رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ملفات شخصية
الثلاثاء 11/يونيو/2019 - 03:34 م

مصطفى عبدالرازق.. الإمام المستنير

مصطفى عبدالرازق..
نعمات مدحت
aman-dostor.org/22078

احتل الشيخ مصطفي عبدالرازق مكانة قوية بين علماء المسلمين على مدار التاريخ الحديث حيث سجل الشيخ الأزهري اسمه بأحرف من نور بمؤلفاته العلمية التي تنادى بإعمال الفكر، وأثرى المكتبة الإسلامية بالكتب الإسلامية والشرعية والعلمية والثقافية والأدبية.

ولد الشيخ مصطفي عبدالرازق في قرية أبِي جرج، من قرى محافظة المنيا، ولا يُعرف تاريخ مولده بالضبط، وأشهر الأقوال أنه ولد سنة 1885م، وهو الابن الرابع من أبناء المرحوم حسن باشا عبد الرازق.

وحفظ القرآن الكريم في قريته وجوَّده ودرس مبادئ العلوم ثم أرسله والده إلى الأزهر وسِنُّه بين العاشرة والحادية عشرة، فواصل دراسته في جدٍّ واجتهادٍ، وظهرت بواكير نبوغه وكان والده يتدارس معه في الإجازات كتب الآداب ودواوين الشعراء فنمت موهبته وأينعت، وأحبَّ الصحافة فأنشأ مع إخوته وأقاربه صحيفة عائلية كان يطبعها على مطبعة (البالوظة)، ثم أنشأ جمعية (غرس الفضائل) من شباب أسرته وكانوا يتناوبون فيها الخطابة في مساء الجمعة من كُلِّ أسبوع، وكان هو أمين سر الجمعية واستمرت هذه الجمعية من سنة 1900م حتى سنة 1905م.

ثم درس مع الشيخ أحمد أبي خطوة كتاب (طوالع الأنوار للبيضاوي) وهو كتاب فيه ذكر لمذاهب الفلاسفة المسلمين وغيرهم.

وفي 29 من يوليو سنة 1908م تَقدَّم الشيخ الإمام مصطفى عبد الرازق لامتحان العَالِمية، فأدَّى الامتحان بتفوق ونال شهادتها من الدرجة الأولى، ولم ينلها من هذه الدرجة إلا واحد أو اثنان من المتقدمين معه، وكان عددهم كبيرًا، وبعد شهر من نجاحه انتُدِب للتدريس بمدرسة القضاء الشرعي.

وكان الأزهر في هذه الفترة يموج بالثورة مُطالبًا بإصلاح مناهجه ونظمه، ومن مطالبه إلغاء مدرسة القضاء الشرعي؛ لأن هناك غنى عنها بكلية الشريعة، وتألفت جماعة للمطالبة بالإصلاح أطلق أعضاؤها عليها اسم (جمعية تضامن العلماء) وكان الشيخ مصطفى عبد الرازق في مقدمة أعضائها فغضب الخديوي على هذه الجمعية وأوعز إلى مدرسة القضاء الشرعي بالضغط عليه للاستقالة منها، فقدم الشيخ استقالته من المدرسة لا من الجمعية.

ثم اتجه الشيخ مصطفى عبد الرازق إلى السفر إلى باريس لدراسة اللغة الفرنسية والفلسفة في جامعة السربون، ففي 23 من يونيه سنة 1909م سافر إلى فرنسا، ودرس الفرنسية وحضر دروس (دوركايم) في الاجتماع، كما حضر دروسًا في الآداب وتاريخها، ثم حضر في ليون درس (جوبلر) في تاريخ الفلسفة ودروسًا في تاريخ الأدب الفرنسي، ثم ندبه مسيو (لامبير) ليتولى تدريس اللغة العربية في كلية (ليون)، وأعدَّ رسالة الدكتوراه عن الإمام الشافعي، ثم أخرج مع المسيو (برنار ميشيل) ترجمة بالفرنسية لكتاب الشيخ محمد عبده (العقيدة الإسلامية) من رسالة التوحيد.

ظل الشيخ الإمام مصطفى عبد الرازق في فرنسا حتى اشتعلت الحرب العالمية الأولى، فعاد مع كثير من زملائه المصريين إلى مصر.

وفي أكتوبر سنة 1915م عُيِّنَ مُوظَّفًا في مجلس الأزهر الأعلى بإشارة من السلطان حسين كامل؛ لأنه كان وثيق الصلة بوالد الشيخ مصطفى وبأخيه حسن باشا عبد الرازق؛ ولأنه تعرف على الشيخ في بعض أسفاره إلى فرنسا فأعجب به كل الإعجاب واستمرت الصلة بينهما في مصر، مما دعا الأميرة قدرية بنت السلطان إلى تكليفه بتعريب كتاب لها بالفرنسية، فترجمه إلى العربية بعنوان (طيف خيال ملكي).

ثم بعد ذلك عينه السلطان سنة 1916م سكرتيرًا للمجلس الأعلى للأزهر والمعاهد الدينية، واستطاع في هذا المنصب أن يصل حباله بكثير من علماء الأزهر، وأن يكسب مودتهم وإعجابهم، وفتح بيته ندوة يؤمها رجال الفكر والثقافة وعلماء الدين يتدارسون فيه ويتباحثون في شؤون الدين والفلسفة والآداب.

وفي سنة 1916م اشترك في الجمعية الخيرية الإسلامية، ثم انتُخب عضوًا بمجلس إدارتها سنة 1920م، ولم يزل انتخابه يتجدد حتى انتُخب وكيلا لرئيس الجمعية ثم رئيسًا لها في 28 من فبراير سنة 1946م بعد وفاة رئيسها المرحوم الإمام المراغي، وبقي رئيسًا لها حتى توفاه الله.

وفي سنة 1917م أنشأ رجل سويدي اسمه (بروزدر) -كان موظفًا بصندوق الدَّين في مصر- ما سَمَّاه (جامعة الشعب) وضمَّ إليها كبار المثقفين من المصريين والأجانب لإلقاء محاضرات علمية في شتى المعارف، وضم إليها الشيخ مصطفى عبد الرازق، فلقيت هذه المحاضرات رواجًا كبيرًا ولبثت بضع سنوات.

وفي 4 من سبتمبر سنة 1920م صدر قرار من مجلس الوزراء بتعيين الشيخ مصطفى عبد الرازق مُفتشًا بالمحاكم الشرعية.

وفي نوفمبر سنة 1927م نُقل إلى الجامعة أُسْتَاذًا مُسَاعِدًا، فبرزت مواهبه في هذا الأفق العلمي الفسيح، ولَمَّا خلا كرسي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة لم يختلف أصحاب الشأن في اختياره لشغل هذا الكرسي، ففاز بلقب أستاذ الفلسفة في أول أكتوبر سنة 1935م، كما نال رتبة البكوية في 2 من فبراير سنة 1937م، ثم تم اختياره وزيرًا للأوقاف في الوزارة التي ألفها محمد محمود باشا في 27 من إبريل سنة 1938م، وظلَّ وزيرًا للأوقاف في هذه الوزارة وما تلاها من وزارات حتى 5 من فبراير سنة 1942م.

وفي أثناء عمله وزيرًا عُيِّن عضوًا بالمجمع اللغوي سنة 1940م، وفي سنة 1941م نال رتبة الباشوية، وفي 9 من أكتوبر سنة 1944م تألفت وزارة أحمد ماهر فدخل فيها وزيرًا للأوقاف، كما دخل وزارة النقراشي التالية لها أيضًا، وبقي وزيرًا للأوقاف حتى تم تعيينه شيخًا للأزهر، فقد شغل الشيخ مصطفى عبد الرازق منصب وزير الأوقاف في سبع وزارات، وهو أول شيخ أزهري يتولى هذه الوزارة.

وفي 27 من ديسمبر سنة 1945م تم تولية الشيخ الإمام مصطفى عبد الرازق مشيخة الأزهر الشريف، وهذا الأمر لم يرض به مجموعة من كبار العلماء في الأزهر؛ لأن شيخ الأزهر ينبغي أن يكون من هيئة جماعة كبار العلماء، ولا يُعيَّن بالهيئة إلا من تولَّى وظائف معينة في القضاء الشرعي، أو درس بالأزهر مدة معينة، ولم يكن الشيخ مصطفى عبد الرازق قد باشر التدريس بالأزهر، ولم يعترف كبار علماء الأزهر بتدريسه بالجامعة المصرية، فحلَّ أولياءُ الأمور هذه المشكلة بإصدار قانون جديد يقضي بأن يكون التدريس في الجامعة مُسَاويًا للتدريس في الكليات الأزهرية في الترشيح لمشيخة الأزهر.

ولم يمض عليه حول كامل في مشيخة الأزهر حتى تم اختياره أميرًا للحج، فخرج لأداء الفريضة في 28 من أكتوبر سنة 1946م، ولبث في رحلته شهرًا وأيامًا ثم عاد ليتفرغ لاستئناف وجوه الإصلاح في الأزهر، ولكن الأمر لم يطل به.

واعتبر الشيخ مصطفي عبدالرازق أن الفلسفة الإسلامية ليست تلك التي نجدها عند ابن سينا والفارابي، ولكنها تكمن في منجز العرب المسلمين في علم الكلام ومصادر فلسفة التشريع الإسلامي.

وأن الدين والفلسفة يبتغيان سعادة البشر، غير أن الدين يقوم على التصديق والإيمان ومصدره القلب، بينما الفلسفة تقوم على النظر والفكر ومصدرها العقل؛ لذلك فهما متفقان في الغاية مختلفان في الوسيلة، ولا يجوز أن نخلط بينهما ولا أن نفسر الدين بالفلسفة، وإنما يبغي أن ننظر إلى كليهما باستقلالية عن الآخر.

وكان الشيخ عبد الرازق يحب الفن ويحترمه، ويقول عنه: "إنه يفيد الإنسان في البحث عن قيم الحياة؛ لأنه إحساس نابض في الوجود من قيم جمالية يعمل الفنان على إبرازها، وإن الذين يتوهمون أن الدين يعارض الفن يدلون على أنهم يسيئون فهم طبيعة الدين وطبيعة الفن، وإن المسلمين الأوائل أدركوا علة تحريم بعض الفنون كالأمر مثلا بعد الرسم أو النحت خشية أن يرتد الناس إلى عبادة الأصنام، فلما زالت العلة وزال الخوف من عبادة الأصنام زال التحريم"، وكان يرى أن الفن يزرع السمو في نفوس البشر.

وعاش الشيخ مصطفي حياته رافضا للتعصب من كل شكل ولون، داعيا إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والأمل يحدو الجميع، كان يستهجن الدعاوى الأوروبية التي تدعى أن الجنس الأوروبى أرقى من بقية الأجناس، ورد على تلك الفكرة مرارا متحصنا بالأبحاث العلمية الحديثة؛ ذلك لأنه إن كانت الغلبة الآن للأوروبيين فقد كانت قديما للعرب ومن قبله للمصريين والعراقيين والفارسيين بما يعني أن التفوق أمر نسبي زمني لا علاقة له بالجنس وسموه.

وانتصر الإمام للبسطاء والفلاحين والضعفاء، مؤكدا على أن الفلاح المصري أكثر الناس عناء في السعي إلى تحصيل العيش وأقلهم متاعا وأضيقهم.

وأكد الشيخ مصطفي على أن الإسلام جمع بين الدين والشريعة، قائلا: "أما الدين فقد استوفاه الله كله في كتابه الكريم ولم يكل الناس إلى عقولهم في شيء منه، وأما الشريعة فقد استوفى أصولها وترك للاجتهاد تفاصيلها".

ورأى الشيخ أن مسألة الاجتهاد ضرورة وواجب وعلى كل الأئمة في كل العصور عدم غلق باب الاجتهاد لتدعيم الإسلام للحرية الفكرية، ويقول في ذلك: "قد تنبهت العقول وزالت غشاوة الغفلة عن بصائر الناس، ففهموا أن الدين ليس غلا للقلوب ولا قيدا على الأفكار، لكنه كما كان الإمام محمد عبده يقول قد كفل للإنسان أمرين عظيمين وهما استقلال الإرادة واستقلال الرأي والفكر، وبهما تكتمل إنسانية الإنسان ويستعد أن يبلغ السعادة، وأنه لا خطر على العقل الواعي من الشتت والزيغ؛ وذلك لأن البشر صنفان مخلص ومغرض، من أخلص لله فسيخلص له في كل الأحوال حتى لو أعمل عقله، ومن دخل الهوى قلبه فسيميل نحو أغراضه في كل شيء حتى لو ادعى أنه لا يعمل إلا بالنقل.

وقال كلمته الشهيرة في هذا الأمر: «إن الذين يفكون العقول من أغلالها إنما يمهدون لها السبيل إلى الحق والدين من أسمى حقائق الوجود».

كما نادي وأكد الأمام مراراً على مطالب المرأة بالحرية والعمل قائلا "إنه يتوجب علينا أن نأخذ بالتدرج في هذا الشأن؛ لأن المرأة حديثة عهد بالتعليم والخروج إلى الحياة العامة كما يرجو أن تعمل المرأة في الأمور الخيرية التي يتغافل عنها الرجل لتتكامل وظيفة المرأة مع الرجل وتتحقق الفائدة للمجتمع".

وكان له العديد من المؤلفات العلمية التي أثرت المكتبة الإسلامية وتحدث عنها العالم وصنعت نقلة نوعية في حركة التنوير منها: التمهيد لتاريخ الفلسفة ، فيلسوف العرب والْمُعَلِّم المثالي، و الدين والوحي في الإسلام، والإمام الشافعي، والإمام محمد عبده، ومذكرات مسافر، ومذكرات مقيم، وبحث في دراسة حياة البهاء زهير وشعره، ومن آثار مصطفى عبد الرازق، وهو مجموعة مقالات وأبحاث ودراسات جمعها أخوه الشيخ علي عبد الرازق بعد وفاته في أكثر من خمسمائة صفحة، وكتب لها مقدمة طويلة عن حياته وغيرها من المؤلفات التي لم تنشر.

ذهب الشيخ الإمام مصطفى عبد الرازق في 15 من فبراير سنة 1947م إلى مكتبة الأزهر فرأس جلسة المجلس الأعلى للأزهر ثم عاد إلى بيته فتناول طعامه ونام قليلا، ثم استيقظ فتوضأ وصلَّى، ثم شعر بإعياء شديد فاستُدعي الطبيب فوجد أن الشيخ قد وافته المنية، فقد نفذ قضاء الله فيه، ولا راد لقضائه.