رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
قضايا
الثلاثاء 09/يناير/2018 - 12:07 م

تفكيك مقولات أفكار خوارج العصر "داعش"

تفكيك مقولات أفكار
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/5631

يقول الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: "إن داعش ليست منظمة إرهابية فقط، بل هي فكرة خبيثة، فالأيديولوجيا التي قامت عليها هي نفسها التي قامت عليها القاعدة، وهي نفسها التي قامت عليها أخواتها في نيجيريا وباكستان وأفغانستان والصومال واليمن وفي بلاد المغرب العربي وفي بلاد الجزيرة العربية، وهي نفسها التي بدأت تضع بذورا لها في أوروبا وأميركا وغيرها من بلاد العالم.. داعش ليست منظمة إرهابية فقط بل هي تجسيد لفكرة خبيثة، ولا يمكن هزيمة فكرة خبيثة باستخدام التحالفات العسكرية فقط، بل بالفكر السليم والمنظومة الثقافية والدينية".. واستجابة لذلك كان لزاماً على "البوابة" بعد تلك الأحداث الجسام التى تمر بأمتنا، كما تمر بالعالم أجمع عقب الأحداث الإرهابية بباريس، التى ألصقت تهمة الإرهاب والترويع بالإسلام، أن تعرض هذه الأفكار المتطرفة، ثم تقوم بتفكيك أدواتها، ومناهجها، بردود وسطية سليمة، فالفكر الوسطى في النهاية هو من ينتصر.

انطلقت تنظيم الدولة "داعش"، في البداية من ذات التصور للقاعدة، ولأسباب تاريخية تتعلق بتعدد مشارب الحركات والمجموعات الجهادية التي شكلت تيار السلفية الجهادية، واتحدت إلى حد ما في شبكة القاعدة، اعتنق الفكر التكفيري، وغلب نسق الغلو لديه بشكل أكبر، وهو ما رصدته إحدى وثائق "أبوت أباد" لبن لادن، في المنتديات الجهادية، حيث توسع التنظيم في التكفير، وفي القتل بناء على التوسع في التكفير، كما توسع في نظرية "التترس"، أو قتل من لا يبايع البغدادي، وهو ما انتهى بالشقاق الحالي بين التنظيمين، ومن خلال أدبياته اتضح أن أهم الأفكار كالتالي:

الإمامة: حيث قال أبي سفيان تركي بن مبارك البنعلى، في كتاب (رد على ابي محمد المقدسي)، "وقد انتصب للإمامة في العراق والشام، أمير المؤمنين أبو بكر البغدادي حفظه الله، فأسقط الإثم عن غيره، ووجب على المسلمين في القطر بيعته والتحامكم إليه، فإن وقعت جناية من بعض جنده فحكمه إليه، كذا لو وقعت من بعض رعيته، بل كذلك لو وقعت من أهل الذمة من أهل الكتاب - ومن له شبهة كتاب- ممن هو داخل في سلطانه".

كما قال: "أقول للذين يشككون في تمكن دولة العراق الإسلامية وسيطرتها على الأرض؛ هل يستطيع أحدٌ أن ينكر أن الدولة المباركة تسيطر على الأقل على كيلومتر مربعٍ واحدٍ من أرض العراق؟ فإن كان الجواب بنعمٍ، وهو كذلك بفضل الله، إذن فلماذا تنكرون عليها أن تقيم دولة إسلاميةً على الأرض التي تسيطر عليها؟ وكم كانت مساحة دولة المدينة المنورة قبل غزوة الأحزاب؟ وكيف كان حالها في غزوة الأحزاب؟".

وقال أحد مفكرى السلفية الجهادية، د. طارق عبد الحليم في موقعه الشخصى: "إن المشكلة الكبرى التي تواجه حركة الجهاد المُتقدمة حاليًا في العراق هي ذلك المنهج الذي تتبعه جماعة البغدادي، والذي يقوم أساساً على: رفض المخالف رفضاً تاماً قاطعاً، واعتباره خارجا عن "الدولة"، ومن ثم استحلال دمه وماله، وهو ما يُعرف بالمذهب الحروريّ، الذي تبنته تلك الجماعة، منذ نشأتها. وهذا دين التعصب، الذي يُعمى المرء فلا يرى إلا ما يراه، وكأنّ غيره لا عقل له ولا دين".

الحكم بالكفر على المتعاونين مع المرتدين:

كانت هناك مسألتان هامتان، شغلتا داعش، وهما، هل أخذ بيعة من رجلٍ انتمى إلى الجيش الحر كفرٌ؟ وهل قتال مسلمين لمسلمين آخرين بالاشتراك مع مرتدين، كفرٌ؟، وكانت الإجابة على السؤالين، لدى قادة الدولة الإسلامية، تعنى الحكم بالكفر على من انتمى للجيش الحر السوري الذي يقاتل بشار، والحكم بالردة على المتعاونين معه، وكذلك الحكم بالكفر فى مسألة قتال مسلمين لمسلمين آخرين بالاشتراك مع مرتدين، وبالطبع فإن أحكام الردة تتسع لديهم بشكل لم يسبق له مثيل.

وقالوا "إن معركتنا مع الحكام الطواغيت من اليهود والصليبيين والرافضة والمرتدين إنما هي معركة مع أنصارهم وجندهم وأوتادهم ،(واختلف أهل التأويل في معنى قوله تعالى (ذي الأوتاد) ولمَ قيل له ذلك ؟ فقال بعضهم: معنى ذلك: ذي الجنودالذين يقوون له أمره، وقالوا: الأوتاد في هذا الموضع الجنود، ونحن نقاتل لإعلاء دين الله تعالى الذي ارتضاه لنا ونَكبِتكلَ دين باطل على هذه الأرض وذلك امتثالا لأمره تعالى:(قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يؤُمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ) سورة التوبة / ٢٩، أما حكم أنصارهم من علماء السوء والإعلاميين والجنود وغيرهم فهم كفار على التعيين (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ علِيمٌ)الأنفال، آية 42.

ورد أيضًا الدكتور طارق عبد الحليم، قائلاً: "فإنه يجب أنْ يُعرف دين المُبَايِع، فعلى سبيل المثال، فإن الجيش الحرً، بما أعلن عن نفسه وعقيدته، ليس مسلمًا، بل قوميّ كافر مرتدٌ، يوالى كفاراً، ويقاتل كفارًا، ولا يرضى بحكم الله حكماً. لكن، هذا لا يعنى أنّ كلّ معينٍ في صف هذا الجيش كافرٌ مرتد، هذا من جُرم التعميمات والاطلاقات، بل منهم من يحارب دفعاً لضرر النصيرية، وممن يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويرضى دينه، ولا يصله عن الجماعات الإسلامية إلا تناحرها وتقاتلها.

وأضاف: وتحديد إسلام طائفة من عدمه، يتوقف على أمرين، عقيدتها المعلنة، وتصرفاتها على الأرض، فإن كانت عقيدتها المُعلنة هي الرضا بتحكيم الشرع، ورفض الكفريات الظاهرة والبدع المكفرة كلها، فهي مسلمة، سواء كانت باغية أو غير باغية، مرتكبة لمحرمات أم لا".

اعتبار تنظيم جماعة الدولة واجبة البيعة:

واستدلت داعش، بقول الظواهري من قبل إن الجماعة دولة شرعية، وليست جماعة، بما جاء في اللقاء المفتوح معه على موقع التوحيد والجهاد، حين قال: الدولة خطوةٌ في سبيل إقامة الخلافة أرقى من الجماعات المجاهدة، فالجماعات يجب أن تبايع الدولة وليس العكس، وأمير المؤمنين أبو عمر البغدادي -حفظه الله- من قادة المسلمين والمجاهدين في هذا العصر، نسأل الله لنا وله الاستقامة والنصر والتوفيق.

 وفي كتاب "البصيرة فى حقيقة المسيرة"، الصادر عن مؤسسة المأسدة الإعلامية، التابعة لجماعة الدولة داعش، إنها دولة لم تأت بقرار من مجلس أممى بل جاءت بعد التضحية بالقادة، وبعد تناثر الدماء والأشلاء، وإن من بايع الامير السابق (أبا عمر البغدادي) وهم مجلس شورى المجاهدين وحلف المطيبين، وغيرهم- قد زالتْ بِهِمُ الجهالةُ عنِ الأمير السابق والحالي، إذِ الجهالة تزول بمعرفَة البَعضِ ولا يلزَمُ منها معرِفَةُ الجميع، ولا يلزَمُ كلَّ من يبايعه أن يعرِفَه!!.

التترس والعمليات الفدائية:

وترى داعش أن هناك إجماعًا من العلماء على جواز اقتحام المهالك في الجهاد، وجواز حمل الواحد على العدد الكثير من العدو في الجهاد وإن تيقن الهلكة، وهي تتوافق مع القاعدة في ذلك، كما ترى خروج من قتل نفسه لمصلحة الدين عن النهي الوارد في قتل النفس، وكل هذا لافرق بينه وبين ما تدين به التيارات الجهادية، وتنظيم القاعدة، إلا إنهم يقرون بمشروعية قتل النفس أثناء الانغماس في فئة من الذين حكموا عليهم بالردة، على سبيل المثال كـ"جبهة النصرة"، حيث استدل صاحب كتاب، "مكتبة الدولة الإسلامية، أحكام الغارات الفدائية والتترس"، عبد المجيد عبد الماجد الأثري، من سلسلة بناء الشخصية المسلمة 3، على جواز إتلاف النفس لمصلحة إعزاز الدين وإظهاره، وهو نفس كلام الظواهري فى كتابه (ريح الجنة) عن جواز إتلاف النفس لمصلحة الدين، عن طريق الاستدلال بما فعله غلام الإخدود، وقوله للملك، إنك إن قلت باسم الله رب الغلام قتلتنى.

ورغم أن ما فعله الغلام في شرع ما قبلنا، إلا أنهم عبروا فى كتبهم عن العلمليات الفدائية وسموها الانغماس في الكفار وفي الفئة التي حكموا عليها بالردة، ونقل القيادى بالتنظيم "أبو بكر الأثرى" في ذات الكتاب إجماع العلماء على جواز اقتحام المهالك في الجهاد، وإن السلف أجازوا قتل المتترس فى حال الضرورة، لأن هناك نصوصًا تحث على الإقدام على العدو، وتثني على من اقتحم على العدو رغم تيقنه الموت فيها، بشرط أن تكون نيته خالصة لإعلاء كلمة الله، ووجه الشبه بين التترس والعمليات الاستشهادية، أنه في كلا الحالتين تم إزهاق نفس مسلمة لمصلحة الدين، مما يخرجها عن أصل حرمة قتل النفس، ويجعلها ممدوحة مثني على فاعلها.

إقامة الحدود:

وتجيز داعش إقامة الحدود، وفي كتابه "إتحافُ البَرَرة بحكم إقامةِ الحدود في المناطق المحرّرة" قال أبو مُعَاذ الشَرعى: إنهم يعترضون على إقامتنا للحدود، بعدم حصول التمكين المعتبر شرعًا لوجوب إقامتها، ولم يبيّن دعاة هذا الاعتراض نوع التمكين المشروط، وحدوده، وكيفية تحقّقه؛ الأمر الذي أوجب لهم نوع خلل واضطراب في المسألة؛ لأنهم لم يقيموا دعواهم على أساسٍ من العلم أو النظر الصحيح، فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ويوم الأحزاب؛ إذ بلغت القلوب الحناجر واقتحمت القبائل المدينة المنورة وحاصرت عاصمة الإسلام الأولى ممكّنًا أو لا؟ وهل كان أبو بكر يوم قتاله للمرتدين ممكنًا أم لا؟ فلايُشترط لإقامة الحدود التمكين التام والاستقرار التام.

  وفى كلمته على الموقع العالمي اليوتيوب، يقول أبو محمد العدناني الشامي المتحدث باسم "داعش" في كلمته (فذرهم وما يفترون): لم نعلن الدولة إلا بعد أن تمكنا في العراق وبدأنا برفع المظالم وإعادة الحقوق وتطبيق شرع الله، فرمتنا الناس عن قوس واحدة، ولا بد من هذا لمن أتى بمثل هذا ! فتعرضنا لضربات مزلزلة قاصمة، فصمدنا بفضل الله وحده، محنة إثر محنة وفتنة بعد فتنة.

وتعتبر "داعش" أن المناطق التي تسيطر عليها هي دار إسلام، وليست دار حرب، فالعبرة عندهم في الحكم على الدار تكون بالغلبة وما يجري فيها من الأحكام، وطالما أنهم يقيمون الحدود فإن مناطقهم هي دولة إسلامية.

وجوب بيعة البغدادي:

وترى جماعة دولة العراق الداعشية، أن أبو بكر الحسيني، هو أمير المؤمنين، وأنه قد توافرت فيه كل شروط الإمامة، ولم يتخلف في حقه لا الشروط الواجبة ولا الشروط المستحبة، وفى كتاب التنظيم "مد الأيادى لبيعة البغدادى" إن المناطق التي تحت الدولة الإسلامية كانت تحكم بغير شرع الله، بل حتى لو أخذها من حكام يحكمون بالشريعة لوجب له السمع والطاعة، حيث أجمع العلماء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، لأن له حكم الإمام في كل شيء.

وبعد أن سرد مفتى التنظيم "تركى البنعلى" الأدلة على وجوب مبايعة أمير داعش البغدادي، قال: إن كل من بايع جبهة النصر فبيعته باطلة، فاسدة وعليه أن يتوب إلى الله تعالى، وهذا ليس خاصًا بل وعامًا لكل الفصائل الإسلامية، فلا بيعة لهم شرعًا إن لم يبايعوا الدولة.

الغريب أن مفتى السلفية الجهادية الأردنى، أبو محمد المقدسى، رفض ذلك على أساس أنهم أبطلوا بيعتهم الأولى لقيادتهم وتمردوا على أمرائهم"، فقالت داعش: على فرض وجود بيعة للظواهري على الطريقة التي يريدها المقدسي، فهي بيعة بدعية، لأنهم جعلوا عهود الطاعة بمنزلة بيعات الإمامة العظمى، ثم نزلوا عليها جميع أحكام الإمامة وألفاظها!!.

الأدهى أن داعش ترى وجوب الانضمام لها واغتيال مناوئيها، وتوجب اللجان الشرعية بها الانضمام لتنظيمها في العراق والشام، وقال أبي الحسن الأزدى، في كتابه الصادر عن مؤسسة المأسدة الإعلامية، ونشرته شبكة شموخ الإسلام، ناقلاً عن عطية الله الليبي، أحد أعضاء داعش: إن دولة العراق الإسلامية تحظى بالشرعية المستندة إلى الحق الثابت المتقرر في الشريعة الإسلامية، وتتطور رغم كيد أعدائها، ولذا وجبت بيعتها.

ورأى الأزدي: أن الدولة تأسست ببيعة شرعية واختيارٍ ومشورة، وأنها لم تقم إلا بعد تمكين وشورى، وبسطة سلطانٍ على أجزاء واسعة من أرض العراق، وأن البيعة قد انعقدت لأبي بكر البغدادي انعقادا صحيحا باختيار، ومشاورة أهل الحل والعقد.

بل وترى داعش وجوب السمع والطاعة للبغدادي، لأن بيعته صحيحة، حتى لو ترك الأرض للمرتدين، لا تنحل البيعة، لأنها قد تمت وانعقدت، واختلال بعض الشروط لو سُلِّم بذلك، لا يجيز نقض البيعة، ولا عقدها لأمير آخر.

وفي كتاب التنظيم "إعلام الأنام بميلاد دولة الإسلام"، إن الدولة التي يطلبها الشرع، هي دولة البغدادى فهي بناء إسلامي ينتهض من واقع جاهلي، لأنه يشرع لمن تغلب بسيفه من المسلمين، ودعا للبيعة وأظهر الشوكة، أن يصير أميرًا للمؤمنين، تجب طاعته وبيعته، ولا يحل لأحد منازعته، وسمي أمير المؤمنين، وأن الجماعات والطوائف العاملة في العراق إما طوائف مرتدة، ارتدت عن الإسلام بانخراطها في منظومة الأهداف الصليبية، وتبنيها للمنهج الديمقراطي الكافر، ومشاركتها في خطط الدول العميلة، وطوائف ضالة، لم تنخرط في المخطط الصليبي، ولم تساند الحكومة المرتدة، لكنها تتبنى  مناهج منحرفة، ولا تستطيع أن تقيم الشرع، وطوائف سنية مجاهدة، كجماعة الدولة.

وأجابوا في مدونتهم غير الرسمية، كيف تصح إمرة أبي بكر البغدادي ولم يبايعه كل الناس؟، وقالوا لا يشترط بيعة كل الناس، بل ولا كل أهل الحل والعقد، بل يكفي أن يبايعه ما تيسر من أهل الحل والعقد.

ووافقوا على حكم المتغلب، وقالوا "بل حتى لو أخذها الشيخ "البغدادى" من حكام مسلمين حاكمين بالشريعة، لوجب السمع والطاعة له.

الاغتيال لمن حكموا عليهم بالردة:

وأجازت جماعة الدولة داعش، اغتيال مناوئي الجماعة، مستدلين، بموسوعة الجهاد الكبرى، وقالت إن الاغتيال: هو عملية قتل مفاجئ تنفذ ضد هدف معين معاد بغرض كف أذاه عن المسلمين أو بغرض ردع غيره من المجرمين، وإنه جائز للدولة.

تكفير الشيعة على العموم، وعدم قبول توبة مقاتليهم:

كما كفرت الشيعة كلهم، حيث لا تقبل توبة من قاتلها منهم، بل وتجيز اغتيالهم على العموم على اعتبار أنها ارتدوا ردة مغلظة، وتستدل في تكفيرهم وصحة اغتيالهم، بقول ابن تيمية: "إن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه لله كما يظن المشركون".

والمنحى الذي جعل أتباع داعش يفعلون ذلك أنهم لا يقرون بتعدد القراءة للنص الديني، وإمكانية الاجتهاد في فهم النص، فيعتبرون أن ما ذهبوا إليه هو الرأي السليم، فان ذهب أحد المسلمين إلى غير ما ذهبوا إليه هم، اعتبروا ذلك خروجًا عن سلطة النص الديني، وتكذيبا لله ولرسوله، وبين الحاكمية والولاء والبراء تتسلل عقيدة أخرى هي أخطر من كل ما تقدم، وهي عقيدة أن الأصل في الناس الكفر ما لم يثبت إسلامهم بدليل، والدليل عندهم أن تؤمن بما يؤمنون به، وإلا فيجوز استحلال كل دماء وأعراض وأموال من عداهم.

ونقلوا قول بن القيم في "طريق الهجرتين" أن كل من فعل الشرك الأكبر؛ بأن ذبح لغير الله، أو استغاث بالأولياء أو المقبورين، أو شرع قانونا ونحوه؛ فهو مشرك، ولو كان جاهلا أو متأولا أو مخطئاً.

الديمقراطية كفر وممارسوها مرتدون:

وتعتقد جماعة داعش بكفر الديمقراطية، ففي بيان سُمّيَ "بيان الهيئة الشرعية للدولة الإسلامية في العراق والشام حول الجبهة الإسلامية وقياداتها"، عرضت فيه موقفها (الذي تقول إنه موقف أهل السنة) من الدعوة إلى الديمقراطية، وعرفت الديمقراطية على هواها، وقالت: إن الدعوة إلى إقامة حكومة "مدنية تعدّدية ديمقراطية"، عملٌ مخرجٌ من ملّة الإسلام، وإنْ صام دعاتها وصلّوا وحجّوا وزعموا أنّهم مسلمون؛ لأنّها تدعو لصرف التحاكم الذي هو حقّ محضٌ لله تعالى، إلى الطاغوت الذي أمرنا الله تعالى بالكفر به.

وفي رده على الأردني إياد القنيبي أحد مشايخ السلفية الجهادية، قال أبي همام الأثري، إن الدولة في الإسلام لا تتم الرقابة عليها من الأمة، بل من أهل الاختصاص في الأمة كالحسبة وأهل الحل والعقد، ولذا فتجربة الإخوان في مصر كفيلة بالتدليل على فشل الديمقراطية، وكل من رضي بالإسلامقراطية دينا وبالناس رباً.

ونشر منبر الإعلام الجهادي، دراسة بعنوان، (سقوط الليبرالية الديمقراطية ونهضة الإسلام)، قالوا فيها: لقد افترى الإسلامقراطيون على دين الله الكذب، وقالوا كما قال قوم شعيب أن الناس أحرار في ما يعبدون ولهم الحق باتخاذ ما يناسبهم من أنظمة اقتصادية وسياسية وغيرها، فهل ينتظرون إلا صيحة تأخذهم فيصبحوا في برلماناتهم جاثمين.

عدم العذر بالجهل:

أما المسألة الأخيرة فإن أتباع داعش، لا يقبلون توبة المرتد، ويقتلون الجنود والمعارضين، بل أتباع الجماعات الأخرى بحجة مولاتهم للكافرين، ويرون أن الكفر قبل قيام الحجة له حد وأحكام تختلف عنه بعد قيام الحجة، فتارة ينفون الكفر إلا بعد الحجة بحسب ما يتعلق به من أحكام، وتارة يقولون بالتكفير قبل قيام الحجة وبلوغ الرسالة.

تفكيك المفاهيم المغلوطة لداعش

تنقسم داعش  إلى 3 طبقات: الأولى: طبقة القادة، وهؤلاء أكثرهم من العسكريين البعثيين القدامى.

الثّانية: طبقة العوام الذين أحسنوا الظن بها، وانضموا إليها من مختلف دول العالم.

الثّالثة: طبقة الشرعيين والقضاة، وهم الأخطر، وهؤلاء لهم فكر الخوارج.

وينقسم هذا الفكر الخوارجى إلى عدة محاور أولها الأفكار العقائدية، ومنها تكفر الحكام، والتترس وقتل النساء والأطفال، وعدم العذر بالجهل، ومذهب قتال غير المسلمين (إطلاقاً)، وجواز قتل المدنيين.

أما المحور الثانى فهو الأفكار سياسية، ومنها تحريم الديمقراطية، والمجالس النيابية، وحرمة تكوين الأحزاب، والمحور الثالث فهو الأفكار الاستراتيجية، ومنها السرية والتكوين وفقه الحركة، وقتل أعضاء الجماعات والأحزاب الأخرى.

المسألة الأخطر فى فكر داعش، هى رؤيتهم للحكام، وهى رؤية قديمة لسيد قطب، ورأى كل العلماء الثقات أن الخروج على الحاكم المسلم غير جائز عند أهل السنة، لكن داعش ترى غير ذلك، بل وتوسعت ورأت أن كل أعوان الحكام كفرة، وأن خليفتهم أبا بكر البغدادي، هو الحاكم الوحيد المسلم، لأنه عالم وحاصل على دكتوراه في العلوم الإسلامية من جامعة صدام الإسلامية، رغم أن ذلك لا يعني أنه من أهل العلم.

 وتعتمد داعش على آية سورة المائدة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فهم الكافرون)، ولهذه الآية وجوه فى التأويل، وأجمع العلماء على  أن تفسير الآية بكفر الحكام ليست على ظاهرها، وكما قال بن عباس أنه كفر دون كفر.

وتكفير الحكام دفع داعش لقتل أعوانهم، وارتكاب جرائم بطريقة ممنهجة وليست فردية كما ظن البعض، حيث استباحوا الدماء المعصومة وارتكبوا مجازر حتى بحق جماعات دينية مثلهم، وقطعوا رؤوسهم، وقتلوا المسلمين بالظنة، وبتأويلات باردة، وكفرتهم بقواعد غريبة حتى أنهم ما دخلوا قرية تخالفهم إلا وسفكوا دماء أهلها.

واشتهرت جماعة الدولة بالذبح وقطع الرؤوس بل وتعليقها في ميادين عامة كما حدث في دير الزور والرقة ومع أهل الشعيطات وفي ريف حلب وغيرها.

وقامت هذه الجماعة باتباع سياسة "القرامطة"، وجماعة قلعة "آلموت" باستخدام "الانغماسيين" الذي صار حكراً عليهم، بالانغماس بالمتفجرات والكواتم في صفوف المسلمين، وقتل أنفس معصومة، ومما حصل مؤخرا أن قاموا بالتفجير وسط المصلين في يوم الجمعة، مما أدى إلى مقتل وجرح العشرات، بحجة أنهم شيعة، رغم أن النبي لم يهدم مسجد الضرار مع من فيه من المصلين، ولم يغدر بأحد.

وأجازت داعش العمليات الانتحارية؛ واستدلوا بحديث الغلام والساحر، رغم أن الاستدلال بشرع من قبلنا على مسألة جاء الحكم فيها واضحا في شرعنا، لا بد وأن يحكم بضوابط، فالمعلوم أن الشرائع تنسخ وتتبدل بأمر من الله لرسله، فما شرع لنا في القرآن من تكاليف لم يشرع لمن كانوا قبلنا، وما أمر الله به من كانوا قبلنا لم يأمرنا به.

وقتلت داعش الآمنين فى بيوتهم بـ"العريش" وهم نيام بحجة أنهم مرشدون للأمن، وبحجة تبييت العدو ليلاً وقتله والنكاية فيه.

ومن أباطيل "الدواعش" استخدامهم في التكفير حيلة خبيثة، تنطلي على كثير من الفضلاء والأخيار، فضلا عن الشباب الجاهل والمتحمس، وهى: متواليات التكفير، او ما يسمى قاعدة (من لم يكفر الكافر فهو كافر).