رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
حوارات
الخميس 25/يناير/2018 - 11:26 ص

مخرج "ولاد البلد": مسرح المواجهة يزاحم التيارات التكفيرية

مخرج ولاد البلد:
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/7167

انتقل مع مجموعة من الفنانين الشبان إلى مدن يحتلها فكرياً المتطرفون، بما أطلق عليه لقب "مسرح المواجهة"، زاحمهم في أماكن نفوذهم، لأنه أدرك أنه حين غابت الدول عن دورها في تنوير العقول، أخذت التيارات الراديكالية حيزاً كبيراً من المجتمع، فكان لابد من مزاحمة هذه التيارات في أماكن نفوذها، وحمل شموع التنوير في هذه البؤر، وأيضا للتأكيد على أن كل طوائف المجتمع في الخندق ذاته، والكل يواجه الظلام بالنور، وأن الصالات المكيفة لا تصنع مجتمعًا تنويريًا، ولابد من الخروج إلى المواطنين في كل مكان ممن حرموا من العدالة الثقافية.. هكذا تحدث الشرقاوي، مخرج مسرحية (ولاد البلد)، التي حققت نجاحاً كبيراً.. فإلى نص الحوار:

الفن والمسرح لمقاومة الإرهاب.. كيف بدأت الفكرة؟

- بدأت فكرة (ولاد البلد) أثناء تجوالي في ربوع ومحافظات مصر، بمسرحية (عاشقين ترابك)، ومن ثمّ تم الاتفاق مع الدكتور مصطفى سليم على صياغة مسرحية لوجه مصر، وتشجيع إسماعيل مختار رئيس البيت الفني، خالد جلال على تفعيل فكرة المواجهة ومخاطبة الآخر، وبعدها بدأت ورشة العمل التي استغرقت خمسة شهور لتظهر  بعدها المسرحية.

 أعتقد أن (ولاد البلد) ليست هي العمل الأول في المواجهة مع المتطرفين؟

- نعم ليست هي العمل الأول، إنما هي استكمال لعملين سابقين حملا عنوان (عاشقين ترابك)، وكانا أول صدام مع جماعة الإخوان، لكننا قدمنا ورقة عمل مفادها البحث عن الدولة المدنية دولة المواطنة والعدالة.

لماذا أطلقتم على ما تقدمونه اسم "مسرح المواجهة"، وهل الفكرة تروق للدولة؟

- مسرح المواجهة هو مسرح اللحظة الراهنة.. مسرح مخاطبة الآخر.. مسرح يزاحم الظلام في مكانه، معتمدًا على طاقات الشباب، وعلى الخروج من المسارح إلى الشوارع والحارات والميادين، ويتحدث عن المواطن وأزماته.. باختصار هو مسرح الأزمات، أما بالنسبة للدولة فعلى الرغم من إيمان إسماعيل مختار، رئيس البيت الفني، وكذلك دعم خالد جلال، وأيضا وزير الثقافة، والكاتب حلمي النمنم، إلا أن هذا المشروع اصطدم مع المستشار القانوني للوزير، بسبب البيروقراطيه الشديدة، وعدم تفهمه لطبيعة المشروع، وكذلك حداثة سني ودرجتي الوظيفية، فالكفاءة ليست المعيار الوحيد، بل التدرج الوظيفي، ومازال إسماعيل مختار يقاتل ليرى هذا المشروع النور.

هل تصر (ولاد البلد) على حرب البيروقراطية المتجذرة؟

- أوافقك تمامًا، البيروقراطية متجذرة في الجهاز الإداري للدولة، ونحن نحاربها في (ولاد البلد)، التي تحدثت عن قانون الخدمة المدنية في اللوحة الثانية منها.

أتفهم تلك البيروقراطية رغم أن الجهاز الأمني يحرص على انتشار  مثل هذه الأعمال

- وزارة الداخلية، خاصة قطاع العلاقات والإعلام داعمة لورقة العمل، وحينما تعرضنا لمضايقات في مدينة مرسى مطروح، خاصة من التيار السلفي هناك، وقف الأمن معنا، ومن ثمّ صار هناك تعاون بيننا، وهم يدعموننا إيمانا منهم أن دورنا سابق للحلول الأمنية، وإن الثقافة ستغلق أبواباً كثيرة هم يواجهونها.

- هل (ولاد البلد) هي التجربة الأولى التي واجهتم فيها التطرف في كل ربوع مصر؟

- لا فتجربة (عاشقين ترابك) كانت الأولى، ولأول مرة في تاريخ الثقافة المصرية يتم عرض عمل مسرحي في جميع محافظات مصر، وليست العواصم فقط، بل القرى، والنجوع، والتجربة المتفردة في الصعيد والدلتا وسيناء، بالتعاون مع خمس محافظات، وأيضا بجميع معسكرات الأمن المركزي، وقوات الأمن، وتظل عروض سيناء عالقة بذهني في 2016، وقت ذروة الإرهاب، حيث استُقبلنا هناك أفضل استقبال، وكانت أفضل ليالي العروض، وهناك رأيت الحقيقة.. رأيت الحرب بمعنى الكلمة.. حرب بين من يريدون الحياة ومن يبحثون عن الموت، ولا تتصور مدى فرحة المجندين والضباط، ولن أنسى مقولة مدير أمن سيناء اللواء سيد الحبال، حين قال لنا "لقد تجاوزتم دورنا".

هل سيناء كانت محطتكم الرئيسية أم هناك محطات أخرى؟

- ذهبنا إلى كل ربوع مصر، وفي أماكن انتشار  الإرهاب، مثل أسيوط، وأصررت على الذهاب لقرية حسن البنا، والمكان الذي قتل به الجنود في عام 81، وذهبنا إلى حلايب وشلاتين، في ضيافة محافظ البحر الأحمر، ورأس غارب، والقصير، والنوبة في غرب سهيل، واتحاد النوبة العام، وعرضنا على ضفاف النيل.

لماذا لا نشاهد مسرح المواجهة تلفزيويناً؟

- عروض البيت الفني هي ملكية له هو ووزارة الثقافة، التي هي الجهة الوحيدة المعنية ببيعها تليفزيونيًا، وهناك معوقات كثيرة للتسويق، نظرًا للبيروقراطية والقوانين المجحفة، التي لا تصلح لهذا الزمن، أذكر أنني في بداية عملي بالبيت الفني بحثنا عن راعٍ للعرض الأول (عاشقين ترابك)، وبعد أن وجدناه وعرض علينا مبلغاً خرافياً، اصطدم بالقوانين واللجان فذهب ولم يعد!، وللعلم الدولة تنفق على المسرح والثقافة مائة مليون جنيه سنوياً، منها تسعين مليونا هي أجور للموظفين، والباقي للإنتاج والصيانة، في الوقت الذي لا يجد فيه جيلي من ينفق عليه، وورث هذا العبء، لكننا نحاول بأقل الإمكانيات.

حين شاهدت المسرحية فوجئت أنها خليط من الفكاهة والسياسة، ما بين الجد والهزل.. هل هذا مقصود؟

- من الهزل تنفجر الدموع، والشعب المصري ابن نكتة وهذا مدخله، والكباريه السياسي منهج أزمات، والمواطن يرى نفسه فيه، وهو منهج ظهر في ألمانيا في الحرب العالمية، بمعنى المنتدى الثقافي الذي تناقش فيه هموم الأمة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، ويعتمد على الصدمات المتتالية، واللوحات القصيرة ذات الإيقاع السريع.

أيضاً لاحظت أن كل ممثليك شباب...؟

- الشباب المصري هو عماد هذا المجتمع، وأنا شاب مؤمن أن الشباب هو الحل، والمسألة صراع أجيال.. أجيال رضت بالواقع، وأخرى تحاول تغيير هذا الواقع، بحثاً عن مستقبل أفضل.. وعندما أنظر إلى طفلي ياسين، البالغ أربعة أعوام، أقول له إنني أحاول أن أصنع لك ولجيلك مستقبلا أفضل، فالثقافة هي السلاح الأول للقضاء على التطرف، وبالثقافة تصنع أجيالا قادرة على الإبداع، وعلى الدولة دعم الثقافة، فهي حق وليست منحة.

هل دوركم مكمل لدور السينما؟

- المسرح فن حي منضبط عكس السينما.. المسرح تأثيره أقوى وأعمق.. المسرح مفعم بالحياة والقدرة على التاثير، وهو أبو الفنون.

هل فكرتم في عرض هذه المسرحية عربياً؟

- نفكر جديًا بعرضها في العالم العربي، فالحالة المصرية لا تنفصل عن محيطها العربي، ونحن نواجه نفس الأزمات السياسية والاقتصادية والطائفية.

 للعلم أنا خشيت ألا تكون حيادياً، فقد رأيت بعض لوحات المسرحية تنتقد نقداً لاذعاً؟

- بالعكس، عرضنا في المسرحية الرأي والرأي الآخر، وكنت حياديًا إلى أبعد حد، اللهم إلا في موضوع الوطن، ففي الوطن يختفي الحياد، وعلى سبيل المثال لوحة تعويم الجنيه، أنا من أكثر المشجعين لقرار التعويم، لكن ليس تشجيعًا على بياض، فهناك تقصير في مراعاة الفئات الأكثر تضررًا، وهنا نسليط الضوء عليها، ونشجع الدولة على اتخاذ خطوات أكثر لحمايتهم، وقانون الخدمة المدنية هو من وجهة نظري قانون النجاة، لهذا الجهاز الإداري المترهل.

هل ترون في أنفسكم رقماً في مسألة تجديد الخطاب الديني؟

- نحن الأولى بتجديد الخطاب الديني، والتجديد لا يكون بنفس الآليات، وحن نبحث عن فهم حقيقي للدين، وغاية الدين الحث على الحق والخير والجمال، كما هي الأخلاق، وفتح باب الاجتهاد، وفهم معاصر للدين، وتعامله مع اللحظة الراهنة، هنا والآن، بعيدًا عن الأفكار الجامدة، والنظرات الدونية للعادات والتقاليد الموروثة، وليس الدين.. والأعمال الفنية هي الأولى بتجديد الخطاب الديني، نظرًا لقاعدتها الجماهيرية، واتساعها وقدرتها على الوصول لجهات أكبر، وتجديد الخطاب الديني يبدأ من هنا.. من ثقافة جديدة، ومغايرة، يصاحبها نظرة، وفهم أعمق للدين، وصحيحه وغايته.