رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الإثنين 05/فبراير/2018 - 03:07 م

«الحاكمية والقتال».. تحريف المفاهيم الشرعية لاستباحة دماء المسلمين

«الحاكمية والقتال»..
أحمد الشوربجى
aman-dostor.org/7522

يتعجب كثير من الناس حينما يعرفون أن شخصًا ما، أعلن انتماءه لجماعة إرهابية، أو أنه شارك في عملية إرهابية، فيتساءلون كيف؟ لم نلحظ ذلك عليه! إنه شخص هادئ الطباع متدين فكيف يفعل هذا؟ً!

تكفلت السنة النبوية المطهرة بالإجابة، والشرح، والتوضيح، روى ابن حبان، والبخاري في "التاريخ الكبير" وغيرهما عن حذيفة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْئًا لِلْإِسْلَامِ، غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ )، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ، الْمَرْمِيُّ أَمِ الرَّامِي؟ قَالَ: بَلِ الرَّامِي".

فعلاقة المتطرف بالدين، تمر بثلاثة مراحل متباينة، حددها الحديث السابق بوضوح وهي، مرحلة "الاتصال" ثم "الانتقال" ثم "الانفصال".

مرحلة "الاتصال"
هذه المرحلة عبر عنها الحديث بقوله" قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْئًا لِلْإِسْلَامِ "
وهي المرحلة التي عبر عنها الرسول بقوله: يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتكم، وصيامه إلى صيامكم، وقيامه إلى قيامكم، منتهى الجد في العبادة، والطاعة وظهور علامات التدين عليه.

مرحلة "الانتقال"

تأتي بعد مرحلة الانتقال، وهى المرحلة التي عبر عنها الحديث بقوله "غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ" حيث ينتقل فيها المتطرف من مرحلة حفظ الاتصال إلى فهم الاتصال، فينتقل من مبنى القرآن أو مبنى الدليل إلى معنى الدليل، وهذا مكمن الخطر، ومن هنا يبدأ التحول عن القرآن والدليل؛ لا لأنه يريد الفهم، وإنما لأنه يفهم القرآن والدليل فهما شاذا؛ يؤدي به إلى تحريف مراد الله، ووضع القرآن والدليل غير موضوعه، فيأتي بفهم من عند نفسه لم يسبقه إليه أحد مخالفًا لكل القواعد والشواهد الحاكمة، فينبذ فهم الأمة كلها وإجماع السلف وأكابر التابعين والمفسرين من الصحابة وأئمة التفسير في كل عصر فينتقل بذلك من نور الاتصال الظاهر إلى ظلمة الفهم الباطل ومن حق الاتصال إلى التحريف والانتقال لمرحلة أخرى جديدة.

مرحلة الانفصال

مرحلة الانفصال التى عبر عنها الحديث بقوله "خرج على جاره بالسيف، ورماه بالشرك"، فالرمي بالشرك أولًا ثم الخروج بالسيف، وقد عبر الحديث بجاره؛ لأن الجيران غالبًا ما تكون بينهم أواصر ترابط، لكن العمى حينما يأتي يقطع كل عاطفة، واعتبار لديه؛ فيخرج يريد قتل أقرب الناس، دون مرعاة لأي حرمة، أو اعتبار لأى شىء.

من هذه النصوص التى غيروها وبدلوها عن موضعها بفهم قوله تعالى" وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) المائدة"، فبناء على هذه الآية كفر هؤلاء كل حكام المسلمين، وجعلوا فكرة الحاكم أصلا من أصول الإيمان فزادوا فى أمور الاعتقاد أمرًا جديدًا من عندهم.

وكانت بدعتهم أنهم كفروا كل من لا يعمل بأحكام الشريعة، حتى وإن اعتقد أنها حق ووحي من عند الله ولم يتمكن من العمل بها لعارض عرض له، ومن تكفير الحكام انتقلوا لتكفير المحكومين وأمة محمد كلها، حتى علقوا وجود الدين كله بوجود بدعتهم هذه.

يقول سيد قطب: " إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله، فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين".
من نفي وجود الدين انطلق سيد قطب إلى نفي وجود المسلمين فقال: " إن المسلمين لا يجاهدون؛ ذلك لأن المسلمين اليوم لا يوجدون إن قضية وجود الإسلام ووجود المسلمين هى التي تحتاج إلى علاج".
ثم أعلن سيد قطب تكفيره للناس كلهم فقال:" إن وجود الأمة الإسلامية قد انقطع منذ قرون".

من هذا الفهم انطلقت هذه الجماعات تعربد فى الإسلام والمسلمين، وتهدر طاقتهم فى كل بقاع العالم الإسلامي، فهل هذا الفهم صحيح؟ وهل هذا هو فهم سلف الأمة وعلمائها؟ وهل هذا فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين كانوا أدرى الناس وأوعاهم بكتاب الله ومراد رسول الله؟

من أين استقى "سيد قطب"، والإرهابيون منهجهم وجرأتهم؟

إنها القضية القديمة نفسها، قضية التكفير التي خرج بها الخوارج على الإمام على رضي الله عنه، وإذا كانوا كفروا عليا فمن المسلم بعده؟!

يقول الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عن هؤلاء الخوارج: إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الكُفَّارِ، فَجَعَلُوهَا عَلَى المُؤْمِنِينَ "
فقد امتاز الخوارج بميزتين الأولى: جهلهم واعتداؤهم على النصوص بالتأويل الباطل، ليخرجوا بها عن إجماع المسلمين ثم يكفرون المسلمين ويستحلون دماءهم.

الثانية: قوة النفس والجرأة التي تغري كل ناظر إليهم.

يقول أبوالمظفر السمعانى:" واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية " " وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة: 44)، فيقولون: ومن من لم يحكم بما أنزل الله؛ فهو كافر، وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم" ومن هنا يتبن لنا من أين أتى أصحاب هؤلاء الإرهابيون بأفكارهم إنها من سلفهم الخوارج لا من سلف الأمة.

ويقول التابعى الكبير سعيد بن جبير: إن الخوارج قرأوا قوله تعالى " وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" ويقرأون معها " ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) سورة الأنعام" فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل بربه فقد أشرك، فهذه الأمة مشركون فيخرجون فيفعلون ما رأيت؛ لأنهم يتأولون هذه الآية".

وقال القرطبي في تفسيره: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون، نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء وقد تقدم، وعلى هذا المعظم، فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة".

وقال شيخ المفسرين بن جرير: "وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها. وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرا عنهم أولى".

وقال أبوبكر بن العربي -رحمه الله- في «أحكام القرآن» (2624-625): «اختلف فيه المفسرون؛ فمنهم من قال: الكافرون والظالمون والفاسقون كلّه لليهود، ومنهم من قال: الكافرون للمشركين، والظالمون لليهود، والفاسقون للنصارى، وبه أقول؛ لأنه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة.

يقول الشيخ جاد الحق على جاد الحق:
" وإذا أخذنا هذا المعنى كانت الآيات موجهة لليهود الذين كان كتابهم التوارة، فإذا لم يحكموا بها كانوا كافرين أو ظالمين أو فاسقين، والمسلمون غير متعبدين بما اختص به غيرهم من الأمم السابقة، فقد كانت - مثلا - توبة أحدهم من ذنب ارتكبه قتل نفسه {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} البقرة 54، وحرم هذا فى الإسلام {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} النساء 29، وشرع بديلا لقتل النفس التوبة بالاستغفار وبالصدقات".

التفسير الصحيح

إن أرجح الأقوال في فهم قوله تعالى"وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" وأمثلتها من الآيات أنها واردة في التشديد على شأن المعصية وأنها كفر دون كفر مثل الكفر بنعمة الله فلم يقل أحد أبدًا إن المسلم الذى يكفر بنعمة الله يخرج من الملة، وأن لفظ الآية ليس لفظًا يصح إطلاقه على العموم، ومن ثم يكون المعنى، ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا هذه الأحكام وكونها من عند الله وأنها وحي وحق، فالآيات لمن أنكر بقلبه وجحد بلسانه وجهر بذلك أما من عرف بقلبه وأقر بلسانه أنه حكم الله لكنه أتى بما يضاده فهو تارك لما أنزل الله، والترك معصية والذي عليه منهج الخوارج أن المسلم يكفر بالمعصية خلافًا لمذهب أهل السنة كلهم بلا استثناء وعلى هذا فهم الصحابة والتابعون وكبار المفسرين مثل: ابن عباس وابن مسعود والبراء ابن عازب وحذيفة والنخعى والسدى والضحاك وقتادة وعكرمة والشعبى وعامر وطاووس والحسن البصرى وعطاء وشيخ المفسرين الطبرى والقرطبى وابن كثير والفخر الرازى والزمخشرى والآلوسى والغوى وصولًا للأبيارى والطاهر بن عاشور ومحمد رشيد رضا والشعراوى وغيرهم من سلف الأمة وخلفهم.
قال الشيخ جاد الحق على جاد الحق: وبهذا البيان يكون مجرد ترك بعض أوامر الله أو مجرد فعل ما حرم الله مع التصديق بصحة هذه الأوامر وضرورة العمل بها، يكون هذا إثما وفسقا، ولا يكون كفرا، ما دام مجرد ترك أو فعل دون جحود أو استباحة.
وعلى ذلك يكون تكفير الحاكم لتركه بعض أحكام الله وحدوده دون تطبيق لا يستند إلى نص فى القرآن أو فى السنة، وإنما نصوصهما تسبغ عليه إثم هذه المخالفة، ولا تخرجه بها من الإسلام، ولعل فيما قاله رسول الله وأوردناه فيما سبق من قوله (ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل) لعل فى هذا الرد القاطع على دعوى تكفير المسلم الذى لم يجحد شيئا من أصول الإسلام وشريعته.