رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الثلاثاء 19/ديسمبر/2017 - 07:18 م

رسائل خالد محمد خالد الست لشيخ الازهر(1)

رسائل خالد محمد خالد
aman-dostor.org/3863

رسائل خالد محمد خالد الست لشيخ الازهر(1) الخطاب الأول: احمل المعول واهدم قبل محاولة البناء فى أواخر شهر مايو عام (١٩٥١) هبط من الجو لورد بريطانى هو «لورد كرزون» وكان يعمل إبان الحرب العالمية الأخيرة مديرًا لأقلام مخابرات الإنجليز فى الشرق الأوسط.. وجاء مصر فى زيارة خاصة، لغرض خاص، وبعد أن استراح فى دار السفارة الإنجليزية بجاردن سيتى، قصد إلى إدارة الأزهر، وتجاه المكتب الذى يجلس فضيلتكم إليه الآن جلس اللورد يحتسى مع شيخ الأزهر الأسبق فنجالًا من القهوة، وأخيرًا خرج وفى جيبه فتوى من الأستاذ الأكبر بأن الإسلام يحرم تحديد الملكية! ودلف اللورد إلى غرفة مجاورة حيث تبادل القبلات مع وكيل الأزهر الأسبق، وبعد أن دخن مع فضيلته بعض لفائف التبغ، خرج وفى جيبه فتوى أخرى مماثلة وقعها فضيلة الوكيل، أو بصمها، وهى أيضًا خاصة بتحريم تحديد الملكية! وعز على مفتى الديار المصرية حينئذ، ألا يدعى لهذه الوليمة.. وألا تقع عليه عين اللورد العظيم، فتطوع بشهادة زور ثالثة، وتجشأ هو الآخر فتوى شبيهة بأختيها السابقتين حسبة منه، وتقربًا إلى اللورد وإلى الدولة التى يمثلها. هذا مثال لبعض كبار علمائنا. واسمع الثانية: فى عام ١٩٣٧ كان يدرس لنا شيخ ينضح كراهية ومقتًا للإمام الراحل «المراغى»، وكان يتلمس المناسبات ليحدثنا خفية، وبعد أن يحكم إغلاق النوافذ والأبواب عن مساوئ الشيخ المراغى، وذات يوم وجدنا الشيخ المذكور، متلبسًا بتقبيل يد المراغى، وقد قوس ظهره كأنه فى ركوع، وأثناء الدرس سألناه عن هذه المودة الطارئة والإخلاص المواتى، فأجابنا، قائلًا: يا أبنائى! نقبلها ونلعنها. ثم علمنا بعد هذا أن هذه العبارة «نقبلها ونلعنها» نصًا وقاعدة يلتزمها بعض شيوخنا. وهذا أيضًا مثال لبعض رجال الطبقة المتوسطة من علماء الأزهر. واسمع، أو اقرأ الثالثة: عام ١٩٣٦ كنا ندرس كتابًا كبيرًا من كتب الفقه، وكان يضم بين دفتيه حشدًا هائلًا من ثقافة عجيبة.. فيها الكثير مما يشكل مثالًا واضحًا للفضول الموجود فى مناهج التعليم بالأزهر.. وأنا أضرب لك هذه الأمثال لتلقى ضوءًا على المناخ الذى ستعمل فيه، وعلى المهام الجليلة والشاقة، التى تنتظرك، فأمامك علماء كبار يسيل لعابهم كلما برقت لأعينهم الظامئة مطامع الحياة الدنيا وشهواتها، فيضعون الدين فى خدمة هذه المطامع الرخيصة والشهوات الفانية، وأمامك علماء يمشون فى مناكب الحياة وملأ أرديتهم الفضفاضة.. مداراة وضيمًا، إذا لاق بعامة الناس، فإنهم لا يليق أبدًا بالأئمة الأعلام.. وأمامك مناهج، هى خليط متنافر عجيب من المعرفة والخرافة، مناهج يتخلف بعضها عن الحضارة الإنسانية قرونًا، فلم تعد قادرة وحدها على تخريج الإنسان المثقف الذى تلتمسه الدنيا وتنشده الحياة. وعندما تلقى من نافذة مكتبك نظرة مديدة، فيقع بصرك على صفوف طويلة من القبور الجائية «قرافة المجاورين». عندما تفعل ذلك، فتذكر يا صاحب الفضيلة أنك والأزهر معك تعيشان فعلًا فى جو جنائزى. أجل، من حيث الشكل ومن حيث المعنى. ولذا، فإن مهمة فضيلتك تبدأ من الإجابة عن السؤال. - ما هذا الشىء الضخم، الذى يسمى الأزهر؟ أهو ضريح.. أم جامعة؟ فإذا كان ضريحًا، فليبقَ كما هو تعبق فى أجوائه زهمة الماضى، وحنوط الأبدية، وإن يكُ جامعة غرضها تخريج أفواج مضيئة من بشرية واعية نافعة، فليمضِ على الدرب الذى خطته الحياة للجامعات. على أن الأزهر فى الحقيقة أكثر من جامعة.. إنه غدة تفرز ما ليس للناس فى بلادنا غنى عنه.. بل هو «عقدة التنفس» لأمتنا ولأمم كثيرة غيرها، وسيظل كذلك لنا، ولتلك الأمم، ما دام هنا وهناك عروبة وإسلام فهل تؤدى «عقدة التنفس» هذه وظيفتها؟ هل يسدى الأزهر للإسلام خيرًا أو يبذل واجبًا؟ إن السذج الغافلين هم وحدهم الذين ينتظرون من الأزهر - بحالته الراهنة - نفعًا للدين أو للأمة، ما لم يغير ما بنفسه وينهض. فالأزهر أكثر جامعات الدنيا ترديدًا للقاعدة التى تقول: «فاقد الشىء لا يعطيه» فإذا فقد الأزهر مقومات الحياة.. فكيف يهبها للآخرين؟ وإذا افتقد المزيد من النور، فكيف يستطيع أن يعطى الناس هذه المزايا التى أمحلت منها داره؟! لو كان على ظهر هذا الكوكب - يا صاحب الفضيلة - ثلاثة فقط يحبون الأزهر ويقدسونه لكان كاتب هذه السطور أحد الثلاثة إن لم يكنهم جميعًا. وإذن، فلست أريد التشهير بالأزهر، ولكننى أريد - وليتنى أفلح فى هذا - أن أشد زناد الغيرة على الأزهر إلى أقصاه حتى ننقذ من حاضره ما يحيى الرجاء فى مستقبله.. وأريد أن أعاونك على رؤية الحقيقة الباسرة الكالحة. لقد التقى فيك - يا شيخ الأزهر الجديد - الشرق والغرب.. التقيا فى عقلك لقاءً وثيقًا ودودًا. أو هكذا نرجو لك أن تكون، فإذا أضفنا لهذا شباب سنك، وشباب قلبك، وجدنا فى أيدينا فرصة تتهلل بالبشر والرجاء. ولكن دعنى أصارحك بأن الثقافة والشباب والفضيلة تتحول جميعها إلى تراب ما لم يكن وعاؤها قلبًا شجاعًا، وضميرًا مستبسلًا. ولطالما ضيع الجبن أممًا وفرصًا. ولطالما حول التردد عمالقة إلى أقزام. وما أصدق الحكمة الصينية القائلة: «قد يجد الجبان ستة وثلاثين حلًا لمشكلته. ولكنه لا يعجبه سوى حل واحد منها.. هو الفرار»! فاستبعد الفرار والتردد من منهاجك أيها الشيخ. ثم امضِ فى أى طريق.. أجل فى أى طريق فستجد «روما» أمامك، إذا بدأت بالبناء فستحقق إنجازًا ممتعًا. احمل المعول واهدم.. إن أمامك أشياء كثيرة، وكثيرة جدًا تستحق الهدم، اهدم التقاليد الضالة، التى تجعل من بعض علماء الإسلام بلهاء غافلين، فهذا أول واجباتك لكى تحول الضريح إلى جامعة.. إلى قلعة إلى برج بابل تخرج منه الحكمة وتنبثق الأضواء.