رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
قراءات
الجمعة 09/فبراير/2018 - 12:47 ص

مركز كارنيجي: منصات التطرف في العالم العربي تنتصر (دراسة)

مركز كارنيجي: منصات
عمرو عبد المنعم
aman-dostor.org/7630

مازالت النصوص الدينية وتفسيراتها محل خلاف بين العلماء والمتخصصون، وقديمًا بعث علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس للاحتجاج على الخوارج فقال له " لا تخاصمهم بالقرآن فان القرآن حمال أوجه، ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة، فانهم لن يجدوا عنها محيصا ".

قدم موقع "صدى" وهي النشرة الإلكترونية المعنية برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي دراسة بعنوان "التصدّي للأيديولوجيا المتطرفة " وهي دراسة أنجزها باحثون ودارسون متخصصون في دراسة الدعاية الخاصة بالتنظيمات الإرهابية، والتي أكدت أن معظم الجهود التي تبزل لوضع سرديات او أدبيات مضادّة لأفكار التطرف فشلت حتي الان في التصدّي لها بفعل إساءة استعمال نصوص القرآن الكريم، والحديث النبوي من قبل المتطرّفين ولجوئهم إلى مفاهيم دينية وتفسيرات خاصة بهم بعيدة كل البعد عن التفسيرات التقليدية المعروفة عند المسلمين.

أدبيات الغلو


ويسلّط تحليل النصوص المعاصرة التي وضعتها مجموعات تنتمي إلى أطياف أيديولوجية واسعة في هذه الدراسة، الضوء على أن السلفية الجهادية، التي تعتنقها مجموعات على غرار ما يسمي تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة، مختلفة بطريقة ملموسة عن الإسلام السنّي التقليدي، فقد تبيّن لدى التدقيق في عيّنة من آلاف الوثائق وأدبيات هذه التنظيمات أنه من أصل خمسين آية قرآنية يُستشهَد بها أكثر من سواها في النصوص السلفية الجهادية 8% منها فقط تُستخدَم أيضًا على نطاق واسع في المواد التقليدية في المؤسسات الرسمية، وتلجأ نصوص السلفية الجهادية إلى الاستشهاد بصورة مكثّفة بالقرآن والأحاديث النبوية بهدف تبرير الأيديولوجيا الجهادية، مع الإشارة إلى أن عدد المراجع القرآنية التي ترد الإشارة إليها في تلك النصوص أكبر بخمس مرات من العدد في النصوص التقليدية.

إلا أن معظم هذه المجموعات يعتمدون الانتقائية في اختيارهم للآيات القرآنية، مستندين إلى مجموعة صغيرة من الآيات لتأكيد موقفهم الأيديولوجي، أما النصوص التقليدية فتلجأ إلى الاقتباس من مجموعة أوسع من الآيات، مما يعكس تركيزًا أوسع لهذه النصوص الدينية.

تتسبّب هذه الانتقائية في اختيار الآيات والأحاديث النبوية إلي إضعاف الحجة الدينية التي يسوقها الإسلاميون التقليديون أو الدعاة الرسميون والتي يدّعون من خلالها أنه ليس للمتطرفين شرعية دينية وتفسيراتهم الدنية منتقاة ومنحازة، وقد تكون الإضاءة على المراجع الانتقائية الضيّقة التي يستخدمها المتطرفون من النص القرآني والحديث النبوي، إحدى الطرق التي يمكن استخدامها لمنعهم من تجديد قواعد تنظيمهم أو اختيار عناصر جددة لهم.

المفاهيم التقليدية والغير تقليدية

وتقول الدراسة أن المفاهيم الدينية التقليدية تركّز بوضوح على التقوى من خلال "إقامة الصلاة" و"الصوم" و"النطق بالشهادتَين"، وهي من المفاهيم التي تتم الإشارة إليها أكثر من سواها، إلا أنه نادرًا ما تظهر هذه المفاهيم في النصوص السلفية الجهادية التي تركّز على أفكار مثل "الخلافة" و"الجهاد "، وفي ذلك دليلٌ على أن المتطرفين يتمسّكون بحَرفية النصوص أكثر بكثير من اهتمامهم بالتقوى الشخصية بحسب تعبير الدراسة بدقة.

وشرحت الدراسة عددًا من المجموعات الإسلامية المتشددة – منها حزب التحرير والتي لم تبين أين عينة الدراسة ومكانها، بالإضافة إلي الجماعة الإسلامية المصرية وبعض التنظيمات الإسلامية الخارجة من عباءة الإخوان المسلمين (إشارة إلى أن بعض الأحزاب السياسية الإسلامية مثل حزب النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في تركيا، واعتبرتها الدراسة خارجة عن التحليل لأنها أقل استنادًا إلى حد كبير إلى المضمون الديني) وإن كانت تستخدم القرآن والحديث النبوي والمفاهيم بطريقة مشابهة للمجموعات السلفية الجهادية في تعاملها مع النصوص الأساسية، وهذا التقارب الأيديولوجي بين أحزاب الإسلاميين والسلفية الجهادية، يتجلّى في شكل خاص في استخدام القرآن.

وفي العيّنة التي شملتها الدراسة، يتداخل 64 % من الآيات القرآنية مع الخمسين التي تحدثنا عنها والتي يتم الاستشهاد بها في نصوص الإسلاميين مع تلك المستخدَمة من المجموعات السلفية الجهادية، في حين أن نسبة الاقتباسات المشتركة بين الإسلاميين والإسلام التقليدي الرسمي لا تتعدى 12 % فقط.

واشارت الدراسة أن هذا التشابه لا يشير بالضرورة إلى طابع أيديولوجي مشترك، فالنصوص يمكن أن تتوصّل إلى تفسيرات مختلفة للاقتباسات نفسها، واعتبرت الدراسة أن هذا يثير النقاش المتنامي في إطار السياسات العالمية حول التفاعل بين التطرف الذي يؤدي إلي العنف، والتطرف الذي لا يؤدي إلي العنف.

منصات الاعتدال وسرديات التطرف

واعتبرت الدراسة أن معظم جهود منصات الاعتدال المختلفة في العالم العربي حتي الان فشلت في الرد على الحجج الأساسية التي يسوقها المتطرفون فهي تكتفي بالتطرق إلى التفسيرات المتعلقة بـ 16 % من المراجع القرآنية التي يستخدمها السلفيون الجهاديون بكثرة في العيّنة التي شملتها الدراسة.

وتعرضت دراسة مؤسسة كارنيجي إلي منصات الاعتدال الناشئة حديثا في العالم العربي التي تقوم بتفنيد خطاب التطرف والإرهاب او ما اصطلحت عليه "السرديات المضادة " والتي حقق بعضها نجاحا تحقق نجاحًا متزايدًا في معالجة الأفكار الدينية الواردة في النصوص السلفية الجهادية، مثل الفتوى التي أصدرها الشيخ الموريتاني عبدالله بن بيه تحت عنوان "هذه ليست طريق الجنة"، والتي جرى انتشارها على نطاق واسع وفيها إدانةٌ لمزاعم تنظيم ما يسمي الدولة الإسلامية داعش ودعواه لإنشائه خلافة، هي واحدٌ من أمثلة قليلة عن سردية مضادّة تتصدّى مباشرةً للتفاصيل الدينية المتعلقة بإقامة الدولة الإسلامية.

مرصد الأزهر

كذلك مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، وهو عبارة عن مرصد إلكتروني أُطلِق في يونيو 2015 ولا يزال في المراحل الأولى لتطوّره، والذي يتعقب إصدارات المتطرفين ويدحض التفسيرات الدينية الخاطئة والمتطرفة.

مركز اعتدال

وكلك ايضا المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف "اعتدال"، الذي باشر عمله في مايو 2017 ويتّخذ من السعودية مقرًا له، والذي يسعي إلي تنسيق الجهود بين الحكومات والمنظمات الدولية من أجل محاربة التطرف، وقد كُلِّف المركز المئات من المحللين العاملين في المركز بمهمة تحديد "التشوّهات" التي يُلحقها المتطرفون بالإسلام عبر الإنترنت، والردّ عليها.

مركز صواب

ومن المنصات المهمة التي تجابه التطرف مركز "صواب" في أبو ظبي، والذي يحاول اكتساب خبرة استراتيجية في مجال فهم الجماهير، بما يساعد الدعاة التقليديين التعامل مع افكار التظرف والإرهاب على سبيل المثال نوفمبر 2017، أطلق مركز "صواب" حملة مشتركة عبر "تويتر" مع مرصد الأزهر لمواجهة التكفير حملة لدعم قيم الرحمة والتسامح.

مشروع الأئمة

وفي الغرب انشاء مشروع "الأئمة على الانترنت" Imams Online في المملكة المتحدة – والذي يسعي لتفنيد الأدبيات والسرديات المضادّة، والتي تتيح لهم الوصول إلى المجتمعات المحلية.

واشارت الدراسة الذي قدمها مركز كارنيجي إلي أن البحوث والعينات التي أجرها الخبراء لكي تحقق منصات الاعتدال فعالية أكبر يجب ان تتطرّق مباشرةً إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي يُكثِر المتطرفون الاستشهاد بها في نصوصهم، فتدحض المفاهيم التي يركّزون عليها، وتقدّم تفسيرات بديلة.

وقسمت الدراسة الردود التي يجب ان تتناولها منصات الاعتدال في العالم العربي إلي ثلاثة أنواع: الأول: رد يُدين المضمون الممارسات المتطرفة واصفًا إياها بغير الإسلامية، والثاني: رد يُقدّم بدائل وتفسيرات سلمية، والثالث: يهاجم المضمون ويضع الحجج البديلة.

بيد أن الردود الدينية علي منصات التطرف على مستوى القواعد الشعبية في العالم العربي لا تزال تواجه تحدّيات في حشد الموارد، واستخدام منصّات فعالة، وتنسيق الجهود مع النظراء، فمازالت أصوات التطرف هي الأعلى علي اصوات الاعتدال حتي الان، وهذا هو التحدي القائم في المستقبل.