رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
قضايا
الثلاثاء 09/يناير/2018 - 12:03 م

إشكاليات الخطاب السلفي في المشهد المصري

إشكاليات الخطاب السلفي
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/5629

حصل السلفيون فى مصر على فرصة مثالية في العمل السياسي والمجتمعى، ورغم ذلك فشلوا فشلاً ذريعاً، فبينما هم يحتلون الفضاء المجتمعى، تصاعدت حملاتهم ضد ايران ومحاربة التشيع، بل وإعلان الجهاد ضد الرافضة، ودعوات الهوية، وتطبيق الجزية، بل والدعوة إلى هدم الآثار، وأبو الهول بدعوى أنها أصنام، مما أحدث حالة من القلق العالمى، وعكس أن مصر على كافة الانهيار.

وتسبب الخطاب السلفي ورؤيته الحزبية القاصرة في زلزلة الهوية الوطنية الجامعة، حين تحدثت السلفية عن الجزية للأقباط، ومثل ذلك الخطاب عائقاً كبيرًا في التئام اللحمة الوطنية التى كان يراد لها أن تتوائم وتتلاحم بعد ثورة مصرية شعبية على نظام مبارك.

أولى إشكاليات الخطاب السلفي، هى:

1- خلط الدعوى بالسياسي

فقد ظهر التيار بأكمله، متناغما الى حد كبير أثناء استفتاء 19 مارس الشهير، إبان حكم المجلس العسكرى، عقب ثورة يناير، في ذلك الوقت ووفقا لدعوات مشاهير الدعوة السلفية وسدنتها في الداخل المصري أطلق على هذا الاستفتاء بـ "غزوة الصناديق"، بعد أن اطلقها التيار السلفى من أعلى منابر المساجد وما صاحبها من دعاية بأن التصويت بـ«نعم» يعنى التصويت لصالح الشريعة الإسلامية.

وتم السير على الطريقة ذاتها في محطات سياسية مختلفة بعد ذلك من خلال إضفاء البعد الدينى على الممارسة الدينية، ففي الاستفتاء على دستور 2012، أثناء حكم جماعة الإخوان، اصطف التيار السلفى خلف حزب النور- الذراع السياسية للدعوة السلفية -  وممثليه بالجمعية التأسيسية لوضع الدستور، من أجل وضع مواد تتعلق بالشريعة الإسلامية، وأشهرها المادة 219 المفسرة للمادة الثانية من الدستور، وتولت قيادات حزب النور راية التبرير الديني للحفاظ على الهوية عبر المادة 219 من الدستور المعطل، وارتفعت حناجر الخطباء على المنابر بحث الناس على المشاركة باستفتاء 2012، والتصويت بنعم باعتبارها «طريق الجنة»، ثم بدأت تطفو على السطح مصطلحات سياسية بغلاف فقهى عقائدى، فسمعنا عن "المقاطعة الشرعية" لعدد من الاستفتاءات والاستحقاقات الانتخابية تزامنا مع ضرورة التصويت وحتميته ووجوبيته وما شابه، وهنا برزت فتاوى أبو إسحاق الحوينى، ومصطفى العدوى، وعبدالرحمن عبدالخالق، وغيرهم .

2- خطاب النفور والتمايز مع الأقباط

وقدمت بعض السلفيات المصرية المعاصرة خاصة الجهادية منها تصوراً مشوشاً تجاه الأقباط، وساهمت بشكل غير مباشر في زيادة حدة "الإسلام فوبيا" من قبل الآخر، نتيجة ممارساتها، التي ظنت أنها مستمدة من التراث الإسلامي، الذي لم يكن على مدار تاريخه متسقاً مع ممارساتها المتشددة، ولم تراع تلك السلفيات اختلاف السياق الجديد والمتغير الحادث الملتف حولها. فكانت بحق سفيراً غير لائق للدين الإسلامي الذي كانت ميزته الأساسية استيعاب الإقليات، التي احتضنتها على مدار تاريخها العريض، واحتوائها، وكانوا شركاء حقيقيين لحضارتها المتجذرة في التاريخ الإنساني على مدار قرون متعاقبة.

وقد كانت الدعوة السلفية السكندرية بالقاهرة إحدى أهم السلفيات التي وقفت أدبياتها من الأقلية القبطية موقفاً معارضاً، عبرت عنها مقولات رموزها وآبائها المؤسسين بدقة، فالشيخ ياسر برهامي - نائب رئيس الدعوة السلفية - أكد في أكثر من موقف على أنه لا يجوز شرعاً تولي الأقباط للمناصب السيادية في الدولة، فضلاً عن عدم قبوله كرئيس للدولة، لكونه لا يقبله الشرع أو الواقع وفق تصريحات الشيخ سامح عبد الحميد، القيادي بالدعوة أيضًا.

وظلت مسألة تهنئة الأقلية القبطية محور جدل كبير داخل أروقة الإسلاميين، عبرت عنها بدقة تصريحاتهم وأقوالهم والتي خرجت بعدم جواز تهنئة المسيحيين بعيد القيامة، لكونه أمراً يخالف الدين، كما صرح أحد قياديي السلفية الجهادية المصرية مرجان سالم ، ودعم الفكرة ذاتها أحد قياديي ما يسمى بـ"الجبهة السلفية" خالد سعيد، الذي شدد على تحريم المشاركة في احتفالات النصارى وأعيادهم، نظراً لأن بها أموراً تخالف العقيدة الإسلامية.

واندفع البعض بإيعاز من قبل بعض الكيانات السلفية المتشددة في محاصرة - ومن ثم قتل - أحد الشيعة المصريين الذي عرف بانتمائه إلى الطائفة الشيعية الشيرازية، الشيخ حسن شحاتة، الذي لقى مصرعه و3 آخرين في مشهد مأساوي في إحدى ضواحي مدينة الجيزة المصرية.

3- خطاب الاستعلاء مع المرأة 

واعتقد السلفيون أن للمرأة وضع خاص داخل الإسلام، لا يسمح بكونها تترشح للرئاسة، وأن لها مهمات خاصة  تتبلور وتتلخص داخل اطار "التنشئة والأمومة"، وأمعنوا في إصدار فتاوى غريبة، يخص هذا الشأن، وأصدر الداعية السلفي المصري الشهير أبو إسلام  – قبيل القبض عليه -  فتوى برّرت الاغتصاب في ميدان التحرير بحجة السفور. وشبّه الشيخ السلفي أبو اسحاق الحويني وجه المرأة بفرجها، في إشارة منه إلى وجوب ارتداء النساء للنقاب فضلا عن بعض الرؤى السلفية الكلاسيكية التى ظلت لعقود تتمحور حول ان صوت المرأة عورة، وهو ما يلخص أزمة التصور السلفي للمرأة.

وعلى مدار الـ3 أعوام الاخيرة عقب الثورة المصرية، وعلى الرغم من التأكيد من قبل حزب النور الذراع السياسية للتيار السلفى المصري من الرغبة في إدماج المرأة، وإسناد مهام سياسية لها في العمل الحزبي وهو ما صرح به يونس مخيون رئيس حزب النور، إلا أننا لم نلحظ مرشحة سلفية واحده قد مارست العمل السياسي العام او توارد اسمها او تعارفت بن النخب السلفية.

4- تشوية الجهاد

ولم تتوان التنظيمات الراديكالية السلفية الجهادية، في استنساخ مشاهد العنف المنظم، من خلال "أنصار بيت المقدس" ولاية سيناء التي أعلنت في وقت سابق مبايعتها للخليفة أبي بكر البغدادي، وانطلقت سلسلة الاغتيالات والتفجيرات تحت دعوة الجهاد في سبيل الله.

وأثرت الممارسات الجهادية والراديكالية، على المحيط المجتمعى والدينى، ما خلق طقساً، يمكن تسميته بـ"الهوى الالحادى" حتى وإن كانت بالنذر اليسير، إلا أن مؤشراته لها دلالات خطرة ومهمة في آن معاً، مما دفعت بشيخ الأزهر أحمد الطيب إلى التصريح مباشرة لتعاظم المشكلة التي باتت تؤرق المجتمع المصري المتدين إلى القول: "إن الإلحاد ليس موضوعاً هامشياً، بل من التحديات الكثيرة التي تواجه البلاد".

ختامًا، فإن خطاب السلفيين الديني فى حد ذاته ينطوى على عنف للمجتمع، فهم بالمجمل شخصيات استهوائية تميل إلى التلقي ولا تحسن التفكير، ومن الطبيعي أن يقوموا بتأويل النصوص والآثار بما يتناسب وقدراتهم الفكرية، وكان ما سبق هو نتاج خطابهم الفكرى.