رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الخميس 21/ديسمبر/2017 - 10:39 ص

بعد تشويه تمثال الجزائر.. فتنة هدم التماثيل

بعد تشويه تمثال الجزائر..
aman-dostor.org/3927

تسلق رجل تمثال"عين الفوارة" الشهير بوسط مدينة سطيف في الجزائر يوم الاثنين الماضى والموافق 18 ديسمبر 2017، وهو تمثال مصنوع من الرخام لمرأة عارية تطفو على صخرة عالية طولها مترين، يتدفق منها، ماء بارد في الصيف، ودافئ في الشتاء. يُعد التمثال أحد أهم المعالم التاريخية فى المدينة كان بيد الرجل مطرقة وقضيب حديدى وشرع يطمس ويكسر عدد من أجزاء التمثال وتحيداً الوجه والصدر لكونه عاريا وسط مقاومة وإصرار شرس من الرجل على إكمال مهمته حتى استطاعت الشرطة الجزائرية الإمساك، مما آثار جدلاً كبيراً وأعاد للأذهان مرة أخرى الحوادث الكثيرة لتحطيم الآثار على يد هذه الجماعات الإرهابية المتطرفة. ففى يوم 26 فبراير من عام 2001م قامت حركة طالبان بأفغانستان فى منطقة باميان تحيداً بتحطيم تمثال "بوذا"، وفى ذات التاريخ تقريباً 26 فبراير ولكن من عام 2015م قام تنظيم "داعش" الإرهابي فى العراق بجريمة أشد بشاعة هزت الضمير الإنسانى كله وتحديداً فى متحف مدينة الموصل حيث ذبح التاريخ على أعتابها حينما قام بتحطيم الآثار الموجودة فى المتحف المؤلف من ثلاث قاعات، تحوى تماثيل وآثار تؤرخ للحضارية الآشورية، ثم بث شريط فديو لعملية التحطيم يظهر همجيتهم وجهلهم الشديد وقد ظهر فى الشريط أحد عناصر التنظيم امام تمثال ضخم، وهو يقول "أيها المسلمون، إن هذه الآثار التي ورائي انما هي اصنام واوثان لاقوام في القرون السابقة، كانت تعبد من دون الله عز وجل. انما ما يسمى بالآشوريين والاكاديين وغيرهم كانوا يتخذون آلهة للمطر وآلهة للزرع وآلهة للحرب، يشركون بالله عز وجل ويتقربون اليها بشتى انواع القرابين والنبي (محمد صلى الله عليه وسلم ) ازال الاصنام وطمسها بيده الشريفة عندما فتح مكة. لماذا يحطمون التماثيل؟ تظهر العلة عند هؤلاء الأرهابين والمتطرفين في الإجابة عن سؤال، لماذا يحطمون الأصنام؟ إنها عقيدة بداخلهم وأحكام ينسبونها للشرع الشريف فهل فعلاً التماثيل حرام وشرك وضلال؟ لو كان الأمر مقتصر على تنظيم داعش أو اشباهه من هذه التنظيمات الإرهابية لهان الأمر، لكن المشكلة تكمن فى أنك حينما تبحر بقاربك المتواضع قليلاً فستجد أن هناك أصل تراثى يؤسف له يتبنى نفس الأفكار وهناك علماء رسميون واُناس يوصفون بأنهم معتدلون لديهم نفس العقائد والتصورات يبثونها من خلال قنوات ومنابر رسمية وغنى عن الذكر تلك التيارات التى تنسب نفسها للسلف وتدعى أنها تحارب الإرهاب وأنها تصطف معنا الآن ففى فالمهندس عبد المنعم الشحات، المتحدث الرسمى باسم الدعوة السلفية بالإسكندرية قال: إن التماثيل الفرعونية تشبه التماثيل التى كانت حول الكعبة عندما فتحها الرسول، نفس كلمات الفتى الداعشى السابقة قالها عبدالمنعم الشحات ذلك عام 2011م ونفذته داعش فتاوه فى 2015م طالب الشحات بأن يتم النظر فى أمر هذه التماثيل وعلاجها مثلاً بتغطية وجهها بالشمع وفى الأسكندرية نفذ السلفيون وصايا عبد المنعم الشحات. فى ذات الصف يقف جل علماء المملكة العربية السعودية ودعاة مثل الشيخ عمر الدكتور عمر عبد الكافى وسالم عبدالجليل وغيرهم ونظرة واحدة على موقع إسلام ويب التابع لإدارة الدعوة والإرشاد الديني بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر وموقع دار الأفتاء والبحوث التابع للملكة العربية السعودية تجد ما يدعم كلامنا هذا ومن هنا تأتى المشكلة الأكبر وهى مسألة ضرورة تجديد خطابنا الدينى بتنقية تراثنا من بعض الأشياء التى لا تناسب ولا تُلائم الفهم الحقيقى للشريعة والدين والتى نسبت إليه زمناً طويلاً وأصبحت الآن تصادم واقعنا المعاصر وتصادم الحضارة والمدينية الحديثة والسؤال على أى شيئ يستند هؤلاء المحرمون للتماثيل؟ وهل استدلالهم صحيح؟ إن قضية صنع التماثيل لا تتوقف على كونها قضية فقهية، بل تتعداها إلى أبواب الاعتقاد، لدى التيارات السلفية، حيث يقولو: اعلم- رحمك الله- : أنه لا يشك موحد بأن كسر الأصنام وتحطيمها وتوحيد العبادة لله عز وجل وتجريدها من أجل القربات إلى الله عز وجل!!. الأزهر يؤيد ويرفض الشيخ عطية صقر فى فتوى رسمية أيضاً ورداً على سؤال موجه لدار الأفتاء المصرية يقول: ما حكم التصوير والرسم والنحت ؟ كان جوابه: اختلف الفقهاء فى حكم الصور والتماثيل وإليك ملخص ما قيل : أولا- حكم اقتنائها: اتفق العلماء على حرمة اقتنائها إذا كان الغرض منها العبادة أو التقديس ، لأنها رجس والله يقول { فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور } الجج : 30 وإن لم يكن الغرض منها ما ذكر فهو حرام أيضا إذا توافرت هذه الشروط : 1 - أن تكون التماثيل تامة الأجزاء الظاهرية . 2 - ألا تكون هناك مصلحة تدعو إلى اقتنائها . 3- أن تكون من مادة تبقى مدة طويلة كالخشب والمعدن والحجر . وذلك للأحاديث السابقة ، ولسد الذريعة إلى عبادة الأصنام ، وعدم التشبه بمن يحرصون على تقديسها، كما مزق النبى صلى الله عليه وسلم ثوبا فيه تصاليب ، لأنها ترمز إلى عقيدة جعلها بعض الناس من أصول دينهم . وبمقتضى هذه الشروط يقال : (أ) لو كان التمثال نصفيا أو نقص منه جز لو كان التمثال حيا لا يعيش بدونه كالرأس أو البطن ، جاز اقتناؤه وإن كان ذلك مكروها . ونقل عن المالكية جواز اتخاذ التمثال التام إذا كان فيه ثقب فى مكان بحيث تمتنع معه الحياة حتى لو كان الثقب صغيرا، واشترط الحنفية والحنابلة فى هذا الثقب أن يكون كبيرا حتى يجوز اقتناؤه . (ب ) ولو كانت هناك مصلحة فى اتخاذ التمثال كلعب البنات أو كوسيلة إيضاح فى التعليم جاز ذلك ، لان النبى صلى الله عليه وسلم أقر وجود العرائس عند عائشة كما فى الصحيحين . وعلل العلماء هذا بأن فيها تمرينا للبنات على المستقبل الذى ينتظرهن ، وهو اسثشاء من عموم النهى عن الصور. وتوسع بعض العلماء فأجاز التماثيل التى تقام لتخليد ذكرى العظماء ، وإن كان ذلك مكروها فى نظرهم ، لأنه قد يجر إلى عبادتها ، كما عبدت تماثيل ( وَدّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر) وكانت فى الأصل لتخليد ذكرى قوم صالحين كما ورد فى الحديث ، ولان الأوْلى فى تخليد العظماء أن يكون بالمنشآت المفيدة كالمدارس والمصحات . الفقه يحسم المسألة هكذا نصل لنهاية المطاف ومذكرين بطرف من الأدلة الصريحة التى أباحت النحت والتصوير والتماثيل مالم تعبد من دون الله فالله يقول "يعملون له مايشاء من محاريب وتماثيل" فالآية لم تنكر ذلك بل عدته من النعم التى أنعم الله بها على نبى من أنبيائه كما أن هناك بعضاً من فقهاؤنا القدامى أباحوها مثل: المفسر أحمد بن اسماعيل المرادى "المتوفى 3338هجرية والمعروف بالنحاس, والقرطبى المفسر المشهور أيضاً فى تفسيره للآية السابقة وأبو العباس أحمد بن أدريس "684هجرية" وفى العصر الحديث على سبي المثال الإمام محمد عبده وجل مشايخ الأزهر وهو المفتى به فى دار الأفتاء المصرية. استدل الأزهر أن النبي عليه الصلاة والسلام وجد يوم الفتح في جوف الكعبة تمثالاً كبيرًا مزوقًا لمريم العذراء، وفي حضنها عيسى، فمسح عليه بيديه الشريفتين، ونهى الصحابة عن تحطيمه، كما حطمت بقية الأصنام، وبقي داخل جوف الكعبة، إلى أن حطم زمن عبد الله بن الزبير. ما يجب الإشارة إليه أنه في شهر مارس 1904، كتب مفتي الديار المصرية آنذاك الإمام محمد عبده، باسمه المستعار "سائح بصير"، مقالاً في مجلة "المنار" التي كان يصدرها محمد رشيد رضا، عن زيارة قام بها لجزيرة صقلية، وقد جاء فيه: "لا تبخس أهل سيسليا (صقلية) حقهم، فإنّهم فهموا مسألة لا بأس بفهمها، وأظنهم عرفوا ذلك من إخوانهم أهل شمالي إيطاليا وبقية الأوروبيين، وهي المحافظة على الآثار القديمة والجديدة". في السادس من مارس، قال الأزهر كلمته، بعد طول انتظار: "ما يقوم به تنظيم داعش الإرهابي من تدميرٍ وهدمٍ للآثار بالمناطق الخاضعة لنفوذه بالعراق وسوريا وليبيا بدعوى أنها أصنام، يعد جريمةً كبرى في حق العالم بأسره". وأضاف الأزهر أن "تدمير التراث الحضاري أمر محرم شرعاً، ومرفوض جملة وتفصيلاً، وكذلك التعامل بالتهريب والبيع والشراء للآثار"، وأن "الآثار من القيم التاريخية والإنسانية التي ينبغي عدم مسها بسوء، وهي إرث إنساني يجب الحفاظ عليه، ولا يجوز الاقتراب منه أبداً".