رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الأربعاء 10/يناير/2018 - 09:06 م

كالعادة.. التاريخ يكذب "زيدان" وينتصر لرموز مصر الوطنية

كالعادة.. التاريخ
كتبت : شيماء عيسى
aman-dostor.org/5686

عرابي كان أول داعي للدستور من أبناء مصر الكادحين
الراحل صلاح عيسي قبل وفاته: نحن الان في موسم الهجوم على الرموز القومية والوطنية
رئيس الجمعية التاريخية: ثورة عرابي كانت إحدى الحوادث الهامة التي اعقبها الاحتلال الإنجليزي للبلاد

عادة ما تستدعي ذكرى ثورة عرابي فخارا عند كل مصري إذ يرتبط يوم 9 سبتمبر 1881 بوقوف الضابط الفلاح أحمد عرابي وخلفه 4 آلاف جندي والجماهير الغفيرة، متحديا جبروت الأتراك والجراكسة وهيمنتهم على مقاليد البلاد، ومفوضا عن الأمة بمطالبها وأهمها زيادة الجيش إلى 18 ألف وتشكيل مجلس شورى النواب وعزل وزارة رياض، ولما جاء رد الخديوي توفيق بأنهم عبيد إحساناته وقد ورث الأرض عن اجداده، اختزل عرابي كرامة وضمير شعبه ورفض تلك اللهجة قائلا "لن نستعبد بعد اليوم"  . 

جرت هزيمة التل الكبير واحتلال انجلترا للبلاد، لكن سيل الوثائق والشهادات تعترف بدور عرابي ووطنيته؛ ولكن د. يوسف زيدان الروائي وخبير المخطوطات رأى ما يخالف ذلك بحلقة مذاعة من برنامج "كل يوم" مع الإعلامي عمرو أديب، ووصل الأمر لاتهامه بتلفيق قصة عرابي بالمناهج والكتب، واصفا زعيم الثورة بـ"الفأر" الذي لم يشاهد الخديوي في حياته، ومتهما إياه بالتسبب في ضياع البلد واحتلالها 70 عاما، فهو رجل عامل "غاغة" ولا يملك شيئا وعايز يحكم ! وبالطبع عُرف زيدان بمواقف أشد غرابة من صلاح الدين الأيوبي بل وعروبة القدس وقصة الإسراء وغيرها، ظلت موضوعا لنفي المؤرخين.

وجاءت تصريحات زيدان على الهواء بعد أشهر قليلة من هجوم مماثل شنه الكاتب إبراهيم عيسى على عرابي نافيا عنه الزعامة ومؤكدا اختلاق ضباط ثورة يوليو لقصة عرابي، واعتبر أن عرابي سعى لرسم زعامة من وحي خياله بعد المعاملة القاسية التي عومل بها بعد عودته من المنفى، وهجاء أمير الشعراء له، وهو الرأي نفسه الذي نجد أن وزير الثقافة الحالي الكاتب حلمي النمنم قد تبناه في وصفه للاختلاقات بتاريخنا المعاصر! 

مختصون: موسم الهجوم على رموز مصر

تعليقا على التصريحات المسيئة للزعيم عرابي، قال د. أيمن فؤاد رئيس الجمعية التاريخية: أستعجب من نقل أحاديث غير دقيقة من قبل غير المتخصصين على الهواء، ووقفة عرابي مثبتة تاريخيا بوثائق وشهادات المصريين والقناصل الغربيين، ومن غير المفهوم نفيها اليوم، ربما قال مؤرخون من قبل ببعض المبالغات بعبارات عرابي أوردها حين نقل الواقعة بمذكراته، لكن وقفة عابدين ذاتها كان لها معاصرون وكتبوا بالصحف والكتب بما لا يدع مجالا لشك وقد كانت إحدى الحوادث الهامة التي اعقبها الاحتلال الإنجليزي للبلاد، وكانوا يحتاجون لمجرد ذريعة للتدخل الذي كان مخططا له من قبل بالفعل.

يقول "فؤاد":هناك أخطاء تاريخية بالغة أوردها زيدان غير واقعة عرابي مثل تأصيل كلمة "أولاد الناس" بأنها سبة والحقيقة أنها كانت تقال للمماليك من غير الاصول العربية، وما قاله عن المصحف العثماني وكلها أشياء تحتاج لمراجعة.

أما الرحل صلاح عيسى الذي وضع كتابا مهما عن "الثورة العرابية" فكانت تصريحاته لنا قبل ومرضه بعدة ايام فقال" أن تكرار مزاعم المعادين للثورة أمر مريب اليوم، مؤكدا أن هذه المزاعم حين قالها مؤرخون من قبل تم الرد عليها بالوثائق، وقد استشهد بكتابه بشهادات لقناصل غربيين ومنهم قنصل فرنسا ومثقفين مصريين عاصروا الثورة العرابية، والتي كانت تفويضا من الجماهير لأحد أبناء البلد للمطالبة برفع المظالم عنهم، ودعا "عيسى" لرفع المظلومية عن ثورة واجهت الظلم الذي عاناه المصريون وقادها لأول مرة زعيم وطني من أبناء البلد الكادحين. ورأى "عيسى" أن موسم الهجوم على رموز قومية ووطنية له خلفيات علينا فهمها الآن.
وطنية عرابي لم تكن محل خلاف!

بالبحث في أرشيف الصحف والكتب الصادرة، نرى حفاوة بالغة غلبت على الكتابات عن عرابي رغم ما تخللها من نقد لمثالب الغفلة عند الثوار والتي أدت لما جرى من هزيمة أمام الإنجليز، والحفاوة جاءت حتى من أبناء المعسكر الإنجليزي المفترض عدائه للثوار؛ وسنرى تلغرافا أرسله السير "كولفن" المراقب البريطاني لوزارة الخارجية يؤكد أنه عدل عن آرائه في الحركة المصرية، والتي اعتقد في الماضي أنها روح استياء في الجيش فقط ثم تبين أن ذلك غير صحيح، داعيا لعدم اتخاذ خطوات عدائية لمقاومتها، كما شهد الأمير كامل وهو أحد أعضاء الأسرة الخديوية وعضوا بالحكومة المؤقتة، أن عرابي كان وطنيا بمعنى الكلمة.
وقالت الأميرة نازلي كما نقل عنها الكاتب أنور زقلمة بمقاله المنشور 1931 بـالـ"المجلة الجديدة" قولها أن عرابي كان أول وزير وطني جعل الأوروبيين يحترمونه وكان عفيف اليد لم يترك بأملاكه التي تمت مصادرتها سوى فدادين ثمانية ورثها عن أبيه وأرضا لم تستصلح، كما كتب البطريرك لأحد معارفه بانجلترا خطابا أثناء الحرب يدافع فيه عن عرابي الذي عُرف بروحه المحبة لعنصري الأمة، مسلمين وأقباط، بعكس موقفه من الأرمن والأتراك والغرب عموما ممن استغلوا تزايد ديون مصر بنهاية عصر اسماعيل وولوا مراقبين ماليين بالحكومة من فرنسا وإنجلترا وحكومات موالية لهم لهبت ظهور الفلاحين بالضرائب والممارسات الربوية ومنعتهم حق الاعتراض أو تقرير مصيرهم، بتواطؤ مع القصر الحاكم. 

كان عرابي أول داعيي الدستور من أبناء مصر؛ وهو من قال " متى اجتمع البرلمان انتهت مهمة رجال الجهادية لأن المجلس يمثل الأمة" كما ألغي أثناء توليه الوزارة السخرة وسعى لحماية الفلاحين وأنشأ البنك الزراعي وغيرها من الإنجازات التي اوردها بمذكراته وشهد المعاصرون بصدقها. 

ويكفي أن نقرأ مقالا كتبه تادرس المنقبادي وهو أحد شيوخ الصحافة بمجلة "المجلة الجديدة" من أشعار حماسية قالها المصريون تزامنا مع وقفة عرابي وتمهيدا لها، وقالها العرب معهم من دمشق ولبنان، وجاء منها: 

بالنصر جاء الكتاب بشيرا وبه أتى هادي الأنام مشيرا يا احمد المرجو لمصر ومن غدا فينا أمينا للجيوش أميرا . 

عرابي الثائر 

يقول الرافعي مؤرخ عصره بكتابه عن ثورة عرابي، وعن مشهد وقفة عابدين: غصت أطراف الميدان بالجموع الحاشدة من الناس الذين جاءوا ليشهدوا هذا المنظر، وامتلأت نوافذ البيوت المجاورة للسراى وأسطحتها، وكان الموقف رهيبًا، لأن مجىء الجيش متهددًا متوعدًا، واحتشاده بأسلحته وذخائره ومدافعه أمام السراى الخديوية يحاصرها ويسد المسالك على من فيها، خليق بأن يفزع الخديو ووزراءه، خاصة وأن حرس الخديوى تركه وانضم إلى الجيش الثائر" وقال أنه لما دنا من الخديوي صاح أحد الحراس "ترجل واغمد سيفك" ففعل وأمر 30 ضابطا خلفه بأن يفعلوا.

وتنقل لطيفة سالم بكتابها "القوى الاجتماعية في الثورة العرابية" شهادات موثقة عن شهود عيان بازدحام ساحة عابدين عن آخرها في وقفة عرابي امام القصر، وأنه كان في القاهرة "يوما منشودا".

كان عرابي موضوعا لمسرحية شهيرة ألفها عبدالرحمن الشرقاوي وكان أحد أبطالها يقول "إن ضغط الظلم فجر في الناس الشجاعة" وكان محمود الخفيف قد أصدر كتابا هاما واصفا عرابي بالـ"مفترى عليه" باعتباره أول مصري فلاح في تاريخنا الحديث يخرج بين العامة ويضطلع بمطالب الأمة ويسير على رأس جيش من بنيها يزود عنها. 

كما أن الوثائق تثبت أن انجلترا كانت بالفعل قد عزمت على احتلال البلاد، يقول ألفريد بلنت صديق عرابي ومؤلف "التاريخ السري لاحتلال انجلترا مصر": أن وزارتي الحرب والبحرية في انجلترا قد عقدتا النية منذ اوائل السنة ان يكون الهجوم على مصر من ناحية قنة السويس وانه تقرر في اواسط يوليو ان تمهد السبل لذك بالرشوة بين بدو الشرق. 

لقد هتف الناس لعرابي خلال الثورة قائلين "العسكر بالطوابي.. الله ينصر عرابي" إلا أن أحدا من هؤلاء لم يتوقع خيانة ديليسبس رئيس شركة قناة السويس والذي رفض اقتراح عرابي بردم القناة لإغلاق الطريق أمام الإنجليز، مؤكدا أنهم سيقفون على الحياد، واستحالة تمرير سفن غربية لمهاجمة الثوار.. وهو ما حدث عكسه بالطبع.. كما لم يتوقع المصريون خيانة بعض الضباط وبدو الصحراء ممن أطلعوا الإنجليز على ثغور المصريين.. نصف ساعة كانت كافية لإنهاء حلم تحرر المصريين، حسبما ورد بمذكرات عرابي وكتابات المؤرخين بعده ومنهم عبدالعظيم رمضان.و لقد تمت مصادرة كتاب للعقاد باسم "ضرب الإسكندرية في 11 يوليو" بعد اتضاح أنه سمى ثورة عرابي باسمها، ولقب زعيمها ببطل الحرية والدستور. 

في مذكراته يقول عرابي: "لنا أن نتخيل جيشا يحارب في معركة وحكومته وحاكمه يتآمرون ضده ويتحالفون مع العدو.. لا أعتقد أن أعظم جيوش العالم يمكنها تحقيق النصر في تلك الظروف".