رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
رئيسا التحرير
ماهر فرغلي
صلاح الدين حسن
تقارير وتحقيقات
الجمعة 12/يناير/2018 - 09:11 م

" القاعدة تنظيم أم مجرد تسمية؟

 القاعدة تنظيم أم
اوليفييه روا
aman-dostor.org/5746

هل تنظيم القاعدة موجود فعلا؟ إن هذا السؤال الجدي الذي يثيره كتاب من الصنف الجيد أمثال جاسون بورك [1] يستحق أن يطرح نظراً إلى ما ينسب إلى مجموعة أسامة بن لادن منذ 11 أيلول/سبتمبر 2001 ، من اعتداءات مدريد في نيسان/ابريل 2004 إلى الأعمال المرتكبة في العراق على يد أبو مصعب الزرقاوي (الموجود كما يقال في الفلوجة والذي أتهم أيضا باعتداءات مدريد) إلى تفجيرات بالي (تشرين الأول/أكتوبر 2002) والدار البيضاء (أيار/مايو 2003) واسطنبول (تشرين الثاني/نوفمبر 2003) ومؤخرا تلك التي طاولت السعودية (حزيران/يونيو 2004). يضاف إلى ذلك اعتقال مسؤولين مفترضين في “القاعدة” في كل من بريطانيا وباكستان (آب/أغسطس 2004). ما هو الرابط بين هذه الأحداث كلها؟

إن إلقاء نظرة على مسيرة الأشخاص المتورطين في الحوادث والاعتداءات المذكورة يسمح بتقدير حجم نفوذ “القاعدة” وخصوصا أن لهذه الشبكة تاريخاً. بيد أن الحذر واجب حيث يبين ضعف وحتى بطلان الاتهامات الموجهة إلى أفراد نسبوا إلى “القاعدة” وأسروا في معتقل غوانتانامو (كالفرنسيين الأربعة الذين سلّموا إلى فرنسا في تموز/يوليو 2004) أو أحيلوا على المحاكم أمثال منير المتصدق [2] في ألمانيا.

بالطبع يؤكد البعض أننا لا نرى سوى جزء صغير جداً من جبل الجليد، فـ”القاعدة” شبكة أخطبوطية جرى تنظيمها قبل 11 أيلول/سبتمبر تحتفظ بخلايا نائمة مستعدة للتحرك بناء على تعليمات تصلها عبر رسائل سرية تتلقاها من خلال شبكة الانترنت. هل هذا التصور مقنع؟ لماذا تنتظر “القاعدة” وقتاً كي تتحرك؟ لا بد أن السبب يعود إلى نقص في توافر الشروط التقنية (تجنيد العناصر، تأمين المعدات، الالتفاف على الإجراءات الأمنية) مما يعني أن التنظيم أضعف مما تريد إدارة الرئيس بوش تصويره.

لا يبدو أن لـ”القاعدة” أجندة قائمة على استراتيجيا سياسية محددة (الضرب في تاريخ معين من أجل تغيير مسار الأحداث) بل على العكس إنها تتسم بالنشاطية الانتهازية، أي الضرب في أي وقت من اجل إبقاء مناخ الإرهاب وتقديم البرهان على عدم فعالية التدخل العسكري في أفغانستان والعراق. إن اعتداءات مدريد لا تشكل استثناء كما يشير لورنس رايت [3] لأن برمجة الهجمات لم ترتبط سوى من باب المصادفة بالانتخابات الاسبانية وما كانت لتؤتي مفعولها المعاكس على الرأي العام لولا سؤ التصرف الفاضح لحكومة السيد خوسيه ماريا أثنار.

يمكن اختصارا توزيع الاعتداءات المنسوبة إلى “القاعدة” على صنفين: “الدولية” و”المحلية”. تقوم بتنفيذ الأولى فرق من جنسيات مختلفة تعمل خارج بلدانها الأصلية (في نيويورك وواشنطن ومدريد كما بالنسبة إلى الاعتداءات التي كشفت قبل تنفيذها في لوس انجلس وباريس وستراسبورغ). تنفذ الثانية فرق “وطنية” تعمل فوق أرضها لكنها تطاول أهدافا غربية (الدار البيضاء، اسطنبول، بالي). حتى اليوم فان “الدوليين” هم من المقاتلين السابقين في أفغانستان في حين أن “المحليون” يبدون كأنهم نوع من شركاء ثانويين. حال العراق تبدو أكثر صعوبة على التحليل إذ أن أصول المتطوعين الأجانب في الفلوجة وانتماءاتهم التنظيمية غير محددة.

كل شيء يدل على أن تيار “القاعدة” يشهد تحولا خصوصا بسبب التغيير في معايير التجنيد وبات من الصعب اعتبارها شبكة محكمة التنظيم. في المقابل لا تزال التسمية رائجة وهي تؤمّن دعاية قصوى للنشاطات التي ترتبط إعلامياً بـ”القاعدة”.

ما يسمّى “القاعدة” هو تجمع للمحاربين القدامى في حرب (أو حروب) أفغانستان. فمنذ احتلال القوات الاميركية هذا البلد، ليس فقط لم تعد هذه النواة تتجدد بل إنها تتقلص بفعل الموت والاعتقال. وتتكون هذه النواة من صنفين: الكوادر والعناصر المقربة من أسامة بن لادن والتي تتبعه منذ الثمانينات من جهة، وموجة الأمميين الجدد الواصلين في التسعينات وخصوصا بين 1997 و2001 من جهة أخرى. معين محدود ويسهل التعرف على عناصره.
النواة الصلبة تتكون من مناضلين من الشرق الأوسط في الثمانينات ومطلع التسعينات تجندوا لمحاربة السوفيات. وقد قام هؤلاء المناضلون المسيسون القادمون من بيئات مؤمنة، المتورطون سابقا في حركات راديكالية داخل بلدانهم الأصلية، باللحاق بأسامة بن لادن في تجواله بين اليمن والسودان ليعودوا معه إلى أفغانستان في العام 1996. كثر منهم اعتقلوا أو قتلوا أمثال الشيخ محمد الشيخ، وديع الحاج، محمد عوده، أبو حفص المصري (محمد عاطف)، أبو زبيده، الخ. شاطروا بن لادن حياته وسكنوا في جوار عائلته ضمن المجمعات نفسها وارتبطوا معه بروابط عائلية (كان بن لادن “أعطى” ابنته إلى عاطف). لم يبق من تلك المجموعة سوى المصري أيمن الظواهري.
ظهر “حرس جديد” ذو ميزات مختلفة بعد 1992 ولا سيما ابتداء من 1996 ووصول حركة “طالبان” إلى الحكم. باستثناء السعوديين من بينهم، فان غالبية هؤلاء “الامميين” الشباب تجذروا بمعتقداتهم في الغرب الذي اتبعوا نمط حياته (من خلال دراستهم وسلوكهم وزواجهم عندما لا يبقون عازبين). وقد قدموا إلى الغرب في سن مبكرة إما من أجل تحصيل الدراسة وقد ولد بعضهم هناك، والعديدون حصلوا على جنسية غربية. تحولوا “مولودين جدداً” أي أنهم ينفصلون عن عائلاتهم ويتجذرون سياسيا في سياق “العودة” إلى الدين، كما يمكن الافتراض أن هذه “العودة” تحصل في سياق التجذر السياسي. من بين هؤلاء نجد الملاحين الأربعة في اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر وأيضاً محمد رسام [4] وشبكة بغّال [5] ، زكريا الموسوي [6] ، محمد سليتي عمر [7] . من بينهم من اعتنقوا الإسلام كريتشارد كولفن راي [8] د وخوسيه باديلا [9] . والغريب أن قلة من المناضلين تأتي مباشرة من البلدان الإسلامية (باستثناء بعض منفذي اعتداءات اسطنبول في تشرين الثاني/نوفمبر 2003 وهم من أصل تركي).

عمليا لا يرجع أبناء هذا الجيل إلى بلدان عائلاتهم، فما من جزائري بينهم التحق بـ”الجماعة الإسلامية المسلحة” هناك إذ يفضلون الانطلاق نحو الجهاد الطرفي (أفغانستان، البوسنة ومن بعدها الشيشان إن لم تكن كشمير) بدل المشرق أو المغرب قبل أن يعودوا إلى أوروبا. فيصبح الجهاد وأفغانستان نوعاً من طقس للعبور، إذ يعود الشاب محاطا بهالة “المجاهد” ولو كانت إقامته هناك قصيرة.

في سعيها لتنظيم تدفق المتطوعين الأجانب الذين كانوا يتسببون ببعض التوتر مع السكان المحليين، كلفت حركة “طالبان” أسامة بن لادن (في مطلع العام 1997 على الأرجح) الإشراف على معسكرات “العرب” والداخلين حديثا في دين الإسلام في وقت حافظ الاوزبك والباكستانيون على تنظيماتهم الخاصة. بالتالي فان كل متطوع مسلم غير باكستاني أو من أصول من خارج آسيا الوسطى سافر إلى أفغانستان بين 1997 و2001 كان مضطرا للمرور بمعسكرات “القاعدة” (وبالنسبة إلى قلة منهم بمعسكرات التنظيمات الباكستانية المتطرفة). لا يعني ذلك أن كل من أمضى فترة في هذه المعسكرات هو إرهابي بالقوة.

خلافا للحرس القديم لم يكن أي من عناصر الجيل الجديد من “الأفغان” قريبا من أسامة بن لادن. فالمتطوعين كانوا يخضعون لعملية تصنيف حيث يختار الأفضل من بينهم للعودة إلى الغرب وارتكاب الاعتداءات هناك بعد أن يكونوا تلقوا التدريب اللازم في أفغانستان وخصوصا بعد أن يكونوا قد اكتسبوا روح الجماعة التي تؤمّن تماسك التنظيم. الباقون، أي الأكثرية، كانوا يجندون في الكتيبة الأجنبية للمحاربة إلى جانب “طالبان” ضد قوات احمد شاه مسعود. من هنا تأتي الصعوبة في توجيه اتهامات محددة لمعتقلي غوانتانامو الذين وجدوا فقط ضمن صفوف “طالبان”.

إن هذا الجيل الجديد هو الذي أمّن الكوادر الأساسية التي ارتكبت الاعتداءات الدولية وهذا الجيل هو الذي أمّن فعالية التنظيم وقوته. إن هذه الشبكات هي تعريفاً دولية ومبنية على علاقات شخصية متينة. فهي توفق بين العولمة وتماسك مجموعة صغيرة متجانسة من الرجال الذين يعرفون بعضهم البعض جيدا. إن هذا التضامن بين مقاتلين أمميين سابقين تشاطروا المعسكرات والمعارك نفسها، يؤمّن للشبكات ليونتها ومصداقيتها. وكما برهن على ذلك مارك ساغمان [10] يمكن العثور على روح الجماعة هذه في طرفي رحلة الجهاد الأفغاني الإعدادية. فالتجذر السياسي يحصل بداية ضمن شلة من الأصدقاء (في المدينة الجامعية أو الحي أو المسجد) قبل اتخاذ قرار السفر. وفي أفغانستان (أو البوسنة أو الشيشان) يتم اللقاء مع “أخوة” آخرين يمكن أن يكونوا قادمين من ماليزيا أو باكستان ويمكن زيارتهم في بلدانهم. ويتصرف أعضاء “القاعدة” في الغالب خلافا لأي منطق يسود العمل السري إذ يتقاسمون الشقق السكنية والحسابات المصرفية ويقف واحدهم اشبيناً في زواج الآخر أو يصادق على وصيته الخ… فالانغلاق لا يأتي من تقنيات العمل السري بل من تضامن المجموعة. هكذا فان القيادة والخلايا والشبكات العابرة للبلدان كما سلسلة إصدار الأوامر، تقوم على علاقات شخصية بنيت أما في أفغانستان وأما على المستوى المحلي لتنتقل في ما بعد إلى مستوى يتعدى بلد الأصل في نوع من الحيز المفتوح (الرحلات، الإقامة في بلدان أخرى، الجنسيات المتعددة الخ…). الروح الرفاقية تلعب دورا مهما جدا مضافا إليها أحيانا العلاقات الزوجية غير “التقليدية”: الزواج من شقيقة الرفيق وليس من الفتاة التي يختارها الأهل مما يعني قيام علاقات زوجية حديثة، كما تدل على ذلك شهادة زوجة قاتل مسعود التي أخبرت أن زوجها كان يرتي ثيابه بيده [11] . إن في هذه العلاقات الشخصية قوة التنظيم وضعفه.

يكفي الشرطة أحياناً تفكيك شبكة كاملة من خلال مناضل واحد معروف (ولو أدى ذلك إلى تجريم أبرياء ذنبهم الوحيد أنهم شاطروه غرفة سكن أو قصدوا الجامع الذي كان يصلي فيه). هكذا فان البوليس الفرنسي كان قد ابلغ السلطات الاسبانية عن جمال زوغام احد المسؤولين عن اعتداءات مدريد فاعتقل لفترة وجيزة.

بالرغم من غياب قاعدة معلومات حول المتطوعين في أفغانستان إلا أنه تم التعرف على عدد متزايد منهم من خلال الوثائق التي تم العثور عليها هناك أو من خلال التوقيفات وجوازات السفر المزيفة… لكن مع فقدان المعقل الأفغاني بشكل خاص لم يعد من وجود لمكان يعاد فيه إنتاج علاقات التضامن بين المناضلين الرواد. ولو أشير إلى الشيشان أو الساحل أو المناطق القبلية في باكستان وحتى مدينة الفلوجة، فان أياً من هذه الأماكن لا يتمتع بالتسهيلات من الإدارات المحلية ولا يمكن أن يشكل معقلا مستديما بسبب الرقابة والضربات التي تستهدفه. بعبارة واحدة فان جيل “الأفغان” الأوائل يتناقص (وأسلوب العمليات الانتحارية يساهم بالطبع في هذا التناقص) كما يجد صعوبة في تجديد نفسه.

من اجل تفادي التهميش كان على “القاعدة” توسيع دائرة تجنيدها وإبرام تحالفات. لكنها لا تتمتع ببدائل كونها لا تمثل حركة سياسية لها قيادتها السياسية وبنيتها العسكرية ورفاق الدرب والمنظمات الدائرة في فلكها الخ… فشبكة النشطاء هذه لا مبرر لوجودها إلا بمدى ارتكاب الاعتداءات ولا يبدو في الأفق أي توجه نحو العمل السياسي. بمعنى أن “القاعدة” لا يمكن أن تتحالف سوى مع المجموعات المقاتلة (حتى لو كان لهؤلاء بعد سياسي كـ”طالبان” أو كما في الشيشان).

يوجد إمكان لثلاثة أشكال من استراتيجيات التحالف أو خطط البدل: استخدام التسمية، المشاركة أو أعمال اللصوصية.

إن استخدام التسمية جار على قدم وساق. فمرتكبو الاعتداءات “المحلية” يدخلون في هذا الصنف سواء سافروا إلى أفغانستان في يوم من الأيام أم لا. هكذا تقوم مجموعة محلية بدون علاقة مباشرة مع قيادة “القاعدة” كما في الدار البيضاء (أو مرتبطة بهذه القيادة بطريقة غير مباشرة كما في اعتداءات اسطنبول وجربه) باعتداءاتها باسم “القاعدة” أو أن “القاعدة” تتبنى أعمال هذه المجموعة المحلية.

يكفي من جهة أخرى أن ينسب الرأي العام أو السلطات المحلية الاعتداء إلى “القاعدة” كي تحصل النتيجة نفسها. فالأهداف واسعة بما فيه الكفاية (كل ما يتعلق بالوجود الغربي أو اليهودي أو المصالح الاميركية) بحيث يحدث دائما هنا أو هناك ما يوحي أن تنظيم “القاعدة” موجود في كل مكان.

تراوح هذه المجموعات البديلة بين الشبكات المحكمة التنظيم والجذرية (الجماعة الإسلامية في اندونيسيا أو المجموعات المتطرفة في باكستان وقد ذهب عناصر منها إلى أفغانستان مع “القاعدة” وصولا إلى جماعة الزرقاوي في العراق) والعصبة الشبابية المتمردة تتزواج فيها ظاهرة اللصوصية والفرقة المغلقة حول زعيم محلي كما في اعتداءات الدار البيضاء. يمكن أيضاً أن تتشكل خلايا في أوساط مستخدمي الانترنت من المتعلمين ومتقني اللغات تدّعي الانتساب إلى “القاعدة”. في المختصر أن “القاعدية” يمكن أن تستمر بعد غياب “القاعدة”.

ويسهل استخدام التسمية وخصوصا بسبب وجود تيار راديكالي يجند العناصر وينشط وفق أنماط عمل “القاعدة” من دون ارتباط عضوي بها كما في فرنسا بالنسبة إلى شبكة خلخال [12] وعصابة مدينة روبيه [13] عامي 1995 و1996. يمكن أيضاً الافتراض أن أعضاء في حركات أصولية غير جهادية ( أمثال “التبليغيين” [14] وحتى حزب التحرير [15] ) يقررون التحول إلى النشاط العسكري بصورة انفرادية تحت تسمية “القاعدة”. فالاعتداءات التي حصلت في طشقند في تموز/يوليو 2004 ضد السفارتين الاميركية والإسرائيلية يمكن أن تكون من فعل عناصر من “الحركة الإسلامية في أوزبكستان” قاتلوا مع “القاعدة” ضد الاميركيين في أفغانستان أو من فعل منشقين عن “حزب التحرير” ولو أن الفرضية الأولى أقرب إلى التصديق.

كما يمكن لـ”أفغان” سابقين أن يستقلوا بنشاطهم كالزرقاوي (مهما كان الدور المنسوب إليه) فيما للمتطوعين الموجودين في الفلوجة مصلحة في الاستفادة من تسمية “القاعدة” وإيهام أخصامهم بأنهم ينتمون إلى شبكة أكثر تنظيما مما هم عليه في واقع الحال.

الوضع في السعودية أكثر تعقيدا. فنجد من جهة عدداً كبيرا من المتطوعين السابقين في حرب أفغانستان من بين العناصر الأكثر تطرفا والتي أطلقت هجمات العام 2004 (التمثيل السعودي مرتفع بين المتطوعين المسلمين في جميع الجبهات من أفغانستان إلى الشيشان مرورا بالبوسنة). نظرا إلى الأصل السعودي لأسامة بن لادن ودوره في انتقال السعوديين إلى أفغانستان في الثمانينات عندما كان لا يزال مسموع الرأي لدى مخابرات بلاده (القطيعة بينه وبين النظام السعودي كانت نسبية في البداية ولم تحسم إلا في العام 1991) فمن المحتمل أن تربطه معرفة شخصية برؤساء المجموعات الناشطة.

إن الاعتداءات التي وقعت في السعودية تستهدف الأجانب (بمن فيهم العرب) ورموز الوجود الأجنبي أكثر مما تطاول جهاز الدولة وهي بالتالي تندرج في خط أعمال “القاعدة”. ولو أن الإرهابيين يتمنون صراحة زوال الملكية إلا أن الأسلوب المعتمد لا يشكل نهجا ثوريا في هذا الاتجاه. من جهة أخرى لا يوجد داخل التيار السعودي هذا أي متطوع أجنبي ولا يملك مناضلوه خبرة نابعة من مسار معولم باستثناء مرور في أفغانستان أو الشيشان خلافاً لسائر عناصر “القاعدة”. أخيراً لا توقّع المجموعة السعودية أعمالها باسم “القاعدة” ولو أنها لا تنكر هذا الانتساب.

يمكن فهم انتشار التسمية الواسع وفق منطقين متناقضين: إرادة الأنظمة، من طشقند إلى موسكو، في توريط “القاعدة” إعلامياً كي تنسب نفسها في المقابل إلى نادي مناهضة الإرهاب وجعل الرأي العام ينسى سياساتها القمعية. لكن الناشطين الراديكاليين لهم أيضاً مصلحة في الإيهام أن تنظيم “القاعدة” كليّ الوجود حيث يظهر أسامة بن لادن كأنه قائد اوركسترا كبير يؤمن لـ”الصغار” أوسع صدى لأعمالهم.

إنها في الواقع سياسة بيع للاسم التجاري حيث أن المنظمة الأم قد حددت المفهوم وراحت تعطيه لوكلائها. ويسهل الأمر خصوصاً أن “القاعدة” لم تكن يوماً منظمة “لينينية” حريصة على الرقابة اللصيقة على أعضائها. فهؤلاء يحظون عموما بالكثير من الاستقلالية ويترك المركز حرية المبادرة للشباب وحتى للمنضوين الجدد (وهذه ظاهرة جديدة في منظمة إسلامية راديكالية).

إما البحث عن التحالفات فيتم على حساب النقاوة الإيديولوجية وليس لـ”القاعدة” خيار في ذلك إذا أرادت تحاشي العزلة. فيتعاون عناصرها بانتظام مع مجموعات إسلامية ذات أهداف محلية محضة كـ”طالبان” والمتطرفين الشيشان أو السنة العراقيين وجميعهم يؤمنون بمبدأ الجهاد. يمكن لهذه التحالفات أن تتطور في اتجاهات ثلاثة:

- التحالف مع حركات قومية أو عرقية كما في البوسنة والشيشان والعراق كما يبدو. لكن في هذه الحالات الثلاث لا يتبع “الامميون” استراتيجيتهم الخاصة بل يعملون فقط كطليعة عسكرية في إطار من النشاط المحلي الوطني. يتحولون بالتالي إلى نوع من “كتيبة أجنبية” يصار إلى التخلص منهم ما أن تضع الحرب أوزارها كما حدث في البوسنة ويمكن أن يتكرر في العراق.

بيد انه ليس من المستبعد أن تلجأ بعض الشرائح المتطرفة في الحركات الوطنية ومن باب اليأس إلى إعطاء النزاع بعدا دوليا على غرار ما فعله الفلسطينيون في السبعينات. إن حركات التحرر الوطني ومهما بلغ دور الإسلام فيها (حركة حماس الفلسطينية وأنصار شامل باساييف في الشيشان) تحافظ على مجريات الصراع ضمن أراضيها وضد من تعتبره القوة المحتلة. فلم يلجأ أي من عناصر “القاعدة” إلى التحرك في الحيز الإسرائيلي – الفلسطيني كما لم يشارك أي فلسطيني، في المقابل، في نشاطات “القاعدة”. لكن لا يمكن الجزم بان لا تعمد بعض الجماعات، وفي مواجهة القمع والعزلة الدولية، إلى توسيع دائرة النزاع من خلال التحالف مع التيار “الاممي” المناصر لقضيتها.
- التلاقي بين “القاعدة” وشريحة من اليسار الراديكالي العنيف من ورثة مجموعات بادر ماينهوف الألمانية و”العمل المباشر” الفرنسية أو “الألوية الحمراء” الإيطالية وصولا ربما إلى أقصى اليمين. فالعدو واحد وهو النظام العالمي المتمثل في “الامبريالية الاميركية”. و”القاعدة” تثير إعجاب الباحثين عن قطيعة مع النظام القائم وهي تستفيد من زوال اليسار الماركسي المتطرف بصورة شبه كاملة بعد أن التحق بتيار العولمة المغايرة الذي لا يطاول تماما حيز التهميش والبؤس الاجتماعي. حتى اليوم كان شرط الانتماء إلى “القاعدة” اعتناق الإسلام لكن قد يصار إلى الاستغناء عن هذا الشرط. في كل حال أن أهداف “القاعدة” ليست دينية أبداً وإن عداءها للسامية يشبه الشعور التقليدي نفسه في أوروبا (محامي بادر السابق، السيد هورست ماهلر، وبعد انتقاله إلى صفوف اليمين المتطرف وجد نفسه في تشرين الأول/أكتوبر 2002 يشارك في حفل خطابي من تنظيم “حزب التحرير” الإسلامي المتطرف المعروف أيضا بعدائه الشديد للسامية).

ويمثل المعتنقون الجدد للعقيدة الإسلامية مؤشراً جيداً إلى التحولات القادمة إذ يمكن لهذا الطريق المفتوح بين الشبان الغربيين والإسلاميين المتطرفين أن يكون سالكاً في الاتجاهين، أي أن “يعود” هؤلاء الذين أسلموا إلى مناطقهم الأصلية ليبحثوا فيها عن تحالفات من أجل أعمال إجرامية أو تحركات سياسية. فالسيد أيليش راميرز سانشيز المعروف تحت اسم “كارلوس” أعتنق الإسلام في السجن وأشاد ببن لادن في كتابه الأخير “الإسلام الثوري” [16] مثله مثل ناديا ديسديمونا ليوتشي الناجية الوحيدة من مجموعة “الألوية الحمراء الإيطالية” بعدما اعتقلتها الشرطة في شباط/فبراير 2003. والعديد من حالات دخول الإسلام هي أقرب إلى الالتزام السياسي منها إلى الاقتناع الروحي. انه اعتناق لمبدأ الاعتراض.

- الاتجاه نحو المرتزقة واللصوص. إذا تم في النهاية القضاء على مركز “القاعدة” فان عددا من “الأفغان” السابقين أو أعضاء مفترضين في هذه الشبكة لا بد أن ينزلوا إلى السوق ما تعلموه من تقنيات ونظّموه من شبكات واكتسبوه من شهرة. وذلك للارتباط بمجموعات مافياوية أو التحول هم أنفسهم إلى مافيا أو إلى مرتزقة في خدمة أجهزة المخابرات السرية كما تحول في وقت من الأوقات الفلسطيني أبو نضال أو كارلوس.

حتى الآن لا تجرؤ أي دولة على تعاون من هذا النوع خشية استثارة رد فعل اميركي مباشر عليها. لكن الوضع قد يتغير إذا غرقت الولايات المتحدة في العراق وأظهرت ضعفها وإذا ما تفككت شبكات “القاعدة” واختلطت الأهداف بالوسائل في “الحرب على الإرهاب” لتنفتح منطقة رمادية لا يعرف فيها من يحارب من أو من يحالف من ولماذا. إن حصول هذه التطورات ممكن لا سيما أن الحيز الذي يتحرك فيه المناضلون الامميون يفترض وجود ارتباطات وأشكال دعم من شبكات التهريب مع احتمال تواطؤ داخل أجهزة الدولة كما في المناطق القبلية الباكستانية مثلا.

في مختلف الأحوال إن ظاهرة “القاعدة” وما يتفرع عنها، تتخطى قبل كل شيء الإطار الوطني المحلي وليست لها سوى روابط ظرفية مع الشرق الأوسط. فدينامية التعبئة والتحرك ليس لها سوى ارتباط غير مباشر بنزاعات المنطقة المندرجة ضمن المنطق القومي الوطني قبل كل شيء. هناك إفراط في إظهار الطابع الإسلامي لـ”القاعدة” وتغاض عن بعدها الشمولي المعادي للامبريالية والمناصر للعالم الثالث. يقوم منطق الحركة هذه على أن تتبوأ الصف الأمامي في حركة الاعتراض على النظام القائم والقوة الاميركية الكبيرة أكثر منها على الدفاع عن الإسلام

________________________________________
[1]
Al Qaeda, casting a shadow of Terror, I. B. Tauris, Londres,, 2004

[2] اتهم بلعب دور الحماية الخلفية للمعتدين على مركز التجارة العالمي
[3]
Lawrence Wright “ The Terror Web, Where the Madrid bombings part of a new Al Qaeda Strategy, - driven by the Internet ? ” The New Yorker, 2 août 2004.

[4] أوقف على الحدود بين الولايات المتحدة وكندا في كانون الأول/ديسمبر 1999 وبحوزته متفجرات وقد “تعاون” فيما بعد مع القضاء الاميركي.

[5] اتهم بالإعداد في فرنسا عام 2002 لاعتداء ضد السفارة الاميركية في باريس.

[6] فرنسي اعتقل في الولايات المتحدة بتهمة المشاركة في اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر.

[7] المعروف بـ”أبي عمر” وقد اتهمه القضاء البلجيكي بإيواء وإرشاد اثنان من الانتحاريين التونسيين الذين اغتالو احمد شاه مسعود في 9/9/2001

[8] أدين بمحاولة دس المتفجرات في حذائه خلال رحلة باريس ميامي بالطائرة يوم 22/12/2001.

[9] أوقف في مطار شيكاغو في ايار/مايو 2002 وأتهم بتوفير المعلومات للقاعدة من اجل بناء قنبلة مشعة. اقرأ
Augusta Conchiglia, “ Dans le trou noir de Guantanamo ”, Le Monde diplomatique, janvier 2004.

[10] Sageman Understanding Terror Networks, University of Pennsylvania Press, 2004

[11] Malika el Aroud, Les soldats de Lumière, A. S. B. L. Les Ailes de la Miséricorde, rue de l’Eglise Sainte-Anne 93, 1081 Koekelberg-Bruxelles, Belgique, 2003

[12] شبكة يتزعمها خالد خلخال الذي قتل على يد الشرطة وهو متهم بالوقوف وراء موجة اعتداءات في فرنسا منها تلك التي استهدفت مترو سان ميشال في تموز/يوليو 1995
[13] ارتكبت عدة أعمال سطو مع إطلاق نار في المنطقة عام 1996.
[14] أو جماعة التبليغ وهم من دعاة التبشير بالإسلام والموجودون في السعودية والمغرب وبلدان المحيط الهندي
[15] وقاعدته لندن. اقرأ
L’islam au pied de la lettre ”, Le Monde diplomatique, avril 2002. Edition du Rocher, Paris, 2003

[16] استنكرتها رابطة أساتذة العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنظمة “أتاك”. وقد تقدم احد أساتذة الفلسفة، جيلبير مولينيه، بدعوى ضد هذه اللعبة غير الشرعية www.molinier.org