بعمليات إرهابية

الإخوان هم المحركون لكل الجماعات التي تواجه أمن وجيش مصر بسبب ما يعرف بسياسة التجميع

داعش.. وحسم.. ولواء الثورة.. وجماعة جند الإسلام أهم المجموعات التي يواجهها الجيش

وقف المتحدث باسم الجيش بزيه العسكري، وفي الخلف منه شاشات كبيرة، يعرض عليها الطلعات الجوية على مواقع الإرهابيين، ليعلن بدء العملية العسكرية الشاملة يوم 9 فبراير 2018، وبدء مرحلة جديدة، تحرك فيها القوات المصرية الأحداث حولها ولا تحركها الأحداث، فى الأرض والجو، وشمال سيناء ووسطها، ومنطقة الواحات والدلتا والحدود الغربية، في وقت واحد. 

العملية جاءت عقب إعلان تركيا أنها لا تعترف بترسيم الحدود المصري اليوناني القبرصي، واجتماع ضم وزيري خارجية مصر والسودان، وكذا عملية عسكرية من قوات الجيش الليبي، بقيادة خليفة حفتر للقضاء على معسكرات الإهاب بدرنة، وعقب تنسيق كبير بين منظمة حماس وجهاز الاستخبارات المصرية، أسفر عن القبض على عدد من الخلايا، كان آخرها خلية من 18 عنصرًا داعشيًا، كانت ستنتقل من سيناء لغزة للقيام بعمليات إرهابية واسعة بالقطاع. 

الرسالة الأولى للعملية كانت إلى تركيا، التي أعادت أسطولها على الفور لمياهها الإقليمية، عقب أن حشدت مصر مئات القطع البحرية الجديدة في إطار هذه العملية الشاملة، والثانية هى اقتراب الانتخابات الرئاسية، التي ستجري بين الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس حزب الغد، موسى مصطفى، ورسالة إلى كل من تسول نفسه الإخلال بالأمن ودولة القانون، كما انتهاء مهلة الثلاثة أشهر، التي وضعت لرئيس أركان الجيش للقضاء على الإرهاب في سيناء، إضافة إلى معلومات مؤكدة من مصادر أمنية مصرية، أن العملية جاءت عقب رصد اتصالات بين قيادات إخوانية هاربة بتركيا ومجموعات نوعية مسلحة داخل مصر للقيام بعمليات إرهابية داخل عدد من المحافظات خلال اليام المقبلة. 

الملاحظ أن هذا هو الوقت المثالي بالفعل لتوجيه ضرة شاملة عقب انهيار التنظيمات الإرهابية، فنحن لم نسمع منذ شهور عن عمليات للواء الثورة أو حسم، كما حدثت موجة انشقاقات كبيرة داخل تنظيم بيت المقدس، المبايع لداعش، عقب مجزرة مسجد الروضة، وعقب الهزائم التى لحقت بتنظيم داعش الأم فى العراق والشام، وزوال مناطق سيطرته تمامًا، وبعد توقف التجنيد، مما سبب ضعفًا ملحوظًا فى إمكانياته، لتأتي العملية لتقضي بشكل كبير على الفلول المتبقية.

لقد نجحت مصر إلى حد ما في ضرب 19 تنظيمًا مسلحًا داخل سيناء، ولم يبق منها الآن سوى تنظيم بيت المقدس، الذى يطلق على نفسه (ولاية سيناء)، كما تنظيم داعش بأرض الكنانة، وفلول من مجموعة حسم، ولواء الثورة.

الملاحظ أن كل هذه التنظيمات والمجموعات الإرهابية، والجيوب المسلحة، تعمل كلها في إطار سياسة واستراتيجية واحدة، وهي: تشتيت جهود وقوات الجيش والداخلية، واستنزاف قدراتها المالية والعسكرية، والعمل باستراتيجية إعلامية تستهدف وتركز على فئتين؛ فئة الجماهير المصرية، بحيث تدفع أكبر عدد منهم للانضمام للجهاد والقيام بالدعم الإيجابي أو التعاطف السلبي ممن لا يلتحق بالصف، والفئة الثانية الجنود لدفعهم إلى الانضمام للتنظيمات أو على الأقل الفرار، وهذا يؤدي إلى التقوقع حول الأهداف الاقتصادية لتأمينها، وتطوير الاستراتيجية الإعلامية بحيث تصل وتستهدف بعمق القيادة الوسطى من الجيوش لدفعهم للانضمام للتنظيم، وفى كل هذه المراحل يبررون عقليًا وشرعيًا لماذا تكون عملياتهم الإرهابية، وهي تبريرات من فقه إخواني لمن يطلقون عليه (علماء الكنانة).

المتهمون الإخوان فى اعترافاتهم قالوا  إنه فى غضون شهر يونيو 2016 أعيدت هيكلة مجموعات العمل النوعى التابعة لجماعة الإخوان فى هيكل تنظيمى جديد تحت مسمى «حركة سواعد مصر – حسم»، وأنهم تلقوا أوامر بعمل تنسيق فردى مع الجماعة الموجودة بسيناء، والعمل على ثلاث مراحل أولاها، تأهيل عناصر مجموعات العمل النوعى، وتدريبها خارج البلاد، وثانيتها تشكيل تيار سياسى معلن من القوى السياسية لإحداث حالة من الحشد الشعبي ليؤدي إلى ثورة شعبية تصل إلى إسقاط النظام الحاكم، وثالثها السيطرة الأمنية والإدارية على إحدى مناطق الجمهورية، واتخاذها مركزًا للمواجهة العسكرية مع قوات النظام الحاكم، حيث تم تحديد "المنطقة الغربية" لاقترابها من دولة ليبيا، ومن خلالها يمكن التواصل مع قوات تنظيم (فجر ليبيا) لتوفير الدعم اللازم.

الإخوان هم المحركون لكل الجماعات التي تواجه أمن وجيش مصر، وهم المقصودون بهذه العملية الشاملة، نظرًا لأن الجماعة بكل أطيافها تملك ما يعرف باسم (سياسة التجميع) أي قدرتها على جمع كل الأفكار في بوتقة واحدة، وفق قاعدة أطلق عليها القاعدة الذهبية، وهي (يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، ونجتمع فيما اتفقنا عليه)، وهذا ما أعطاها القدرة على إعادة التشكّل في كل مرة تمر فيها بمحنة، والقدرة على المناورة، والتحرك بين الدفتين السلفية الجهادية، والجماعة السياسية، وطرح تحولات جديدة.

طرحت الجماعة الآن وفق هذه التحولات، وإدارة الصراع مع النظام المصري مبدأ «المقاومة الإيجابية» أو النوعية، واعتماد المبدأ الفقهى حق الدفاع عن النفس، وأن أدوات الرد يجب أن تكون مفتوحة وبدون سقف، وتغطية هذه الأعمال باسم «المسار الثوري» الذى يشمل، «الدفاع عن النفس»، و«تعطيل أجهزة الدولة ومؤسساتها»، واعتماد ما أطلقت عليه "المنهج الثوري المبدع".

جسم الإخوان الحالي للتنظيم أصبح مضطربًا بالفعل، فهناك خليط من الأفكار القطبية العنترية، التى أطلقوا عليها (الثورية)، ومجموعة من القيادات تم عزلهم، وفقدوا مناصبهم داخل الجماعة، فارتدوا عباءة المصلحين، وتيار من التشدد في العنف، ومسار الانفصال عن الواقع والصدام المتواصل مع الدولة.

على الناحية الأخرى، وعقب تناقص حدود داعش، وتقلص التنظيم، وانحساره، بحث التنظيم عن حل جديد للتحديات، كان منها هذا الطرح الجديد، وهو مناكفة الأنظمة، عن طريق ضرب اقتصادها، وأمنها، وجيوشها، وإذا راجعت رسالة أبو الودود الهرماسى، القيادى بالتنظيم، فستجده اعتبر أن الدولة المصرية، والدول القريبة منها هى الهدف الأسمى، وهى المكان الأمثل، المرشح وبقوة لضربات التنظيم، نظرًا لتأثيرها بالكامل على المحيط، ومن هنا تركز مجموعات الإخوان النوعية، مثل لواء الثورة وحسم على نفس الطرح، فالإسلام السياسي هو شبكة واحدة، ودوائر متداخلة كل منها تخضع للأوسع، التي تعتبر هي جزءًا منها، فالفكر الجهادي هو فرع عن الفكر السلفي، والسلفي متداخل مع الإخواني، وأى تأثّر لأحدهم هو تأثير على الآخر، وما بعد داعش الآن عقب خروجه من الأراضي التي يسيطر عليها، من المؤكد أنه يتشابه إلى حد ما مع ما بعد الإخوان الذين كانوا يمارسون السياسة، بل ووصلوا إلى السلطة يومًا ما.

عقب هذه العملية العسكرية الشاملة، التي كما أسلفنا تواجه الإخوان بمجموعاتهم النوعية المسلحة، وداعش، والقاعدة، طرح السؤال حول انتهاء جماعات الإرهاب، لكن من المهم أن نلفت إلى المعركة لن تنتهي فى القريب العاجل بمصر، والأنباء التى أفادت أمس الأول، الجمعة بمقتل 3 أشخاص والقبض على 14 آخرين من جماعة حسم الإخوانية الإرهابية، يؤكد هذه الحقيقة، فقد جاء فى سياق الظروف التي هي أكبر من الأمن المصري، حيث لجماعات الإرهاب امتدادات لها علاقة بالجغرافيا والتاريخ، وكانت سببًا مباشرًا فى تلك الحالة، ومنها عمل الأجهزة الأمنية المصرية في بيئة صحراوية شاسعة، وتكليف الجنود بمهام "شرطية"، فضلا عن صعوبة الحصول على معلومات استخبارية، والبيئة الإقليمية التي جعلت السلاح الليبي يصل بسهولة إلى هذه المجموعات. 

العوامل السابقة ساهمت في استمرار تلك الجماعات، وهذا يعني بالضرورة أن ندرك أن هذه العملية جاءت في هذا السياق، لتواجه عددًا من لاعبي العنف، أهمهم على الإطلاق هو بيت المقدس السيناوي، فرع بيت المقدس في محافظات الدلتا والوادي، مجموعات الإخوان حسم ولواء الثورة، جماعة جند الإسلام في سيناء، وتنظيم القاعدة في المحافظات المصرية.

ولأن الإرهاب فى مصر له أبعاد سياسية وأمنية وعسكرية واجتماعية واقتصادية وقبلية وتنموية، فإنه من المرجح أن يستمر لفترة من الوقت، رغم أننا نؤكد أن ضربة الجيش الشاملة ستضعفه، وتقطع رءوسًا كثيرة له.