رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
تقارير وتحقيقات
الأحد 31/ديسمبر/2017 - 02:51 م

السلفية المدخلية في ليبيا.. قصة الصعود على أنقاض الأضرحة

السلفية المدخلية
عمرو رشدى
aman-dostor.org/5328

«المتطرفون» هدموا ضريح «محمد السنوسي» ونقلوا رفاته لجهة غير معلومة 

مشايخ الطريقة يطالبون «حفتر» بالتدخل لحل الأزمة وإعادة رفات شيخهم 

"محمد السنوسى والمنيذر الإفريقي والصحابي أبو سجيف والعلامة أحمد زروق والشيخ عبد السلام الأسمر الفيتوري والوالي مراد آغا وعثمان باشا الساقزلي".. أبرز الأضرحة المستهدفة من المداخلة

انتابت حالة من الغضب الشديد، أتباع ومريدى الطريقة السنوسية الصوفية فى ليبيا،بعد هدم التيار السلفى المدخلى، فجر أول أمس، ضريح الشيخ" محمد المهدي السنوسي" مؤسس ليبيا الحديثة، ووالد ملك ليبيا «إدريس السنوسى»،ونقل رفاته إلى مكان غير معلوم، مما جعل قادة الصوفية في ليبيا يطالبون «خليفة حفتر» القائد العام للجيش الليبي، بالتدخل في الأمر، ومطالبة المداخلة بإعادة رفات الشيخ الراحل الذى كان يعتبر ضريحه من المقامات الصوفية المقدسة، والتى كان يقصدها نحو مليون مريد وزائر سنويا من جميع أنحاء ليبيا.

قال الشيخ محمد العجيل، القيادى الصوفى بلبيا لـ"أمان" إن كتائب سلفية مدخلية مسلحة هدمت ضريح «محمد المهدي السنوسي»، الذى ولد عام 1844م (في الزاوية البيضاء) بمدينة البيضاء، وهو والد الملك الليبي محمد إدريس السنوسي (أول ملك لليبيا بعد الاستقلال)، ويعتبر المهدي السنوسي، من مؤسسي الطريقة السنوسية في ليبيا ويعتبر هو شيخ المجاهد الكبير " عمر المختار"الذى قتل على يد الاستعمار الإيطالي.

وتابع «العجيل» أن المهدي السنوسي، اهتم بالمنهج بعد والده، ونشر العلم والتربية والسلوك، وقاوم المستعمرين، ونشر الإسلام في إفريقيا وأسس المراكز التجارية والمكتبات وعمل على التواصل الثقافي ببلدان أفريقيا، وكانت رسالته نشر رسالة الإسلام بالرحمة والمحبة، وإصلاح أحوال المجتمع، وجهاد المستعمر الغاشم.

وقالت مصادر ليبية لـ"أمان" إن من نبشوا القبر، كان عددهم 50 عنصرا مدججين بالسلاح والعتاد، وهم أشخاص ينتمون للتيار السلفي المدخلي، وساندتهم كتائب مسلحة أخرى تطلق على نفسها "سبل السلام" وأضافت المصادر أن المجهولين نقلوا رفات محمد المهدي وأخفوها في جهة غير معلومة، بعد تحطيم مقام الإمام وإتلاف كل المعالم التاريخية داخله.

وأكدت المصادر أن هناك حالة من الاستياء والغضب العارم بين سكان مدينة الكفرة وخصوصا أتباع الطريقة السنوسية، مشيرة إلى جهود يبذلها أعيان ووجهاء من مدينة الكفرة لإقناع المجموعة التي نبشت القبر بإعادة الرفات، من أجل منع إقامة ضريح جديد للشيخ الراحل.

ويُعد قبر الإمام المهدي من الآثار الإسلامية البارزة في ليبيا منذ أكثر من 150 عاما ويعتبر الإمام محمد المهدي من قادة الطريقة السنوسية في ليبيا ومن قادة المجاهدين الليبيين ضد الاستعمار الإيطالى والفرنسى.

2012 بداية مخطط الجماعات المتطرفة لهدم الأضرحة 

وكانت الجماعات السلفية المدخلية والتيارات المتطرفة فى ليبيا، قد بدأت مخططا لهدم الأضرحة والمقامات منذ عام 2012 حيث تم تدمير العديد من القبور وزوايا العلماء والصالحين والشهداء والصحابة في ليبيا، والغريب فى الأمر أن غالبية المقامات التى تم هدمها كانت تمثل التراث الديني لليبيا، نظرًا لاحتوائها على جثامين عدد من الرموز الدينية والثقافية والعلمية، التي كانت تمثل هوية الاعتدال والوسطية، وكان من أبرز الأضرحة التى تم تدميرها ونبشها "ضريح الصحابي المنيذر الإفريقي، والصحابي أبو سجيف، والعلامة أحمد زروق، والشيخ عبد السلام الأسمر الفيتوري، والوالي مراد آغا، وعثمان باشا الساقزلي وغيرهم كثير، فى سابقة لم تعهد من الأمم التي تحترم مبدعيها وعلمائها ومفكريها وضيوفها.


«الطريقة السنوسية» جاهدت الاستعمار واضطهدها القذافى

تعتبر الطريقة السنوسية واحدة من الطرق الصوفية المنتشرة بين المسلمين، وقد تأسست في القرن التاسع عشر على يد الجزائري محمد السنوسي، التقى السنوسي في رحلته إلى مكة عام 1824 شيخا صوفيا اختاره خليفة له، فأسس في عام 1840 طريقته في شرق ليبيا لكن الطريقة سرعان ما امتدت إلى الجنوب في الصحراء وصولا إلى تشاد.

كانت الطريقة السنوسية معارضة للدولة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر، ثم قاتلت الاستعمار الإيطالي في النصف الأول من القرن العشرين بقيادة عمر المختار، البطل الوطني الليبي الذي يعد رمزًا وطنيًا لكل الليبيين اليوم، ثم قدمت السنوسية الملك الذي حكم ليبيا بعد استقلالها، وهو الملك إدريس الأول السنوسي ليكون شيخا لها، الذى هدمت الجماعات الإرهابية المدخلية ضريح والده فجر أول أمس.

«السنوسية والقذافى»

إصطدمت الحركة السنوسية بالعقيد الليبى معمر القذافي الذي قاد انقلابا عسكريا في عام 1969 وأمسك بمقاليد البلاد، وأزاح ملوك السنوسية عن الحكم، فأصبحت السنوسية حركة وطريقة صوفية محظورة إلى حد ما.

ويقول بعض مشايخ الصوفية بليبيا «إن القذافي لم يكن يحبذ السنوسية، وعمل كل ما في وسعه حتى يقضي علي الحركة والطريقة، لكن مشايخ الطريقة ومريديها، تصدوا للقذافي ونشروا فكر مشايخ، وهم ما زالوا موجودين حتى الآن، كما لم يكن من المتاح لمريدي الطريقة السنوسية أن ينضموا إلى الجيش أو الشرطة فى عهد القذافي خوفا من الانقلاب ضده مثلما فعل هو معهم.

ويقول «الطيب العثماني» عضو التيار الصوفي بليبيا، أن أعضاء الطريقة السنوسية «كانوا دائما أشخاصا معتدلين، ساهموا كثيرا في نهضة ليبيا وتصدوا للأفكار المنحرفة، وواجهوا الاستعمار وشاركوا في الثورة ضد القذافي إيمانا منهم بالإصلاح، كما أن "السنوسية" أسهمت بدور أساسي في تاريخ ليبيا المعاصر، لكن ما زال هناك نقاش حول ما إذا كان هذا الدور ناجما عن وجود توجه سياسي في الطريقة، أو أنه نتيجة لظروف تاريخية دفعتها إلى العمل في السياسة.

ويقول «محمد السنوسي» أحد قيادي الطريقة السنوسية بليبيا لـ"أمان" أن السلفية المدخلية تحاول دائما، استفزاز أتباع الطريقة المدخلية، من أجل الدخول معهم في حرب وصراع دائم، وللأسف المدخلية تتهم السنوسية بالكفر والابتداع ومخالفة الدين، مع أننا مسلمون سنة مثل الآخرين، ومعتدلون جدا، ونحن لا نخلط الدين بالسياسة».

ويضيف «الناس يقولون إن عمر المختار كان شيخ الطريقة وكان يقاتل الإيطاليين؛ إذن هناك رسالة سياسية للطريقة، وليس معنى ذلك أن الطريقة تسعى إلى السلطة أو الحكم، أو تريد تنحية الآخرين من المشهد لتظهر هى على مسرح الأحداث، كما أنه إذا كانت الطريقة السنوسية لم تضطلع بدور في الثورة الليبية، فإن أعضاءها يساندون المبادئ التي يطرحها الثوار فهم لا يريدون العودة إلى النظام الملكي، ولكنهم فقط يريدون عودة الأمن والأمان إلى الدولة الليبية وإنقاذها من الجماعات المتطرفة سواء كانوا مدخلية أم غير ذلك.

«السلفية المدخلية» تخرج من الجحور

بعد سقوط القذافي، ظهر أتباع الشيخ ربيع المدخلى في ليبيا، والمعروفون باسم السلفية المدخلة وهدموا تراث الصوفية في ليبيا زواياهم ومقاماتهم، واستفزوا أتباع الطريقة السنوسية على وجه الخصوص، نظرًا لقوة السنوسية وكثرة أتباعها ونفوذها الكبير منذ عهد الملك إدريس السنوسي وشيخ المجاهدين عمر المختار، وشكل المدخلية دوريات ضد الرذيلة التي ركزت على مكافحة تهريب المخدرات، واستهلاك الكحول، وغيرها من الأنشطة التي تعتبر غير إسلامية، وتجسد ذلك بشكل بارز في قوة الردع الخاصة والجماعات المرتبطة بها.

ومع اندلاع الصراع بين تياري الكرامة والفجر في صيف 2014، انضمت جماعات المداخلة المسلحة للفصائل المتحاربة واليوم، مازالت تواصل القتال إلى جانب الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر في الشرق، وأيضا مع كوكبة من الجماعات المسلحة المتحالفة مع مجلس الرئاسة في طرابلس.

لكن مقابلات في طرابلس ومصراتة وسرت وبنغازي، والبيضاء من أواخر 2015 إلى منتصف 2016 تكشف عن القلق العميق بين حلفاء المداخلة في كل من الشرق والغرب، سواء من قبل خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني الليبي أو القادة الميدانيين في مصراتة (سواء بالزي الرسمي أو المدني)، ووزارة الداخلية من الجانبين، بشأن القوة المتنامية لهذا التيار وأهدافه الخفية، وهو اشتباه يجد أسبابه في تقارير عن تمويل جهات خارجية لهذا التيار.

تقول مصادر ليبية أن تنامي الجدل حول أهداف هذا التيار، جعل خليفة حفتر يقدم على حل "كتائب التوحيد"السلفية، وأصدار قرارًا بتوزيع الضباط والمقاتلين على وحداته العسكرية الأخرى، لكن هذا الأمر أدى إلى انتشارهم أكثر، وأصبحوا يسيطرون على الكتيبة 302 التابعة إلى "الصاعقة"، بالإضافة إلى القوات الخاصة البحرية والكتيبة 210 مشاة، وكلها في بنغازي، وبعد مقتل العقيد كمال بزازة، الذي كان يعتبر أبرز قادة المدخلية مطلع 2015، برز أشرف الميار والنفاتي التاجوري وغيرهما، من المنتمين إلى التيار المدخلي، كأبرز أركان قوات الجيش الليبى، وأعطى قتال أتباع التيار المدخلي إلى جانب حفتر لمعاركه بعدًا عقائديًا، حيث اعتقد المداخلة أنفسهم الأمر الناهى في ليبيا مما جعل، "حفتر" يحذرهم كثيرًا من الأسلوب الخاطىء الذى يتبعونه.

ورغم التململ والقلق الذي يسود الشارع الليبي في شرق البلاد، وتزايد المخاوف غربها من تنامي نفوذ هذا المدخلي وأهدافه الغامضة، يواصل هذا التيار تحركاته وعملياته التخريبة، إذ دعا أسامة العتيبي، الذي يعتبر أحد أبرز دعاة التيار المدخلي، إلى زيارة ليبيا، ونشر فكر التيار، ونظم العتيبي، بموجب الدعوة، لقاءات، خلال الأسبوعين الماضيين، في أجدابيا شرقًا والزنتان غربًا، ودعا أنصار المداخلة الى هدم القبور الوثنية التى يعبدها الناس اعتقادًا منهم أنها تنفع وتضر على حد وصفه، مما جعل أتباع المداخلة تساندهم «كتائب سبل السلام السلفية»، بالانقضاض على ضريح محمد المهدي السنوسي والد ملك ليبيا الراحل "ادريس السنوسي"، حيث قاموا بنبش القبر وإخراج الرفات ووضعها في مكان غير معلوم.

السلفية المدخلية

السلفية المدخلية في ليبيا.. قصة الصعود على أنقاض الأضرحة

السلفية المدخلية في ليبيا.. قصة الصعود على أنقاض الأضرحة

السلفية المدخلية في ليبيا.. قصة الصعود على أنقاض الأضرحة