رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الأربعاء 07/فبراير/2018 - 11:27 ص

الرقص على أنغام الوهابية بين داعش وعلماء المملكة

الرقص على أنغام الوهابية
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/7573

طرح مركز كارنيجي، دراسة هامة، للباحث كول بوانزل، حول المبارزة التي تحدث بين الدولة الوهابية السعودية، والدولة الإسلامية (داعش)، معتبراً أن الخلاف بينهما مادي بحت، مبرزاً وجود مناهج تربوية مماثلة لدى الطرفين، وكذا تشاطر عملية قطع الرأس، والمقارنة الجديرة بالاهتمام هي تلك التي تقبع في أذهان المنظّرين الجهاديين لتنظيم الدولة الإسلامية، وهي الفكرة أن السعودية صيغة فاشلة من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهذه النظرة العامة هي نقطة الانطلاق لفهم المبارزة بين المملكة وبين الخلافة، اللتين تُعتبران صيغتين مختلفتين لدولتين إسلاميتين تتنافسان على إرث ديني مشترك وأراضٍ مشتركة.

يقول الباحث: إن السعودية أرست تاريخياً، دعائم شرعيتها على الدعم الذي توفّره للوهابية، التي هي شكل إقصائي من الإسلام السنّي برز في أواسط شبه الجزيرة العربية خلال منتصف القرن الثامن عشر. وقد وفّرت الحكومة للمؤسسة الدينية الوهابية مزية تنظيم النظام الاجتماعي، ومنحت علماء الدين درجة كبيرة من السيطرة على النظامين القضائي والتربوي، وسمحت لهم بإدارة الشرطة الدينية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر). وفي المقابل، حظي الحكام بالمقبولية لدى المحافظين الوهابيين.

تنظيم داعش قام على هذه الادعاءات نفسها. فهو أيضاً يصيغ نفسه وفق طراز الدولة الإسلامية الأولى، كما أعلن قادته الأوائل خلال إعلان التأسيس في تشرين الأول / أكتوبر 2006: "ونحن إذ نُعلن قيام هذه الدولة مستندين إلى سنّة النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج من مكة إلى المدينة فأقام دولة الإسلام فيها رغم تحالف المشركين وأهل الكتاب ضده".

يعتبر داعش أن الدولة السعودية الأولى هي مثلهم الأعلى، إلا أن الدولة الثالثة، والرابعة، هى دولة منحلة، ابتعدت عن المنهج القويم لشيخهم بن عبدالوهاب، الذى أسس في رسائل عديدة، هذا الجهاد المتوسِّع، الذى تقوم به داعش، "وأما من بلغته دعوتنا وأبى أن يدخل في ذلك، وأقام على الشرك...فهذا نكفره ونقاتله...وكل من قاتلناه فقد بلغته دعوتنا...أهل اليمن وتهامة والحرمين والشام والعراق قد بلغتهم دعوتنا".

كمبدأ عام، يُطل الجهاديون على الدولة السعودية - الوهابية الأولى - بوصفها التجربة السياسية التي تستأهل المحاكاة، فيما هم يعتبرون الدولة الثالثة بمثابة خيانة.

عموماً، كان محمد بن إبراهيم آل الشيخ، رئيس الافتاء في السعودية الذي توفي العام 1969، آخر علماء المؤسسة الدينية الوهابية الذي يحظى بمقبولية مرجعية من الجهاديين. لكن بعض علماء الدين الجهاديين ينظرون بعين الرضى إلى بعض الأعضاء المتشددين في المؤسسة الدينية السعودية الراهنة، لا بل هم يدرسون معهم أيضا. فالبنعلي، على سبيل المثال، يفخر بأنه درس على يد المتشدد عبد الله بن جبرين، وأمضيا متسعاً من الوقت معاً في "مقر تورا بورا"، في منطقة السويدي.

كما أن العديد من المنشورات الرسمية للدولة الاسلامية هي كناية عن الأعمال الكلاسيكية للتعاليم الوهابية، بما في ذلك بعض أعمال ابن عبد الوهاب نفسه، مثل "القواعد الأربع" و"نواقض الإسلام" وكلاهما لابن عبد الوهاب.

إن الصراع بين السعودية وتنظيم داعش ذاتياً هو أيضاً تنافس على روح الوهّابية، وقد لخّص البغدادي تلك الاستراتيجية في إعلانه الصادر في نوفمبر 2014، وقال مخاطباً الشعب السعودي: "ألا فلتسلّوا سيوفكم! وعليكم بقتل الروافض [أي الشيعة] أولاً حيث كانوا، ثم عليكم بآل سلول [أي أسرة آل سعود] وجنودهم، قبل الصليبيين وقواعدهم".

من المهم ملاحظة أن الأولويات الاستراتيجية لتنظيم الدولة الإسلامية في المملكة العربية السعودية تتعارض بشدّة مع أولويات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. فقد كانت أولويات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في السعودية تتمثّل بالغربيين والمصالح الغربية، أولاً، وبقوات الأمن السعودية والنظام، ثانياً، ولم يلاحق الشيعة على الإطلاق. أما تنظيم الدولة الإسلامية، فهو يحاول تحقيق شيء آخر مختلف تماماً من خلال استراتيجيته المعادية للشيعة. فهو يقدّم نفسه كمدافع عن الإسلام السنّي، في الوقت الذي ينظر فيه إلى الشيعة على أنهم يسيطرون على الشرق الأوسط، مستفيداً في ذلك من عداء العقيدة الوهابية المتأصّل للتشيّع، ومن المخاوف الواسعة من زحف الهيمنة الشيعية في المنطقة.

ويستند التنظيم إلى العقيدة الوهابية للكشف عن عداوة الشيعة المستمرة للمسلمين الحقيقيين. على سبيل المثال، هناك بيان للتنظيم وصف الشيعة بأنهم جماعة من المشركين، مقتبساً قولاً لسليمان بن سحمان، وهو أحد العلماء الذين حثّوا الملك عبد العزيز على طرد الشيعة في العام 1927، مفاده: "لو اقتتل أهل الحاضرة والبادية حتى يفنوا عن بكرة أبيهم لكان أهون من أن ينصّبوا طاغوتًا يُعبد من دون الله".

وكثيراً ما يستشهد مناصرو الدولة الإسلامية على الإنترنت بالعلماء السعوديين الرسميين لتبرير الهجمات ضد الشيعة. على سبيل المثال، بعد إطلاق النار على أحد مساجد الشيعة في المنطقة الشرقية في السعودية في منتصف أكتوبر 2015، نشر أحد مناصري الدولة الإسلامية على تويتر الاقتباس التالي من ابن جبرين، العالم الذي درس تركي البنعلي على يديه: "فإن الرافضة غالباً مشركون.. وهذا شرك أكبر، وردّة عن الإسلام يستحقون القتل عليها".

وأظهر فيديو للتنظيم، محمد العريفي، الداعية السعودي الأكثر شعبية في البلاد، والذي لديه أكثر من 14 مليون من المتابعين، في مشهد قبل هجمات الدولة الإسلامية وهو يوبّخ "الرافضة" على تجاوزهم حدود الإسلام ومحاربة "المسلمين". وفي مشهد آخر في أعقاب الهجمات، يظهر العريفي وهو يعبّر عن تعاطفه الشديد مع سكان المنطقة الشرقية، ومعظمهم من الشيعة.

يتّهم شريط الفيديو نفسه هؤلاء العلماء بمطالبة الدولة الإسلامية بالكيل بمكيالين، لأن هؤلاء الرجال لايزالون يدينون الشيعة في اليمن ويحضّون الحكومة السعودية على الجهاد ضدّهم باعتبارهم "مشركين"، في حين ينتقدون استهداف الدولة الإسلامية للشيعة في المملكة العربية السعودية!!.

ومن بين 4 آلاف سعودي معتقلين في المملكة العربية السعودية باعتبارهم "سجناء أمنيين"، وهو المصطلح السعودي لوصف أنصار الفكر الجهادي خرجت تسريبات من السجناء الجهاديين في المملكة العربية السعودية تؤكد أن غالبيتهم قد انجذبوا إليها، وفي خطاب صوتي نشر في منتصف مايو 2015، ناشد أبو بكر البغدادي مباشرةً طلبة العلم الجهاديين السجناء في المملكة العربية السعودية، قائلاً: "نحن لم ننسكم يوماً ولن ننساكم أبداً"، ووعد بالقتال لتحريرهم، وبعد ثلاثة أشهر، في أغسطس 2015، حقق تنظيم الدولة الإسلامية أكبر انتصار له في السجون عندما تسرّبت رسالة بيعة مكتوبة بخط اليد من ناصر الفهد من سجن الحائر، ودعت جميع المجاهدين للانضمام إلى الدولة الإسلامية.

أكدت الدراسة أن العلماء السعوديين الرسميين ليسوا مهتمين بمواجهة الدولة الإسلامية عبر إصلاح العقيدة الوهابية. فخطتهم، كما أشار الليبراليون السعوديون، لا تختلف عن الجهود السابقة للقيام بإصلاحات تجميلية. وليس ثمّة إعادة نظر جريئة بالتراث الوهابي، بل مجرّد دفاع عن النفس، وأن التنافس بين المملكة العربية السعودية والدولة الإسلامية ليس دائماً. إذ لا وجود لأي شعور بالذعر في المملكة العربية السعودية نفسها، حيث لم تحرز الحملة العنيفة التي قام بها تنظيم الدولة الإسلامية، والتي ركّزت على الشيعة والأهداف الحكومية، إلا قدراً محدوداً من التقدّم. ويبدو أن الأسرة السعودية الحاكمة لا تنظر إلى الدولة الإسلامية إلا كمصدر إزعاج، لا كتهديد جوهري. لأن  الصراع بينهما هو تنافس على روح الوهابية فقط.