رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الثلاثاء 30/يناير/2018 - 11:36 ص

التجمع العضوي وكيف ساهم في انتشار التكفير

التجمع العضوي وكيف
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/7338

إن السعي للسلطة كان هو الهدف دائماً للتيارات الإسلاموية، والمرجعية هي حديث (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، أي أن التغيير يكون بالسلطة والقوة، من هنا ثار محمد ابن عبد الوهاب على دولة العثمانيين[1]، وأحيا نصوصية ابن تيمية وفتاواه في التمترس، ومقاومة التتار، وتكفير من يحكمون بـ"الياسق"[2]، وجاء من بعده سيد قطب الذي رأى أنه لا بد أولاً من التجمع العضوي الحركي، فأكد في "معالم في الطريق" أن "الإسلام لم يكن يملك أن يتمثل في "نظرية" مجردة، يعتنقها من يعتنقها اعتقاداً ويزاولها عبادة، ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفراداً ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلاً. فإن وجودهم على هذا النحو - مهما كثر عددهم - لا يمكن أن يؤدي إلى "وجود فعلي" للإسلام، لأن الأفراد "المسلمين نظرياً" الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرين حتماً للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية.. وسيتحركون - طوعًا أو كرهاً، بوعي أو بغير وعي - لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده، وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه، لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا.. أي أن الأفراد "المسلمين نظرياً" سيظلون يقومون "فعلاً" بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون "نظريًا" لإزالته.

إن هذا التشخيص دفع شكري مصطفى فيما بعد لعمل ما يسمى بالتكفير والهجرة[3]، وطه السماوي للإيمان بنظرية الهجرة من المجتمع[4]، والإخوان للعمل وفق مبدأ الاستعلاء والمفاصلة، ونضجت فكرة الولاء والبراء للظواهري زعيم تنظيم الجهاد.

الإسلامويين واصلوا ما قاله قطب، ورأوا أن الجماعة لا بد وأن تشب في أتون المحن وأمواج البلاء، وأن تعمل طوال الوقت بما يسمى الولاء والبراء.

مؤلف الفريضة الغائبة، محمد عبد السلام فرج، واصل نظريات قطب، وقال إن الجهاد أفضل من أى عبادة، والانشغال بالسياسة حرام، أما حمل السلاح فهو قمة الطاعة، يقول: "من يريد حقاً أن ينشغل بأعلى درجات الطاعة وأن يكون في قمة العبادة فعليه بالجهاد في سبيل الله وذلك مع عدم إهمال بقية أركان الإسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصف الجهاد بأنه ذروة سنام الإسلام"[5].

تحدث فرج عن الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشة، وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة، وفسر ذلك بالهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، والهجرة فى وجهة نظره هى قتال الحكام أولاً[6].

تطرق فرج بعد ذلك إلى مسألة بالغة الحساسية، وهي قضية فلسطين، فرفض القول إن ميدان الجهاد اليوم هو تحرير القدس كأرض مقدسة فقط، فقتال المرتدين الممتنعين لديه مقدم على قتال الكفار الأصليين.

خرج عبدالله عزام بعدها ليتوصل من تجربته في أفغانستان إلى ما لخص فكر "القاعدة" فيما بعد، بل قد كشف سر التسمية نفسها، بقوله: "خرجت من خلال الأحداث الضخمة التي عشتها في داخل أفغانستان بالقواعد التالية: القاعدة الأولى: لا يمكن لأي حركة إسلامية وحدها أن تقيم دولة إسلامية، والقاعدة الثانية: لا بد من حركة إسلامية حتى تقوم الدولة الإسلامية على يدها، لكنها لا تستطيع أن تقيم دولة الإسلام وحدها، ولا بد من إقامة جماعة، ومن ثم لا بد أن يشرع لها حمل السلاح وتبدأ المعركة المسلحة حيث علينا أن نختار لها بقعة أرض مناسبة، وشعباً مناسباً إن استطعنا.

لكن سيد إمام الشريف صاحب كتاب العمدة، ومنظر الجهادويين، قال إن الهدف هو تكوين الشوكة، وهذا التكوين لن يتم إلا بتشكيل الطليعة الجهادية المقاتلة، وتربيتها على الولاء والبراء، والمفاصلة مع أعوان الحكام والمرتدين، ليخرج علينا بما يسمى (تكفير الأعوان).

كانت في النهاية النتيجة الحتمية أن الوصول للسلطة عبر تجمع عضوي، لن يتم إلا بالمفاصلة، والحكم بجاهلية المجتمع، وتكفير الحاكم وأعوانه، ومن ثم تبرير قتال الطائفة المحيطة به، وهو ما استتبع خلق ما يسمى بـ(الأصول والفروع)، أي تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وقشر ولباب، والحكم بالردة على منكر الأصول، والفسق على منكر الفروع، وفيما بعد هناك من كفّر بالأصول والفروع.. والمسألة برمتها تحتاج لتفصيلات كبيرة.


[1] عبدالرحمن، عبد اللطيف، عنوان المجد في تاريخ نجد، ج١، صـ42، طبعة دارة الملك عبد العزيز، الرياض، 1982.

[2] الياسق هو دستور وضعه جنكيز خان للتتار.

[3] جماعة التكفير والهجرة نشأت في مصر، وآمنت بالهجرة من المجتمع، والتكفير بالمعصية، وقتلت وزير الأوقاف المصري، عام 77.

[4] السماوي كان احد أفراد الإخوان في الستينات، آمن بالهجرة من المجتمع، لكنه في التسعينات تاب عن أفكاره وآمن بالعمل الحزبي.

[5] عبدالسلام، محمد، الفريضة الغائبة، جماعة الجهاد، صــ13، دون تاريخ، دون مطبعة ودار نشر.

[6] المصدر السابق، صــ23