رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
حوارات
الأربعاء 18/أكتوبر/2017 - 01:41 م

«زارا صالح»: ليس معقولا أن يظل شعب «كردستان» بدون دولة

«زارا صالح»: ليس
aman-dostor.org/283

أعلن إقليم كردستان انفصاله عن العراق باستفتاء تاريخي منذ أيام قليلة مما فتح قضية تأسيس الدولة الكردية من جديد بحدودها في سوريا والعراق وإيران وتركيا، تلك القضية المغلقة منذ فترة طويلة تقترب من 100 عام. وعن هذه القضية يتحدث "زارا صالح" الناشط والباحث الكردي الكبير في حوار خاص جدا لـ أمان، يلقي فيه الضوء على مستقبل القضية الكردية، ورأيه في انفصال كردستان العراق، ويجاوب على أهم الأسئلة المتعلقة بشأن القضية الكردية والتي منها هل أصبحت دولة كردستان قريبة من الوجود بعد انفصال كردستان فإلى نص الحوار: في البداية.. كيف ترى أوضاع الكرد في العالم؟ بداية لابد من الإشارة إلى أن الكرد شعب يعيش على أرضه التاريخية وجغرافيته كردستان منذ آلاف السنين وليس وافدا جديداً على المنطقة، بل جرى تقسيم وطنه بين أربع دول هي سوريا، والعراق، وتركيا، وإيران، منذ سايكس-بيكو، وتعرض الكرد في كل الأجزاء لعمليات قتل ومذابح وسياسات صهر ممنهجة من قبل الأنظمة الحاكمة، لكن إرادة الحرية والإيمان بعدالة قضيته وطموحه نحو الاستقلال أبقتها حية وحققت جزءاً من ذلك في إقليم كردستان العراق اليوم، وكذلك صعدت من سوية القضية الكردية في حضورها الإقليمي والدولي في السنوات الماضية سواء في سوريا أو تركيا أو إيران، وكي لاندخل القارئ العربي والمصري تحديداً في متاهة التاريخ حول الكرد الذي بات غنياً عن التعريف، لأن ما يهمنا اليوم حقيقة الوضع الكردي في ظل التغييرات القادمة والموقف الكردي عموماً وكذلك تناول حكومات وأنظمة تلك الدول الغاصبة لكردستان. يحاول البعض التفريق بين المواطن العربي والكردي.. فهل هناك فرق فعلا ؟ لا فرق في الجوهر الإنساني، لأن الله خلقنا أقواما وملل مختلفين، ولم يفضل شعبا على آخر، وهذا هو الأساس في فهم قضية الوجود وحقوق الآخرين وقبول المختلف لكن مع الأسف بقيت أنظمة خاصةً في سوريا والعراق بفكرها "البعثي القوموي العروبي" تزرع ثقافة مشوهة، أصبحت ثقافة ورأيا جمعيا، شعبي أيضاً حول " الخطر الكوردي " وتصورهم وافدين ودخلاء على المنطقة واعتبارهم " أكراد عرب سوريين " وحتى الذين يعتبرونهم جزءا من النسيج السوري لديهم تصور لنسيج عروبي خاص يكتمل في صهر الآخر في بوتقته وهذه الذهنية طغت على النخب السياسية والثقافية والمعارضة السورية أيضاً وهذه بالذات تعتبر إحدى الإشكاليات في عدم فهم وتناول القضية الكردية التي لا ترى في المطالب الكردية سوى الانفصال أو إسرائيل ثانية. كيف ترى خطوة انفصال كردستان العراق وتأسيس دولة مستقلة؟ بداية لابد من التصحيح حول مصطلح " الانفصال " الذي هو حقيقة " الاستقلال " لأن الكرد يعيشون على أرضهم منذ آلاف السنين وليسوا دخلاء، وقد جاء قرار الاستفتاء على الاستقلال أولا لأنه طموح الكرد منذ مئات السنين في إقامة دولتهم المستقلة، وثانيا جاء نتيجة فشل الشراكة مع الحكومات المركزية في بغداد منذ سقوط نظام صدام وقبلها، ولعلمك منذ 1991 كان الإقليم شبه مستقل، وعندما سقط نظام صدام 2003 توجه الكرد إلى بغداد وشاركوا في كتابة الدستور الفيدرالي لكن التجربة لم تنجح وبقيت المادة 140 معلقة إلى اليوم وتمت محاربة الكرد وقطعت عنهم الميزانية ورواتب الموظفين والبيشمركة، فجاء الاستفتاء كعملية طبيعية لأخذ رأي الشعب الكردي في تقرير مصيرهم، وبكل تأكيد استقلال إقليم كردستان سيكون خاصا بكردستان العراق، ويلقى دعما من بقية أجزاء كردستان الذي لديه خصوصية حسب وضع كل جزء من كردستان. ما رأيك فيما يردد عن استغلال داعش لاستقلال الإقليم ؟ داعش يعيش أيامه الأخيرة خاصة بعد اندحاره في الموصل وهزائمه المتكررة على يد قوات "البيشمركة" وقوات حماية الشعب، في العراق وسوريا وبات أمره شبه محسوم، وبالتالي لن يتأثر وضع كردستان بعد الاستفتاء؛ بل على العكس سيكون الكرد دوما رأس الحربة في محاربة الإرهاب والتطرف وداعش وسيكون الدافع أكثر تصميما بعد الاستقلال، والذي سلم المنطقة في العراق لداعش كانت حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي خاصة المناطق السنية وكذلك سلمهم أسلحة الجيش العراقي. كيف ترى تهديدات أردوغان لكردستان حال استقلالها من العراق؟ بالنسبة لتركيا وتصريحات أردوغان وتهديدهم لإقليم كردستان وتطبيق سياسة تجويع الشعب الكردي من خلال الحصار. أعتقد أن تركيا لا تستطيع القيام بهذه الخطوات بسبب مصالحها الاقتصادية مع الإقليم، إذ يبلغ التبادل التجاري مليارات الدولارات ويعتبر إقليم كردستان أحد مصادر، وأسواق تركيا حيث مئات الشركات، وكذلك تصدير الغاز والنفط عبر ميناء جيهان، ولهذا لن تتخلى تركيا عن هذا المصدر الاقتصادي لكنها تعطي تصريحات إعلامية لإرضاء الشارع التركي الداخلي والقوميين الأتراك ليس إلا. ماذا يريد أردوغان من وجهة نظرك؟ أردوغان يحاول استعادة السلطنة العثمانية باسم العلمانية ممزوجة بخلفية إسلامية سياسية وثقافة أتاتوركية متأصلة في العقل الجمعي التركي و" التركي أولا "، ويبدأ هذا المخطط بإجراء تغييرات دستورية للوصول إلى توسيع وإطلاق صلاحياته الرئاسية ومن أجل ذلك يحتاج إلى " أكثر من عدو " وقد وجدها في جماعة فتح الله جولن وداعش مؤخراً، وكذلك حزب العمال الكردستاني. وقد مدد من قانون الطوارئ لتمرير ذلك. هو يعلم بان الالة العسكرية التركية فشلت في القضاء على الكرد و ب ك ك لانه قبل حوالي اربع سنوات اقر بذلك عندما أوقف عملياته الحربية في المناطق الكردية وانطلق " مشروع السلام " مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان المعتقل في سجن ايمرالي وذلك بوساطة رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، لكنه عاد وأوقف المشروع لتبدأ الحرب مجدداً وهي حرب ضروس ينتهجها أردوغان ضد الكرد بحجة محاربة حزب العمال الكردستاني حيث اعتقال المدنيين و كذلك رؤساء البلديات وحتى نواب كرد عن حزب الشعوب الديمقراطي، أي بمعنى أن الحكومة هي التي تمارس الإرهاب وتدعي أن الكرد هم السبب وتصنفهم في قائمة الإرهاب علماً بأن مفتاح الحل لديها وهي التي أفشلت مشروع السلام الكردي - التركي. لا يمكن تصنيف شعب يناهز تعداده 40 مليونا ضمن جدول " الإرهاب " وهو صاحب قضية عادلة وحق مسلوب ولن يتوقف نضاله من أجل ذلك مع العلم أن قيادات حزب العمال الكردستاني لديهم سياسة دفاعية واضحة تجاه تركيا وتستهدف المقرات العسكرية و"الجندرمة" فقط، ولا تقترب من ضرب المدنيين. إضافة إلى ذلك فإن جماعة العدالة والتنمية تدخلت عسكرياً في سوريا واصبحت طرفاً محتلا، تحت حجة محاربة داعش والكرد بعد السيطرة على منطقة جرابلس شمال حلب وتسعى لاحتلال مدن أخرى بعد إطلاق عملية " درع الفرات " مع بعض الفصائل المسلحة للمعارضة السورية التابعة لها، وكذلك تقوم بقصف المناطق الكردية في الداخل السوري وأقامت جدارا عازلا هناك. ما سر الهجوم الشرس من الحكومة العراقية على استفتاء إقليم كردستان؟ حكومة بغداد تتصرف مع إقليم كردستان وكأنه عدو فقط لأن الكرد عبروا بأسلوب حضاري وسلمي وديمقراطي عن رأيهم في شكل الشراكة وهذا بحد ذاته يعكس إعادة إنتاج ديكتاتورية بصيغة طائفية شيعية، وتنفيذ أوامر ولاية الفقيه من خلال التلويح بإرسال " الحشد الشعبي " الفيلق الإيراني نحو مناطق التماس مع حدود كردستان وهذا مخالف للدستور الاتحادي العراقي عندما يستعين بالأجنبي ضد شعبه، لن تسمح أمريكا ودول التحالف الدولي أن تصل الأمور إلى الحرب ولكن تبقى قوات البيشمركة الكردية الدرع والحصن المنيع ضد أي جهة تحاول زعزعة الاستقرار في كردستان. هل تحلمون الآن بتأسيس الدولة الكردية بكامل حدودها بعد نجاح كردستان في أول خطوة؟ القضية الكردية أصبحت من القضايا الأساسية والحيوية في الشرق الأوسط وتحتاج إلى حل بعد أن تم تهميش إقامة الدولة الكردية منذ اتفاقية سيفر 1920 وكان الكرد بحاجه لقرن حتى تاريخ اليوم كي ينصف هذا الشعب في تقرير مصيره، وبكل تأكيد سيكون الكرد في بقية أجزاء كردستان ضمن سياق نيل حقوقهم سواء بالشكل الفيدرالي أو إقامة دولة مستقلة وكذلك فإن سيناريو إقامة أكثر من دولة كردية قائم في المستقبل. هل تتوقع حرب عالمية ثالثة يكون بطلها الكرد بسبب الاستقلال؟ باعتقادي الحرب العالمية الثالثة قائمة حالياً منذ ذلك الصعود الخطير لفكر الارهاب وظهور داعش والجماعات التكفيرية. والآن العالم يخوض حرباً عالمية في كل بقاع الأرض لأنها حرب فكرية وأيديولوجية حتى قبل أن تكون سياسية والكرد الآن جزءا مهما في مناطق تواجدهم يدافعون عن أرضهم وشعبهم ضد تلك الأخطار في إطار التحالف الدولي، لن يكون الاستقلال الكردي سبباً في ذلك، بل على النقيض فإن استقلال كردستان سوف يعيد التوازن والاستقرار في المنطقة وهذا سيكون في خدمة المصالح العربية أيضاً ضد المشروعين التركي والفارسي. ما ردك على من يردد أن القضية الكردية ستكون النافذة لمشروع شرق أوسط جديد ؟ مشروع الشرق الأوسط الجديد تم التخطيط والرسم له في الغرف المغلقة لأولئك الذين يتحكمون ويقودون العالم وهم دوماً يبحثون ذلك ضمن أجندة مصالحهم السياسية أولا ولا تتم بعلم وإرادة شعوب المنطقة كما حدث سابقا وهذا ما يحدث اليوم لاسيما أن التراكمات والاحتقانات الموجودة في منطقتنا توفر أرضية ومناخا خصبا للبحث عن التغيير واستعادة الإنسان لحريته. ما يجري أحياناً تتقاطع الأهداف في سياق مشترك مع ما يقوم به الغرب من استراتيجيات وتوزيع وتقاسم مناطق النفوذ. لم يجلب الكرد الأمريكان إلى العراق أو سوريا وغيرها من البلدان العربية، إنما سياسة الأنظمة الحاكمة القمعية بحق شعوبها كانت السبب، وأصبحت مدخلاً لتدخلات خارجية أحياناً. في هذا السياق يتعرض الكرد لتهمة العلاقة مع أمريكا وإسرائيل وكأنه جناية علماً بأن أغلب الأنظمة العربية تتعامل معها والبعض لديه علاقات إستراتيجية ولا أدري سبب هذه الذهنية المؤامراتية تجاه الكرد؟ نعم اذا كانت تلك الأنظمة حريصة على المصالح الكردية لماذا لا تبادر بقطع الطريق على أولئك " الأعداء " وتتبنى القضية الكردية وتعالجها بشكلها الصحيح؟ أم فقط حق يراد به باطل. في المحصلة الكورد أصحاب قضية عادلة ولهم الحق في بناء علاقاتهم بما يخدم مصالحهم القومية كما يفعل الآخرون فمثلاً الكل ينادي بحقوق الشعب الفلسطيني ونحن أيضاً ولكن الأمر ينقلب عكسا عندما يتعلق بالكرد إنها ازدواجية المعايير. في النهاية ماذا يريد الاكراد من العالم؟ أعتقد أنه من المعيب للدول صاحبة القرار والهيئات الدولية أن يظل شعب تعداده أكثر من 40 مليون بدون دولة مستقلة إسوة ببقية العالم في حين أن هناك دولا صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها بضعة آلاف، وإنها مفارقة ونحن في الألفية الثالثة.