رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الإثنين 11/ديسمبر/2017 - 11:25 ص

ناجح إبراهيم يضع روشتة علاج لمواجهة الفكر المتطرف

ناجح  إبراهيم
ناجح إبراهيم
أحمد ونيس
aman-dostor.org/2521

يطالب الرئيس عبدالفتاح السيسي، مع كل مناسبة عامة أو خاصة المسئولين فى المؤسسات الدينية، بضرورة السعي نحو مواجهة الفكر المتطرف الذي أصبح يتغلغل فى عقول الشباب، بطريقة أكثر توحشًا، لهذا تحملت المؤسسات الدينية وعلى رأسها دار الإفتاء هذه المسئولية، من خلال دراسة هذه الظاهرة من جميع الجوانب على أيدي باحثين متخصصين فى شئون الحركات الإسلامية، لوضع التصورات الحقيقية نحو محاربة الإرهاب. كان من بين هؤلاء الدكتور ناجح إبراهيم المفكر الإسلامي وقائد المراجعات الفكرية للجماعة الإسلامية فى مصر خلال تسعينيات القرن الماضي، وحاول وضع خطة كاملة لمحاربة الفكر الإرهابي المتطرف الذي بدأ فى الانتشار بين أوساط الشباب داخل المساجد والزوايا، عن طريق الفتاوى الشاذة.

◄ الخطاب الديني الصحيح

ففي الدراسة التي تحمل اسم "الأفكار الإستراتيجية لمحاربة الإرهاب والتطرف"، واستعرض خلالها اثنا عشر نوع من أنواع الخطاب الديني الذي يجب أن يتبع للشباب خلال الفترة القادمة لمحاربة التمدد الإرهابي بين الشباب، وجاء أولى هذه العناصر هو خطاب الهداية لا التفكير، وقال فيه: على الدعاة أن تهتف قلوبهم "نحن دعاة لا قضاة"، فليست مهمة الدعاة ولن تكون الحكم على الناس، وليسوا مؤهلين لذلك ولا يملكون أدوات وسلطات القضاء.

وخطاب التبشير لا التنفير، وهو الذي يبشر الناس ولا ينفرهم ويعنيهم على شياطينهم ولا يعين الشيطان عليهم، فكل من ينفر ولا يبشر لا يعرف الإسلام حقًا، فداعش والمليشيات الشيعية في العراق وغيرهم تنفر الناس عن الإسلام، بتفجير المساجد والأسواق، وهذا الخطاب هو أكبر جريمة في حق الإسلام.

واستكملت الدراسة عرض الخطابات التي يتم الاعتماد عليها من قبل المؤسسات الدينية الرسمية لمحاربة الفكر المتطرف، وجاء من بينها، خطاب المقاصد، وهو الذي يقرأ النص قراءة جيدة وفي الوقت نفسه يدرك مقاصده، ويجمع بين النص وروحه فلا يخرج النص عن روحه، ولا يلغي النص في مقابل الإهتمام بالمقاصد.

خطاب الأولويات: وهو الذي يلتزم "فقة الأولويات" وهو فقة مجهور لدى المسلمين عامة والإسلاميين والدعاة خاصة، ولو أن الخطاب الإسلامي التزم "فقة الأولويات" لنجا من كل المزالق والمهالك التي وقع فيها أو التي أعدت له فسقط فيها بسذاجة، فمن قدم الفروع على الأصول.

واختتم عرضه لأنواع الخطابات المعتمدة خلال الفترة القادمة، هو خطاب التجديد لا التبديد، وعرض خلاله أن الأمة تحتاج إلى خطابا "يجدد ولا يبدد"، لا يفرغ الإسلام من محتواه الأصلي ولا يقدس أيضًا اجتهادات العلماء السابقين، فالتجديد لا يعني الهدم والتبديد، ولكنه يعني الإبقاء على الأسس الثابتة ويجدد في المتغيرات.


◄ أفضل التجارب لمحاربة التطرف

وانتقلت الدراسة في منتصفها، إلى عرض مجموعة من التجارب الدول التي قامت بها وأثبت نجاحها،  واستهل في البداية التجربة المصرية "مبادرة الجماعة الإسلامية"، وقال عنها هذه التجربة تمت بإرادة حقيقية خالصة من قادة الجماعة الإسلامية أواخر التسعينات، لم يجبروا عليها أو تملى عليهم الدولة شجعتها فقط وأعانتها ولم يقف في طريقها، أصدرت الجماعة بياناا يوقف العنف جانب واحد دون قيد أو شرط تلاه تأليف بعض الكتب تغير الفكر القديم وتؤسس لفكر سلمي جديد، تلاه ذهاب هؤلاء القادة إلى السجون لشرح الفكر الجديد، خاطبوا قرابة عشرين ألف معتقل، ذهبوا عدة مرات تم تحسين السجون فأصبحت أدمية تحولت بالتدريج إلى أحسن سجون في المنطقة بعد أن كانت أسواها تم حل الجناح العسكري وسلم أسلحته طواعية.

وجاءت التجربة الجزائرية، ثاني التجارب في محاربة التطرف خلال عرض الدراسة،"عندما صعد بوتفليفة إلى سدة الحكم كانت الجزائر قد أتمت عشر سنوات دموية بين الجماعات التكفيرية والجيش بلغت حصيلة القتلى والجرحى فيها ما يقارب 170 ألفًا، فضلا عن الخسائر الإقتصادية والاجتماعية، فكر "بوتفليفة" خارج الصندوق مستلهما لتجربة مبادرة الجماعة الإسلامية المصرية مطورا لها، كانت مشكلته أعقد من مصر، فأصدر قانون الوفاق المدني، الذي صدق عليه البرلمان ويقضي بالعفو عن المسلحين من الإسلاميين الذين لم يرتكبوا جرائم قتل إذا سلموا أنفسهم وأسلحتهم.

وقد نجحت التجربة نجاحا باهرًا في وقف العنف وحقن الدماء، كما استخدم بوتفليقة إخوان الجزائر "حركة حماس الجزائرية"، في مواجهة الإرهاب ودمجها في الحياة السياسية دون عوائق، وتتلخص التجربة في كلمتين جزائرتين: الديمقراطية وإشراك التيار الإسلامي الوسطي في الحياة السياسية أفضل الحصون ضد الإرهاب والعنف".

واستكملت الدراسة في عرض التجارب حتى وصلت إلى التجربة السعودية "تجربة المناصحة"، "صاحب الفكرة ومؤسسها ولي العهد الراحل نايف بن عبد العزيز ووابنه الأمير محمد ولي العهد الحالي حينما كانا يقودان الداخلةي السعودية وقد بدأت التجربة سنة 2006 وذلك بإقامة مراكز للمناصحة بديلًا عن السجن. وقد تخرج من برنامج المناصحة أكثر من ثلاثة ألاف شخص متطرف، عاد منهم إلى العنف 15% فقط نتيجة للظروف التي نشأت في السنوات الماضية في العراق وسوريا والصراع المذهبي بين السنة والشيعة وظهور داعش وأخواتها.

التجربة التونسية، كان رائدها "راشد الغنوشي" زعيم حزب النهضة الإخواني، الذي اكتفى بالحزب ورفض تكوين جماعة، لعدم اختلاطهما حتى لا تحدث مأساة إخوان مصر، انفصل تماما عن التنظيم الدولي للإخوان، وقطع صلة النهضة بالإخوان، وأصبح حزبًا تونسيًا سياسيا محلسا، رفض أن يقع في فخ إخوان مصر، ترك منصب الرئاسة المناصب الكبرى حوله، علم أنها الفخ الأكبر الذي نصب لإخوان مصر والطبخة المسمومة التي قتلتهم، رضي بأن يكون معارضًا لا سجينًا أطلق صيحته الرائدة في فقة المصالح والمفاسد "لئن نكون في مصر المعارضة خير من أن نكون في السجن".

واستكمل الدكتور ناجح، عرض التجارب حتى وصل بمركبه، إلى التجربة المغربية، ويتلخص في تحويل المتطرفين إلى وسطيين ودمجهم في الدولة والمجتمع، والاستعانة بهم في محاربة الإرهاب والعنف، كان عبد الإله بن كيران يقود جماعة متطرفة تنتهج العنف، أحدث مراجعات أشبه بمراجعات الجماعة الإسلامية. وثقت الدولة علاقتها بكيران، قبلت أن يدمج تياره في الدولة عن طريق حزب سياسي، تم حل الجماعة وبقي الحزب قبل بالدمج السياسي والمجتمعي والقبول بالتجربة الديمقراطية الوليدة.

التجربة الأردنية، وأثنى عليها بقوله: المملكة الأدرنية تنتهج سياسة منذ أيام الملك حسين تتلخص في احتواء ودمج تيار الإسلام السياسي في تيار الدولة الوطنية الأردنية وإحداث توافقات وتوازنات دقيقة جنبت الأردن كثيرًا من المزالق في أحرج الأوقات التي مربت بها الأردن الذي يحاط بأربع دول قوية، كما أن التركيبة السكانية وتغيراتها الأيدلوجية تحتم السير بسياسة شعرة معاوية.

وتابع في قوله: كان أمام الملك أحد خيارين إما الصدام وما يتبعه حتمًا من عنف وعنف مضاد وسجون وإعدامات ونحوها، وإما تغيير قيادة الإخوان المتشددة بطريقة ما، واستبدالها بأخرى سلسة ومتعاونة معه، فضل الخيار الأسهل والأمن وهو الثاني وبذلك جنب الأردن وتيار الإسلام السياسي نفسه ويلات كانا في غنى عنها، لتسير المركب بهما إلى شواطئ الأمان كالمعتاد في الأردن.

واختتم قوله: هذه هي أهم التجارب الحية والإستراتيجية في مواجهة الإرهاب والعنف.

واختتم التجارب الذي يرها "ناجح"، أنها من أهم التجربة الإسرائيلية، "فإسرائيل لا تخلو من الإرهابيين اليهود ومنهم اخلية الإرهابية التي قتلت اسحق رابين رئيس الوزراء الأسبق، لقبول السلام مع ياسر عرفات ومنظمة التحرير، رغم أن المكاسب الإسرائيلية من هذا السلام لا حصر لها دون الفلسطينيين، فماذا صنعت إسرائيل لم توسع الاشتباه ولم تقبض على ألاف المتطرفين اليعود، ولكنها دشنت مشروعا طويل الأمد لعزل الإرهابيين عن المتطرفين كخطوة أولى، ثم دمج المتطرفين في المجتمع، وشغل وتوجيه طاقاتهم كشباب متدين "لديه حماسة كبيرة" في بناء وزراعة وتطوير المستوطنات وتحويلها بالتدرج إلى مدن حضارية يصعب تفكيكها أو تسليمها العرب.

وظلت تتدرج في تحويل المتطرفين إلى وسطيين حاربت بهم خروقات الإرهاب، وتوسعت في إشراك المتطرفين في منظومة الدولة، ونقلتهم من فقة العزلة إلى فقة الإجماع، ومن فقة الجماعة إلى فقة الدولة، ومن عقل التنظيم الضيق إلى عقل الدولة الرحب الذي يسع كل التيارات ويستوعبها.


◄ تجيب الدراسة عن سؤال هل نحن نحارب الإرهاب فعلًا؟

بين الحين والأخر تصدر تصريحات من المسؤولين بأنهم جميعا يحاربون الإرهاب، إلا ان الواقع العملي وبحسب الدراسة، لا يحدث ذلك، حيث قام بعرض قصة لأحد الشباب الذي انتمى إلى العمل الإرهابي، جاءت قصته من خلال فشله في الحياة بسبب تعند الأجهزة الإدارية في الدولة، وتفشي الرشوة والفساد والمحسوبية تخلق مشاعر وأفكار داعشية، إذا حرم البعض من حقه خرجت أفكاره وطباعه الشريرة إلى العلن.




يتساءل البعض دومًا: كلما قضينا على الإرهاب توالد بعد سنوات، وكذلك البلطجة تولد أجيالا متعاقبة، وكلما قوضت الدولة أوكارًا للمخدرات نشأت أخرى، فكيف تتوالد هذه الاجيال المتعاقبة؟ سؤال يتكرر باستمرار؟

الإجابة يسيرة فعدد القرى في مصر بلغ في أخر إحصاء للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء 4655 قرية، لا تسال عن الإرهاب طالما أن البطالة تأكل الأخضر واليأبس ولا تسال عن الإرهاب طالما هناك صراع سياسي حاد يحتاج للمصالحة الوطنية طالما غابت كل الحواضن الصحيحة للشباب عامة وفي القرى خاصة سياسية ودعوية وتربوية وفكرية وثقافية ورياضية واجتماعية.


◄ التصوف.. وهل يصبح بديل؟

تتركز الفكرة الجوهرية لحل مشكلة التطرف والإرهاب في إبدال فكر الصوفية العملية الراشد المعتمد على الكتاب والسنة وعلى فكر التسامح والمحبة والإيثار والزهد، وعدم الدخول في صراعات السياسة، حيث يحل الفكر الصوفي العلمي الصحيح بديلا عن فكر الجماعات الإسلام السياسي أو التطرف أو الكراهية أو التي تقدن الدعوة للتنظيم على الدعوة إلى الله.

وفي اجابته على السؤال، استعرضت الدراسة قولها "مصر والعالم العربي يعاني من انهيارات أخلاقية وقيمية واجتماعية وإنسانسة تلمي ذلك في الشارع، والبرلمان والتعاملات المالية والاجتماعية والفن والإعلان وبين قطاعات كثيرة تمتد من قاع المجتمع إلى أعلاه اجتماعيا واقتصاديا، وأحسب أن التصوف العلمي الصحيح يمكن أن يلعب دورا كبيرا في علاج أفات المجتمع المصري، والعربي وخاصة في ظل غياب شبه تام للحركات الإسلامية عن الساحة نتيجة صراعها المحتدم مع الحكومة ودخولهما سويا في معركة تكسير عظام.

الصوفية التي أقصدها ليست صوفية التكاسل وعدم العمل وقلة العلم أو صوفية الخرافات والبدع والانتقال من مولد إلى مولد ليس فيه سوى الرقص والغناء والتطوح يسارا ويمينا، لكن الصوفية التي ستحل المشاكل في بلادنا التي غمرتها الدماء وغطتها الأحقاد وملاتها الصراعات السياسية والمذهبية والعرقية هي صوفية الجنيد وإبراهيم بن أدهم والحارث المحاسبي، التصوف الذي يحل أزمتنا هو تصوف الإحسان ألى الخلق، والاحسان فوق العدل ولا ينزع إليه إلا من سمت نفسه عن الأحقاد والكراهية ودعوات الانتقام والثأر أو الدوران حول السلطة والذات والمال والجاه.

لكن الصوفية السنية العملية تواجهها عقبات كثيرة جدا أمام هذا الاتسخلاف بشكل لا يجعلها بديلا كاملا عن هذه الجماعات القوية ومن هذه العقبات "أن الطرق الصوفية تفتقر إلى الكيان الإداري الجيد، وأن كثيرًا من أتباع التصوف وعوامهم تركوا تزكية القلوب والنفوس التي هي أأساس الدين الحنيف من ناحية، انصراف بعض أتباع الصوفية إلى التدين الشعبي الذي تغذيه الموالد المختلفة، عدم تصحيح وتنقية الأخطاء التي امتلأت بها الكتب الصوفية، عدم نزول علماء التصوف إلى التجمعات الشعبوية الصوفية، وكثيرًا من أتباع التصوف أصابهم حب الدنيا والجاه والمال كما أصاب غيرهم من أتباع المجتمع.