رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الإثنين 25/ديسمبر/2017 - 12:23 م

التيارات السلفية تثير جدل الاحتفال برأس السنة

التيارات السلفية
أحمد الشربجي
aman-dostor.org/5046

أحمد الشوربجي

شرعية الاحتفال برأس السنة الميلادية، وشم النسيم، وعيد الأم، ورأس السنة الهجرية، والمولد النبوى، قائمة طويلة من الجدليات السنوية، والموسمية التى فُرضت علي مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ولكل جدلية موعدها، وجدلية الوقت الحالى هى شرعية الاحتفال برأس السنة الميلادية هل هى حلال أم حرام؟ جائزة أم غير جائزة؟  

ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية

 

ما أن يأتى موعد الاحتفال برأس السنة الميلادية حتى تكون الدعوة السلفية فى الإسكندرية هى بمثابة رأس الحربة فى تلك الجدلية، فكلنا نذكر الحملة الإلكترونية  التى شنتها الدعوة السلفية، وحزب النور لرفض الاحتفال بأعياد الميلاد، ودشنت "هاشتاج" بعنوان "أنا مسلم لا أحتفل بالكريسماس"، واستعانت بفتاوى لياسر برهامى، وعبد المنعم الشحات، وسعيد عبد العظيم، تحرم الإحتفال بأعياد الميلاد، وأعتبرت أنه فضلاً عن حرمته فهو تبعية مهينة للغرب، وانهزام نفسى، واستعباد فكرى، وذل وخضوع حضارى.

محمد حسان

كما أفتى محمد حسان بأن الاحتفال بعيد ميلاد المسيح محرم على كل مسلم، فلا يجوز الإحتفال بعيد ميلاد المسيح عليه السلام (الكرسمس)، وأضاف: أن الاحتفال بهذا اليوم يعد عيدا من الأعياد البدعية المحدثة التي لا أصل لها في الشرع، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحداث في الدين، وأنه لا يجوز للمسلم الاحتفال بعيد إلا الأعياد المشروعة، ولم يشرع لنا سوى عيد الفطر وعيد الأضحى، وأنه لا يشرع الإحتفال بمولد أحد مهما كان حتى مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالإضافة أن الإحتفال بميلاد المسيح  فيه موالاة للكفار، ومشاركة لهم في شعائرهم الباطلة وإشعار لهم أنهم على الحق، وسرورهم بالباطل، وفيه تشبه بالنصارى فيما هو من خصائصهم من شعائر الكفر، وهذا من أعظم الذنوب التي نهى عنها الشرع وذم فاعلها.

ابو اسحاق الحوينى

على نفس النهج السلفى يقول أبو اسحاق الحوينى: يحرم على المسلم أن يشارك غير المسلم من الكافرين في أي عيدٍ من الأعياد

وقال: نحن نعيش الآن في أعظم محنة، فكل محجمة دمٍ في أي جنب من جنبات العالم هي دم مسلم، أمن عباد البقر وعباد الشجر وعباد الحجر وأمن كل من يعبد غير الله من الغارات واستهدف المسلمون، مناطق الاشتعال في العالم الآن هي بلاد المسلمين فقط، ما معنى هذا؟ معناه الأمة تلعب وتشارك الذي يغزو ديارها والذي يذل أهلها وينهب ثرواتها، يشاركهم في أعيادهم والله ما يفعلها عاقل أبدًا.

مصطفى العدوى

واعتبر الشيخ مصطفى العدوى أن الأحتفال برأس السنة هو من باب الأحتفال بأعياد الكفار، التى يحرم الأحتفال بها فليس لهذا فى الإسلام أصل.

محمد حسين يعقوب

وفى مقطع الفديو المعنون بحكم الأحتفال "بالكريسماس" قال محمد حسين يعقوب: أن الأحتفال "بالكريسماس" من المولاة فمن أحتفل بعيد رأس السنة فقد والى الكفار فهو منهم فهل ترضى أن تكون منهم ثم تسائل لماذا نحتفل بأعيادهم هل هم يحتفلون بأعيادنا هل كيف نحتفل بأعيادهم وهم يسبون نبينا وقد نهاينا عن إتباعهم وأضاف إن قلت أن هذا الإحتفال حرام فأن لا آتى بشيئ من عندى إنما أنا أقول كلام الله!

الشيخ عبد العزيز بن باز مفتى المملكة العربية السعودية.

لشيوخ وعلماء المملكة العربية السعودية الباع الأطول والأصل فى نشر هذه الفتاوى فالشيخ عبد العزيز بن باز، يقول فى فتوى رسمية: لا يجوز للمسلم، ولا المسلمة مشاركة النصارى، أو اليهود، أو غيرهم من الكفرة في أعيادهم، بل يجب ترك ذلك لأن من تشبه بقوم فهو منهم والرسول عليه الصلاة والسلام حذرنا من مشابهتهم والتخلق بأخلاقهم فعلى المؤمن وعلى المؤمنة الحذر من ذلك ولا تجوز لهما المساعدة في ذلك بأي شئ لأنها أعياد مخالفة للشرع فلا يجوز الاشتراك فيها ولا التعاون مع أهلها ولا مساعدتهم بأي شئ لا بالشاي ولا بالقهوة ولا بغير ذلك كالأواني وغيرها ولأن الله سبحانه يقول وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب فامشاركة مع الكفرة في أعيادهم نوع من التعاون على الإثم والعدوان.

الشيخ بن عثيمين

لم يخرج ابن عثمين عن الاتجاه العام لعلماء المملكة العربية السعودية إذ يقول: تهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق. 

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

ماسبق من عرض لرأى ابن باز وابن عثيمين يعتبر تعبيراً أميناً عن الرأى الرسمى للجنة الدائمة للبحوث والإفتاء بالمملكة العربية السعودية كما ورد فى فتوى لها برقم "2540" برئاسة الشيخ عبدالعزين بن باز وعضوية عبد الرازق عفيفى وعبدالله بن قعود وعبد الله بن قعود.

يجب التفرقة بين الحكم الفقهي والفتوى

فى مقابل هذا التيار المحرم يأتى تيار آخر يعبر عن الشعور العام لدى الأمة يبيح الاحتفال مستنداً إلى أنه يجب التفرقة بين الحكم الفقهي، والفتوى: فالحكم الفقهي منه ما هو ثابت لا يقبل التغيير ولا التبديل، كالأحكام قطعية الثبوت والدلالة، ومنه ما يقبل التغيير وليس بثابت، وهذا يجوز الاجتهاد معه وليس ضده، في إطاره، وليس خارجا مصطدما معه، ومن هنا قالوا ما دام الحكم متغيرا وما دامت الشريعة مرنة تصلح لكل زمان ومكان، فلا مانع من تغير الفتوى وبدراسة ملابسات الفتوى التي أصدرها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والتى يعتمد عليها المحرمون نجد أن عصرهم كان  مليئا بالحروب، وأي تهاون يعني الرضا بالمحتل، ومن ثم لا بد من اختيار فقهي يحفظ للناس تماسكهم أمام هذا المغتص والمسألة هنا هى من باب الفتوى وهي تتغير بتغير الظروف والأحوال كما هو معروف لدى كل علماء الفقه.

يقول فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا رحمه اللهفقال: إنّ تهنئةَ الشّخص المُسلِم لمعارِفه النّصارَى بعيدِ ميلاد المَسيح ـ عليه الصّلاة والسلام ـ هي في نظري من قَبيل المُجاملة لهم والمحاسَنة في معاشرتهم، ويمكن مراجعة ذلك في الفتوى التالية: تهنئة النصارى بعيد الميلاد وطباعة بطاقات التهنئة.

وأجاز الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله زيارة غير المسلم وتهنئته بالعيد واستشهد بأن النبي –صلى الله عليه وسلم- عاد غلاما يهوديا، ودعا للإسلام فأسلم، وأجاز الشيخ أحمد الشرباصي رحمه الله مشاركة النصارى في أعياد الميلاد بشرط ألا يكون على حساب دينه.

دار الإفتاء تحسم الجدل

حسمت دار الإفتاء المصرية الجدل فى المسألة بأدلة واضحة قاطعة حاسمة فى فتوى لها جاء فيها :أن المسلمون يؤمنون بأنبياء الله تعالى ورسله كلهم، ولا يفرقون بين أحد منهم، ويفرحون بأيام ولادتهم، وهم حين يحتفلون بها يفعلون ذلك شكرًا لله تعالى على نعمة إرسالهم هداية للبشرية ونورًا ورحمة، فإنها من أكبر نِعم الله تعالى على البشر، والأيام التي وُلِدَ فيها الأنبياء والرسل أيامُ سلام على العالمين، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك؛ فقال عن سيدنا يحيى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 15]، وقال عن سيدنا عيسى:﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33]، وقال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾[الصافات: 79]، وقال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: 109]، ثم قال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾[الصافات: 120]، إلى أن قال تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ۝ وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 181-182].

فإذا كان الأمر كذلك، فإظهار الفرح بهم، وشكر الله تعالى على إرسالهم، والاحتفال والاحتفاء بهم؛ كل ذلك مشروع، بل هو من أنواع القرب التي يظهر فيها معنى الفرح والشكر لله على نعمه، وقد احتفل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيوم نجاة سيدنا موسى من فرعون بالصيام؛ فروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يومًا -يعني: عاشوراء-، فقالوا: هذا يوم عظيم، وهو يوم نجى الله فيه موسى، وأغرق آل فرعون، فصام موسى شكرًا لله، فقال: «أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ» فصامه وأمر بصيامه. فلم يعدَّ هذا الاشتراك في الاحتفال بنجاة سيدنا موسى اشتراكًا في عقائد اليهود المخالفة لعقيدة الإسلام.

وبناءً عليه: فاحتفال المسلمين بميلاد السيد المسيح من حيث هو: أمرٌ مشروعٌ لا حرمة فيه؛ لأنه تعبيرٌ عن الفرح به، كما أن فيه تأسِّيًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم القائل في حقه: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ» رواه البخاري.

هذا عن احتفال المسلمين بهذه الذكرى، أما تهنئة غير المسلمين من المواطنين الذين يعايشهم المسلم بما يحتفلون به؛ سواء في هذه المناسبة أو في غيرها؛ فلا مانع منها شرعًا، خاصة إذا كان بينهم وبين المسلمين صلة رحم أو قرابة أو جوار أو زمالة أو غير ذلك من العلاقات الإنسانية، وخاصة إذا كانوا يبادلونهم التهنئة في أعيادهم الإسلامية؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86]، وليس في ذلك إقرار لهم على شيء من عقائدهم التي يخالفون فيها عقيدة الإسلام، بل هي من البرِّ والإقساط الذي يحبه الله؛ قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]، فالآية تقرر مبدأ التعايش، وتبين أن صلة غير المسلمين، وبِرَّهم، وصلتهم، وإهداءهم، وقبول الهدية منهم، والإحسان إليهم بوجه عام؛ كل هذا مستحبٌّ شرعًا؛ يقول الإمام القرطبي في "أحكام القرآن" (18/ 59، ط. دار الكتب المصرية): [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ ... أَيْ لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنْ أَنْ تَبَرُّوا الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ ... ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ أَيْ تُعْطُوهُمْ قِسْطًا مِنْ أَمْوَالِكُمْ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ] اهـ.