رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الجمعة 19/يناير/2018 - 07:54 م

الخطاب التكفيرى لدى الجماعات الإسلاموية.. العذر بالجهل نموذجًا

الخطاب التكفيرى لدى
أحمد الشوربجى
aman-dostor.org/6011

لا ينتظم عقد أى تنظيم من تنظيمات الجماعات الإسلاموية، ولا ينعقد ولا تقوم له قائمة إلا بعد وضع مجموعة من التصورات الشرعية، التى تكفل له التمايز والحشد عبر دعوة لمعالم منهجيه عقدية لا تقبل النقاش ولا الاختلاف حولها، تضمن هذه التصورات والنظريات الفكرية المنهجية فصل الأعضاء المنتمين إليها عن مجتمعاتهم التى يعيشون فيها، وتماسك التنظيم وتكوين عقيدته القتالية تمهيدًا للمواجهة التى تسعى إليها معجلة أو مؤجلة.

يعتقد البعض خطاءً أن المواجهات العسكرية والملاحقات الأمنية كفيلة بالقضاء على هذه الجماعات، والحقيقة أن كل ذلك ربما يكون كفيلًا بإضعافها لكنها لا تموت أبدًا إلا بقطع الحبل السرى المتمثل فى حزمة كبيرة ومعقدة من الأفكار التى ساقتها إلينا هذه الجماعات، والتى لا يمكن فهمها فضلًا عن القضاء عليها من دون معرفتها ودراستها؛ لمعرفة موضع العطب الذى يمكن من خلاله ضربها ضربة ميتتة قاتلة فضرب الفكرة هو قتل للتنظيم والجدل حولها يأتى بعده انقسام مباشر للتنظيم.

انقسام "داعش"

قضية "العذر بالجهل" أبرز هذه القضايا التى تصلح للتدليل على ذلك، فهى القضية التى تسببت فى انشقاقات كبيرة داخل تنظيم "داعش" بعد جولات من المناظرات وجلسات النقاش، انتهت أغلبها إلى تبادل الإتهامات بالجهل وإعادة استنساخ مصطلحات كلامية لفرق عقائدية لم يعد لها وجود بيننا اليوم فى إغراق وإغراب داخل بوتقة السلفية الزمانية؛ إذ يتهم من لا يعذر بالجهل خصمه بأنه من المرجئة، بينما يتهم من يعذر خصمه بأنه من الخوارج، إحتراب كلامى أدى إلى فُجر فى الخصومة أعقبها نشر كل فريق ما لديه من معلومات ووثائق تثبت تآمر الطرف الآخر على "دولة لخلافة" المزعومة، عندها بدأت الحرب الفعلية بين التيارين.

الحازميون والبنعليون

التيار الحازمى نسبة إلى الشيخ "أحمد بن عمر الحازمي" الذى تخرج من جامعة أم القرى بالمملكة العربية السعودية واشتغل في الخطابة، وتتلمذ على يد شيوخ عديدين من علمائها وكان أكبر المؤثرين فيه تعليميًا أحد أقطاب المدرسة المدخلية "محمد علي آدم الإثيوبي"، والتيار البنعلى نسبة إلى البحريني تركي البنعلى القاضى الشرعى العام لتنظيم القاعدة والذى قتل فى الرقة عام 2017م، تغلغل التيار الحازمى حتى سيطر على جميع مفاصل التنظيم، ثم بدأ فى مطارة التيار البنعلى اُتهم باختطاف 1500 عضو من البنعليين وقتل معظمهم فى السجون والمعتقلات، انتهت هذه الحرب بسيطرة التيار الحازمى الذى لا يعذر بالجهل على تنظيم داعش، فى حين قام أحد الأفراد المنشقين بتفجير نفسه وسط أفراد التنظيم بالرقة، ومن هنا ندرك سر التوحش الكبير فى هذا التنظيم الذى يكفر الجميع بضربة واحدة ومن زواية وقضية واحدة "العذر بالجهل"، الغريب أن كلا التيارين الحازمى والبنعلى لا يعذرون بالجهل وإنما يعذر التيار البنعلى ولا يكفر من يقول بعقيدة العذر بالجهل، فى حين لا يعذر التيار الحازمى من يقول بهذه العقيدة لأنه لا يكفر الكافر ومن ثم فهو كافر، فارق بسيط قلب الأمور رأسًا على عقب فإما كفر وإما إيمان، وعلى الكفر والإيمان تنبنى أحكام القتل عند هذه التيارات فما هو العذر بالجهل وما هى المواقف المختلفة تجاة هذه الفكرة؟

قضية "العذر بالجهل"

تبحث هذه المسألة حكم المسلم الذى يتلبّس بفعل من أفعال الشرك الأكبر وهو لا يعرف أنّ ما فعله شرك، أو ترك التوحيد وهو لا يعرف أنّه تارك للتوحيد هل يظل مسلمًا معذورًا بجهله وعدم علمه أم أنه كفر بمجرد فعل الكفر دون إعتبار لكونه يعلم أو لا يعلم؟

يمثل"أحمد بن عمر الحازمي" مثال نموذجى للغلو فى هذه المسألة التى ترتب عليها توحش تنظيم "داعش" أكثر وأكثر؛ حيث قسم المسائل الشرعية لثلاثة أنواع، النوع الأول: ما يتعلق بمسائل التوحيد والشرك وهذه لا يعذر فيها أحد بجهل أو تأويل سواء بلغته الحجة الرسالية أو لم تبلغه، فكل من تلبس بالشرك كفر دونما نظر إلى العلم أو الجهل واستدل بمجموعة من الآيات والأحاديث منها قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} فوصفه الله تعالى بالشرك حتى قبل أن يسمع كلام الله، متناسيًا أن الآية تتحدث عن الكفار كفر أصلى وليس عن مسلم تلبث بالكفر أو الشرك وهو لا يعلم خاصة وأن هناك مسائل من الكفر مختلف فيها بين العلماء.

النوع الثاني: ما دون التوحيد والشرك وهو ما يطلق عليه المعلوم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة والزكاة وصيام رمضان وتحريم الزنا، فكل من أنكر هذه المسائل وجب الحكم عليه بالكفر، ولا يُقبل منه عُذر الجهل إن ادعاه لكن إن كان حديث عهد بكفر أو نشأ في بادية بعيدة، فلا يكفر إلا بعد إقامة الحجة عليه، وأنكر الحازمى التصنيف المعروف عند العلماء (كفر النوع وكفر العين)، واعتبر أن موانع التكفير لا تمنع الحكم بالكفر بل ترفعه، بمعنى أن الكفر يصدق على هذا الفرد فيكون كافرًا بالفعل لكن يرفع عنه حكم الكفر لوجود مانع من موانع التكفير.


النوع الثالث: المسائل الخفية، وهي التي يدركها العالم وتخفى على الجاهل، مثل حرمة زواج المرأة على عمتها، فهذا النوع فقط هو الذي يؤخذ فيه بمبدأ تحقق الشروط وانتفاء الموانع.


العذر بالجهل تحت المجهر

لم يتفرد كل من الحازمى والبنعلى بهذه المسألة إذ سمحت بيئة الجزيرة العربية بغيرهما كثيرين، ولن نبالغ إن قلنا أن هناك علماء رسميين فى المملكة العربية السعودية كان لهم مثل هذه الأفكار مثل الدكتور "عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين" فقد كتب تلميذه المصرى "مدحت بن الحسن آل فرج" مؤلف كتاب "العذر بالجهل تحت المجهر" والذى يدعو لذات الأفكار تقريبًا ويتبنى نفس التقسيم السابق الذى ذكره "عمربن أحمد الحازمى" غير أنه مثله مثل "بن على" لم يطلق قاعدة من لم يكفر الكافر فهو كافر، وقد كان لمدحت آل فرج هذا درس فى أحد مساجد القاهرة بعد ثورة يناير يؤصل فيه لهذه الأفكار.

بن عثيمين 

لكن واحد مثل الشيخ "بن عثيمين" له مجهود واضح فى الوقوف ضد فكرة عدم العذر بالجهل، حتى أنه جعل العذر أصل وأنه لا يستطيع أن يأتى بأى دليل على نفى العذر إذ يقول: وأما العذر بالجهل: فهذا مقتضى عموم النصوص، ولا يستطيع أحد أن يأتي بدليل يدل على أن الإنسان لا يعذر بالجهل، قال الله تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) الإسراء 15، وقال تعالى: ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) النساء 165، ولولا العذر بالجهل: لم يكن للرسل فائدة، ولكان الناس يلزمون بمقتضى الفطرة ولا حاجة لإرسال الرسل، فالعذر بالجهل هو مقتضى أدلة الكتاب والسنة، وقد نص على ذلك أئمة أهل العلم: كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، لكن قد يكون الإنسان مفرطًا في طلب العلم فيأثم من هذه الناحية أي: أنه قد يتيسر له أن يتعلم ؛ لكن لا يهتم، أو يقال له: هذا حرام ؛ ولكن لا يهتم، فهنا يكون مقصرًا من هذه الناحية، ويأثم بذلك، أما رجل عاش بين أناس يفعلون المعصية ولا يرون إلا أنها مباحة ثم نقول: هذا يأثم، وهو لم تبلغه الرسالة: هذا بعيد، ونحن في الحقيقة - يا إخواني- لسنا نحكم بمقتضى عواطفنا، إنما نحكم بما تقتضيه الشريعة، والرب عز وجل يقول: ( إن رحمتي سبقت غضبي ) فكيف نؤاخذ إنسانًا بجهله وهو لم يطرأ على باله أن هذا حرام ؟ بل إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قال: " نحن لا نكفر الذين وضعوا صنمًا على قبر عبد القادر الجيلاني وعلى قبر البدوي لجهلهم وعدم تنبيههم ".

دار الافتاء  المصرية 

لم تتجاهل دار الإفتاء المصرية هذه المسألة، إذ قررت أن الجهل هو عارض من عوارض الأهلية، وهذا ما قرره الأصوليون والفقهاء فى كتبهم، وإن كانوا قد وضعوا له ضوابط، لكن أقلام معظم الكاتبِين في هذه المسألة -يعني: العذر بالجهل- أقحمت صورًا كأمثلة عليها لا نراها صائبة في التمثيل، وهذا الإقحام بناء على عدة مفاهيم يخالفوننا فيها كمفهوم الإيمان والكفر، والأعمال الشركية ونحو ذلك.

و معظم ما ذكره الأصوليون والفقهاء من ضوابط للعذر بالجهل يمكن رده إلى شيئين؛ ضوابط ترجع للمكلَّف نفسه، أولمتعلَّق الجهل.

أولًا: الضوابط التي ترجع إلى المكلَّف نفسه:

ومرادنا بالمكلَّف هنا هو مَن يتمتع بأهلية أداء كاملة، بمعنى أنه لم يَعْرِض له أي من عوارض الأهلية سوى الجهل، ولا يعذر مَن هذا حاله سوى صنفين مِن الناس:

أولهما: حديث العهد بالإسلام، ومَن نشأ ببلدة بعيدة عن العلماء، ومثلهما مَن كان يقيم ببلد يغلب عليها البدعة، ومَن كان بأرض غلب عليها الكفر بالأولى.

والأصل في ذلك حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه الذي رواه أحمد والترمذي -واللفظ له- بسند صحيح: أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْن مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «سُبْحَانَ الله، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». ورواه عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة في "مصنفيهما"، والنسائي في "الكبرى"، والبيهقي في "الدلائل"، والطبراني في "الكبير" وغيرهم بألفاظ متقاربة، وجاء في بعض روايات الطبراني: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْن وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ...».

وذاتُ أنواط: شجرة عظيمة خضراء قريبًا من مكة، كانت الجاهلية تأتيها كل سنة تعظمها وتعلِّق بها أسلحتها وتذبح عندها، والأقرب أنهم كانوا يعبدونها، وهو ما صَرَّحت به بعض روايات الحديث كما عند الطبراني في "الكبير"، يُعضِّد ذلك أنهم كانوا أهل جاهلية، وعلى ذلك فالقول بأن هذه الشجرة كان يتبرك بها فقط تحكم بلا دليل.

ومحل الشاهد في الحديث قوله: «وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ»
ثانيًا: الضوابط التي ترجع إلى متعلَّق الجهل:
المراد بمتعلق الجهل هو الشيء المجهول، والضابط الذي يرجع إلى ذلك صفةُ المسألة المجهولة من حيث الظهور والاشتهار وعدمه، والأصل في ذلك أن ما كان ذائعًا منتشرًا لا يقبل دعوى الجهل فيه، فلا يعذر به، ولبيان ذلك ننظر في النقول الآتية ثم نتبعها بالتحليل:
دعي الجهل بمعاني ألفاظه؛ لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة] اهـ.

فالذي يُفهَم من مجموع هذه النصوص أن ظهور مسائل الشرع وذيوعها تكوِّنه عدة عوامل بحيث إذا اجتمعت حكم لها بذلك، وبفقدها تكون مِن المسائل الخفية التي يعذر جاهلها مع مراعاة باقي الشروط.

ومردُّ هذه العوامل إلى أشياء؛ منها: أن تكون المسألة معلومة من الدين بالضرورة، ومعنى علمها بالضرورة: أن يستوي في علمها جميعُ الناس لا فرق بين العالم الجاهل، سواء كانت تلك المسائل مِن أصول الدين أو فروعه.

ومنها: أن تكون مِن المسائل المنصوص عليها في الكتاب أو السنة، أو أجمع عليها العلماء ويتناقلها الأجيال على التعاقب بلا خلط أو غلط، أو كونها من المسائل المُحْكَمة التي لا يتطرق إليها تأويل.

ومنها: أنها مسائل لا يتعذر على المكلَّف رفع الجهل عن نفسه فيها عادة، بحيث لا يشق عليه ذلك.

والخلاصة: أن العذر بالجهل يختلف باختلاف جهات أربع، هي الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.