رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
تقارير وتحقيقات
الجمعة 19/يناير/2018 - 08:23 م

«الصوفي والقصر» .. إزاحة التشوه عن قيم المحبة والمقاومة

«الصوفي والقصر» ..
كتب : شيماء عيسى
aman-dostor.org/6013

كيف هزمت المحبة الصليبيين والتتار في عالمنا العربي؟
رئيس ملتقى السرد: النخب ألبستنا في الحائط.. والرواية إنجاز شاق ومشوق
أيمن الحكيم: المصريون محبون للتصوف.. وعلينا الاتجاه غربا
زينهم البدوي: حب الوطن ليس شعارات 
أحمد رفيق عوض: المشروع الصهيوني الراهن والصليبي قديما.. ولد ليموت

مسافر يسمع ويتعلم.. اتخذ من قلبه بيتا له، وأدرك أنه موهوب لإيصال رسالة المحبة للبسطاء، وكلمة الحق للحكام، كان ذلك قبل قرون بعيدة إبان تفكك الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، وتطاحن الأمراء وأبناء العمومة واستقوائهم بالإفرنجة لأجل السلطة، هنا جاء الشيخ أحمد البدوي من جبال مكة المكرمة، بعد أن ارتحل إليها صغيرا من بلاد المغرب، قاتل شهوة نفسه وحظها وقطع الصحاري مقتفيا أثر مشايخه كالجيلاني والرفاعي، شاهد القصور وصعد الجبال وسكن الأكواخ وصادق أنجم السماء، وبرغم كراماته الواضحة لكنه لم يكن قط درويشا مغيبا، بل مصلح وداعية ومجاهد، رفض أن يكون سيفا يستخدمه الأمراء بحروبهم البائسة، فاختار معاركه بنفسه وكانت جليلة حقا بفتح بيت المقدس وصد الصليبيين والتتار وقد مني بصحبة أكابر الصوفية كالشاذلي وابن عبدالسلام، لكن هل ينجو التصوف بشعوب غارقة بالفساد ؟! 

من حياة هذا الناسك المهيب غزل د. أحمد رفيق عوض، الأديب الفلسطيني والمحلل الأكاديمي السياسي، روايته الأحدث "الصوفي والقصر.. سيرة ممكنة للسيد البدوي"، وقد صدرت عن دار الشروق الأردنية قبل أشهر في نحو 300 صفحة، ليضع سيرة الرجل العظيم بعين جديدة تجمع النظرة العرفانية والتاريخية ونص أدبي فريد، في رسالة تعيد للصدارة قيمة الحق في وجه البطلان، وهو الحق كما نقش في صدور أهل الإيمان لا أهل التشدد الذين يجللون عالمنا بالدماء والرعب.

وفي ليلة مقدسية فلسطينية، احتفى ملتقى السرد العربي بالقاهرة بالرواية بحضور مؤلفها ووفد من مثقفي فلسطين، وانطلقت الفاعلية مؤخرا بمؤسسة "إيثار" برعاية الشاعرة سهير سليم ومشاركة اتحاد المرأة الفلسطينية، ووضعت ملصقات تحتفي ببطولة الفتاة عهد التميمي التي صفعت جنديا إسرائيليا، وهو ما ربط أجواء الرواية بحاضرنا.

فلسطين دوما بحسب د. حسام عقل، رئيس ملتقى السرد والناقد الأكاديمي، تحمل إرادة النضال ولا تعترف باحتلال، وأهلها مرتبطون بعلاقة حميمة مع المصريين، ومن هذا البلد جاء كاتب بارز لعب أدوارا بمؤسسات الإعلام والثقافة، فضلا عن كونه أستاذا متفرغا بالعلوم السياسية في جامعة القدس، ترجمت مسرحيته "المستوطنة السعيدة" للإيطالية، وحاز جوائز هامة بينها جائزة الملك عبدالثاني للإبداع الروائي 2003، ووصلت روايته "العذراء والقرية" للقوائم القصيرة لجائزة الرواية العربية، وأعماله عموما بين الرواية والمسرح والفكر ترصد حقيقة صراع العرب مع الاستعمار الأمريكي والصهيوني، وظواهر التكفير، وتمنح أهمية خاصة للقضية الفلسطينية.

والرواية كما يشير الناقد تكشف عوار المجتمع الفاسد المنقسم من خلال الحواضر العربية التي زارها البدوي، وتستعيد مساحة الإجلال بنفوسنا للقائد صلاح الدين ورموز الجهاد الحقيقي، وهي قيمة تختلف عن عصرنا الذي تطلق فيه صيحات تصف الآذان بـ"الجعير" برغم أن كبار الفنانين استخدموا الآذان كأيقونة للحق.

 كما أن الرواية تزيح الكليشيهات العجيبة السائدة منها أن الفلسطيني باع أرضه، والحق أنه حتى المؤرخين الصهاينة كعاموس عوز لم يستطيعوا اختلاق فرية كهذه، وأشاروا لكون الفلسطينيون قد هجروا من أرضهم قسرا ومورست ضدهم مذابح مروعة منذ النكسة.والشيخ الغزاوي الطاعن بالسن في الرواية يعبر عن هذه الحقيقة، فهو يرفض مغادرة بلاده كي يموت إزاء البحر وعلى أرضه.

هذا العمل سبقه احتشاد معرفي كبير، ربما وصل لإعداد أرشيفات عن السياق المعاصر للحروب الصليبية وظهور البدوي، والأهم أن المؤلف بحسب "عقل" يعيدنا لفكرة "سردنة" التاريخ" بفنية عالية، كما فعل الراحل عبدالحميد جودة السحار الذي حاكت رواياته ماضينا.

التاريخ بوجدان أديب

نحن أمام بطل دارت حوله شائعات كثيرة عن حقيقة وجوده وانتسابه للصوفية والسنية، وتاريخه لا يتعدى فقرات قليلة متناثرة في الكتب، ولهذا تعد الكتابة عنه مغامرة، خاصة إن كانت رواية طويلة في زمن يتجه للروايات القصيرة، وقد غبر الكاتب قدمه بتراب الطريق ونزل الأزقة فاهتم بتفاصيل الفسيفساء ولم يعط لمحة بانورامية عامة لهذا الزمن التاريخي، ويشير د. حسام عقل لكون أحمد رفيق قد تعامل بمنهج محايد تاريخي، وهذه النوعية "السمينة" بتعبير "شكري عياد" من الأعمال تستلزم جهدا من القاريء لملء الفجوات واستذكار الأحداث.

الشيخ السطوحي، وهو لقب السيد البدوي، كان يعتبر أنه "زيت من لا زيت له" وأن "الإسلام لم يأت ليكون في الجبال بل بين الناس" في إشارة لأهمية انغماس النخب الحقيقية بالشارع، لكن نخبنا المثقفة العربية "ألبستنا" في الحائط واعتزلت إلا ما يحقق مصلحتها الضيقة، وكل أحاديثها تظل بغرف مغلقة لا يرشح منها للشارع شيء، هكذا يقر الناقد بحديثه، مؤكدا أيضا أن الخيانة حاضرة بالرواية، ومن ذلك تسليم القدس للإفرنجة من قبل الأمراء الأيوبيين بعدما تجلل فتحها بالدماء عدة مرات، وكيف كان الأمراء يتقاتلون حتى بمكة المكرمة.

وكل من عاش بطنطا يعرف كيف هي مكانة البدوي ومسجده وطريقته في نفوس المصريين، والذين يقولون "الله الله يا بدوي جاب اليسرى" بعد أن كانت "جاب الأسرى" أي خلصهم من أسر الصليبيين في حملة لويس التاسع، وقد أظهروا بطولة نادرة بالمنصورة وغيرها من المدن،وكان لشيوخ الصوفية تأثير عظيم بنفوس هؤلاء إلى جانب التدريبات التي تلقوها على يد المماليك آنذاك. 

وفي تحليله لعتبات النص؛ بدأ الناقد بالغلاف الأخضر والدرويش الراقص بالتنورة المخادع المغاير لحقيقة بطل الرواية المجاهد المصلح وخطابه الثائر، ويمتاز السرد بلغة مصقولة مدهشة وعصرية تنحت تعبيرات طازجة، وسنرى كيف استطاع بطل الرواية أن يجعلنا نشرب معه المناظر، وأحيانا بدا أن المكان هو البطل لتشعبه، كما تعددت الشخوص لمدى جعل الراوي كمن يقود فرسا حرونا ولم تسقط منه سوى بضع أجزاء قطعت السرد لحديث عن التصوف.

السرد جاء من طرف ثالث وتخللته كثيرا مونولوجات داخلية للشيخ البدوي، بلغة صوفية راقية كما قوله "يارب امنحني لسان شجرة أو قلب فراشة أو خفة ماء"، أما الزمان فبدأ فعليا بصبا أحمد البدوي في مكة المكرمة، وإن عاد بتقنية فلاش باك لطفولته في فاس المغربية، وكانت اللغة المضيئة عن علاقة الزاهد بجبال أبي قبيس مثيرة للإعجاب في زمن عملي لا يعترف بالرومانتيكية، حتى أن الصوفي العازف عن الدنيا، لا يزال يذكر وجه فتاة شامية ابتسمت له ذات يوم، إنها الطبيعة البشرية.

البحث عن القيم

في كلمته بالندوة، اعتبر الشاعر زينهم البدوي نائب رئيس الإذاعة المصرية أن الرواية تعيد رسالة الإبداع بغرس القيم، وقد ابتلينا بالشعارات الجوفاء التي لا تترجم عمليا حب الوطن، وهو ما عبر عنه الشاعر إبراهيم طوقان بقصيدة يقول منها "وطن يباع ويشترى وتصيح فليحيا الوطن لو كنت تبغى خيره لبذلت من دمك الثمن ولقمت تضمد جرحه لو كنت من أهل الفطن"، وأكد الشاعر أننا نعاني من غياب حركة نقدية حقيقية تفرز الأسماء الموهوبة.

أما الكاتب الصحفي أيمن الحكيم، فقد غبط كاتب الرواية للغته الساحرة مؤكدا أنه وقع بغرام الرواية من أول سطر، وأكد أننا نفتقد حركة نقدية تقوم بدور النقاش أستاذه حين اكتشف الطيب صالح ودرويش والكثير من العلامات، وأكد أن الرواية تعيد التاريخ الصوفي بعيدا عن المبالغات والتشوه، ونحن في الرواية نتأكد من قوة المحبة في وجه الغطرسة والعنف. 

يقول الحكيم: إن أهل مصر معروفون بعشقهم لآل البيت، وهذا من مصادر قوتهم، وعلينا اليوم أن نعيد الاعتبار لحقيقتنا الروحية وننظر للغرب العربي حيث منابع الصوفية، بعد أن استورد تيار عريض مفاهيم متشددة من الشرق، وأدعو لتوفير طبعة شعبية من الرواية ضمن كتب قصور الثقافة أو هيئة الكتاب المصرية. 

البسطاء يدفعون العجلة

أما في كلمة المؤلف، د. أحمد رفيق عوض، فتذكر حين زار مدينة طنطا وتلمس الجذر الوجداني للسيد البدوي، وكان يوم ماطر لا ينساه، ورأى البسطاء وتعلقهم بالضريح والمقام، وقد كان البدوي ملاذا لهم دائما، وقد تأثر الكاتب به كثيرا، ومن جهة أخرى أشار إلى أن وحدتنا ضرورة وجودنا بعيدا عن التقسيمات التي ابتكرها بعض القادة لأهل السيف والقلم والبلد، فكلهم بوقت المحن يذوبون بكل واحد، وتاريخ المصريين والعرب يثبت أن المحاويج والبسطاء هم من صنعوا النصر، مشيرا إلى أن الاستعمار الصهيوني حلقة من الاستعمار الصليبي وكلاهما ولد ليموت. 

تطرح الرواية بحسب رئيس منتدى السرد سؤالا حضاريا حول تعايش الفرقاء، والعقد الاجتماعي الضروري بأي مجتمع، وهو دور المثقفين، وبرغم أن البدوي لم يضع كتابا واحدا ولكنه نقش علمه بصدور الرجال، وهي رسالة للباحثين عن المناصب والذين ملأوا آلاف الصفحات بالفراغ.. وتعيد الرواية الاعتبار كذلك لملح الأرض المهمشين وقد آمن البدوي أنه لا محبة مع مذلة هؤلاء، كما تعيد الاعتبار لأهمية وجود طبقة من الفقهاء لا يمالئون السلاطين ولهم مصداقية عند الناس، لقد كان جمال الأفغاني يجلس بمقهى "متاتيا" مع الناس البسطاء ولم ينزل بفنادق ويعقد مؤتمرات، كما أن الرواية تكشف حقيقة الاستعمار الغربي والذي شهد المؤرخون الغربيون أنفسهم كديورانت بوحشيته مع المسلمين في البلاد التي دخلها. ولا أدل من مقولة الراعي سانتياجو برائعة باولو كويلو العالمية "الخيميائي" أن الأشياء إن تكررت مرتين فسوف تتكرر مرارا، والتاريخ يمنحنا عبرا، وهذا ربما ما أراد د. أحمد رفيق أن يضعه أمامنا مصدرا قفاز التحدي للمبدعين برواية من العيار الثقيل.


«الصوفي والقصر» ..