رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ملفات شخصية
الإثنين 03/يونيو/2019 - 05:58 م

صوت لا يغيب... محمود على البنا قارئ ملك قلوب الجماهير حلقة 1

 صوت لا يغيب... محمود
رحمة حسن
aman-dostor.org/21835

كثير من الناس يحفظون القرآن، لكن قليل منهم من لفت أنظارهم بتلاوته وتربع على عرش النجومية، فالحفظ وحده لا يصنع نجومًا.

لكن القدرة على الحضور بين الجماهير وجذب الانتباه، وإضفاء مذاق خاص للقرآن تتذوقه آذان المستمعين ويستولي على مسامعهم ويلامس وجدانه تجاوبهم معه بتعبيرات إعجابهم المتلاحقة بين كل آية وأخري هى صنعية النجوم والخالدين في الذاكرة.

الشيخ محمود علي البنا، ليس مجرد قارئًا عاديًا اشتهر بعذوبة صوته، لكن امتدت شهرته للدول الإسلامية والعربية والأوروبية على حد سوا، واستطاع أن يخلد في وجدان ملايين المستمعين ومحبي التلاوات الملاتلة حتى بعد مرور أكثر من 30 عامًا على وفاته.

فسحر صوته لم يكن مؤثرًا فقط على عوام الناس، أنما نال اعجاب الكثير من الرؤساء والمسؤولين في الدولة، أبرزهم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والذي لم يخفي استحسانه للشيخ منذ أول تعارف جمع بينهم، وتوطدت العلاقة بينهم لدرجة أنه تم الاستعانة بالشيخ لتلاوة القرآن في منزل ناصر عقب وفاته.
كتاب جديد بعنوان "محمود علي البنا.. صوت لا يغيب" تأليف ابنته آمال وإصدار الهيئة العامة للكتاب، أطلاعنا على جوانب كثيرة من حياة الشيخ البارز لم يكن يعلمها الكثيرون، ففيه تم رصد ذكريات طفولته وشهرته، ونجاحاته في السباحة في بحر التلاوة الواسع.

 صوت لا يغيب... محمود

                                       يوم تشيع الرئيس


رصدت الكاتبة لحظات لا تنسي في حياة الشيخ أهمها وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، والتي وقع صداها في مساء يوم 29 سبتمبر عام 1970، حيث فوجئ الشيخ البنا باتصال هاتفي من رئاسة الجمهورية تُخبره بوفاة الرئيس وتطلب منه الحضور إلي منزل جمال عبد الناصر في منشية البكري لتلاوة آيات من الذكر الحكيم. 

وفي بيت الرئيس جلس البنا بين كبار رجال الدولة ليودعه ويشيعه بالقرآن ويبشره بآيات تتحدث عما اعده الله لعباده المؤمنين في الآخرة "يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 0سورة الصف، الآية 12). 
وظل الشيخ يتلو القرآن حتى منتصف الليلة الحزينة وقلبه يضطرب قلقًا على مصير مصر والأمة العربية، وعقله يستعرض إنجازات ناصر التي رفع بها رأس مصر عاليًا بين الأمم منها السد العالي ومعجزة بنائه والقرارات الاشتراكية والتصنيع الثقيل الذي ظهر لأول مرة في عصره وغيرها من الإنجازات. 

ولما وصل بيته، وقف أمام دولاب مقتنياته التذكارية وجوائزه وأوسمته وشهادات التقدير التي حصل عليها من مصر والدول العربية خلال مشواره مع القرآن، وتأمل من بينهم طبقًا من الفضة يحمل توقيع الرئيس عبد الناصر تقديرًا خاصًا من الرئيس للشيخ في إحدي المناسبات.
 
وظلت ذكراته تعيد لحظات تعارفه بالرئيس، والتي بدأت بعد وفاة والد عبد الناصر في الإسكندرية، حيث سافر البنا وقتها مع عدد من كبار القراء لإحياء ليلة العزاء هناك، وكانت هذه الفرصة التي رتبتها الأقدار ليستمع فيها الرئيس الراحل لتلاوة البنا والتي نالت إعجابه، وبعد انقضاء ليلة العزاء بالإسكندرية طلب الزعيم الراحل مقابلة الشيخ في منزله ليستمع إلي تلاوة مرتلة، فلما نالت إعجابه أمر في منتصف الستينات وتحديدًا في 25 مارس لعام 1964 بانضمامه إلي صفوة قراء إذاعة القرآن الكريم. 

وتوطد علاقته بالرئيس، عقب نكسة 1967، حيث بادر "البنا" بتقديم اقتراح إلي رئاسة الجمهورية بأن يقوم وفد من كبار المقرئين بالتجول في البلاد العربية وبلاد شرق آسيا وبلاد أفريقيا الإسلامية لتلاوة القرآن الكريم بين المسلمين هناك، ويعود عائد التلاوة لخزانة الدولة مساهمة من القراء في إعادة بناء الجيش وإزالة آثار العدوان. 

وظل الشيخ يحيي ليلة الاحتفال بذكري رحيل عبد الناصر كل عام مجاملًا بدون أجر وفاءً للرئيس والتزامًا أدبيًا لذاكره، وحرص على ذلك قرابة الخمسة عشر عامًا حتى وفاته في عام 1985.

 صوت لا يغيب... محمود

                                    ذكريات الطفولة والشهرة 

ولد الشيخ البنا في قراية شبراباص التابعة لمحافظة المنوفية مركز شبين الكوم، والتي تبعد عن القاهرة قرابة 85 كيلو متر، ميلاد الشيخ محمود في 17 ديسمبر 1926. 

نذره والداه الحاج علي البنا بعد مولوده للقرآن محاولةً بذلك أن يرسم لابنه بالقرآن طريقًا إلي الجنة مع أول أنفاسه في الحياة،على الرغم أن الله اغدق عليه بذرية من الذكور والأناث بعد "محمود" ليرتفع عدد أبنائه وبناته إلي 7 أفراد، لكنه جعل حلمه الكبي في ابنه الأول دون إخواته من الذكور. 

في سن الخامسة اعوام، عهد والداه به إلي الشيخ موسي المنطاش (شيخ كتاب القرية) والذي اشتهر بين أهالي شبراباص بقدرته على تعليم الصغار وتحفيظهم القرآن، ولكن لم تمضي إلا أيام وانصرف محمود عن الكٌتاب، ولم يعيده إليه إلا كلكات والداه التي دافعته لحفظ القرآن، حيث قال له:" أن حافظ القرآن جزاؤه الجنة، وأنا نذرتك للقرآن فأصبح بقاؤك بينا مرتبطًا بحفظك للقرآن، ولو تكاسلت عن حفظ القرآن فربما يحرمك الله ويحرمنا من الجنة". 

بعد أتمامه عشر سنوات، حفظ القرآن كاملًا، ولكن أحلام والداه لم تقف عند هذا الحد، فأراد أن يدرس محمود علوم القرآن والأحاديث النبوية، فنتقل وعمره لايتجاوز الحادية عشرة إلي طنطا للالتحاق بمعهد المنشاوي للدراسة، وأشتهر بين رفاقه بقدرته البارعة في تقليد كبار القراء والمطربين لدرجة أن مسؤول المعهد أثني على أدائه وبشره بمستقبل كبير. 

تغير مسار البنا من طالب في معهد المنشاوي إلي إعداده ليصبح قارئًا للقرآن في المعهد الأحمدي تحت أشراف الشيخ إبراهيم سلام (مًعلم في المعهد وذاعت شهرته بين أهل طنطا)، وبعد مرور ثلاثة أعوام تعلم البنا الكثير من القراءت ليتخرج مجودًا ومرتلًا للقرآن بالقراءات العشر. 

بعد تخرجه من المعهد، انصاع لنصيحة استاذه سلام بأن يكمل مشواره في التلاوة بالقاهرة ويحصل على شهادة إجازة تجويد القرآن من الأزهر الشريف وذلك في عام 1946، وسافر إلي القاهرة للحصول على الشهادة وبعد اجتيازه لاختبارات عديدة كان له ما أراد ونال إجازة التجويد وحصل على شهادة الإجازة من الأزهر الشريف. 

بعد حصوله على الشهادة، لم يتبقي له إلا أن يتعلم من أداء كبار القراء إبداعات التلاوة، فتفرغ البنا لمتابعة الاحتفالات والمناسبات الدينية والتي كان يحييها كبار القراء في هذه الآونة، وكان منهم الشيخ محمد رفعت والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي والشيخ محمد سلامة وغيرهم، وأدرك أمام براعة أداء القراء بأن دنيا التلاوة بحر اسع وعلم كبير، وأن التعلم شئ والإبداع شئ آخر. 

وكان المسابقات السنوية التي تعقدها جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة نقطة تحول في حياته، حيث استطاع في صيف 1947 الفوز في المسابقة السنوية لحفظ القرآن وحصل على شهادة تقدير وجائزة مالية، سلمها له صالح باشا حرب رئيس المجلس الأعلى للجمعية، والذي كلفه بالاشتراك في الأمسيات الدينية الأسبوعية التي تقييمها الجمعية، والتي كانت سببًا في شهرته بين روادها وأعضائها. 

وفي نهاية أربعينات القرن العشرين، كانت المرة الأولي لتلاوة النبا على مسرح الأوبرا في الحفل السنوي الذي تقيمه جميعة الشباب المسلمين على المسرح بحضور كبار الشخصيات العامة في الدولة وسفراء الدول العربية وغيرهم، فجاءت تلاوته في هذه الليلة حول هجرة الرسول:" إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا"(سورة التوبة). 

ولاقت هذه التلاوة استحسان الجميع. ولم يمض اسبوع إلا وأرسلت الإذاعة خطابا للشيخ البنا تطلب منه الحضور للاختبار أمام لجنة القراءة، وكانت اللجنة مكونة من أربعة أساتذة من أعتى علماء الدين والعلوم القرآنية في ذلم الوقت عام 1948.

 وكانت تلاوته لسورة الإسراء الآية 23:" قَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا"، اعلانًا لانضمامه بجدارة إلي قراء الإذاعة في 17 ديسمبر 1948 ليصبح هذا اليوم نقطة تحول في مشوار نجاحه. 

وكان ميكروفون الإذاعة هو الخطوة الأولي نحو النجومية التي صنعها باجتهاده، فلم يمض على نجاحه أمام لجنة القراء إلا أيام قليلة وتسلم خطابًا من الأذاعة بموعد تلاوته الأولي في تمام الساعة السادسة صباحًا لتسمعه مصر كلها وبلاد أخري حول العالم، وبعد الانتهاء من تلاوته، تلقت الأذاعة في نهاية هذا اليوم والأيام التالية عددًا هائلًا من البرقيات التي اشاد فيها جمهور المستمعين بالصوت القرآني الجديد. 

إلي جانب عمله في الإذاعة، تلقي الشيخ ترشيحات من وزارة الأوقاف للعمل قارئًا في أفخم مساجد القاهرة ليؤدي تلاوته في صلاة الجمعة والمناسبات والاحتفالات الدينية التي تقام في المساجد، فكانت البداية في مسجد "عين الحياة" بحدائق القبة، حيث قضى الشيخ البنا ثلاث سنوات متتالية من 1953 إلي 1956 قارئًا هناك. 

وبعد ثلاث سنوات قضاها في مسجد "عين الحياة" تلقي ترشيحًا من وزارة الأوقاف للعمل قارئًا بمسجد الرفاعي في نهاية عام 1956، ورسمت له الأقدار طريقًا جديدًا عام 1958 مع القرآن تجاوز فيه مساجد القاهرة، لينتقل بتلاوته إلي مدينة طنطا بمحافظة الغربية، حيث تم انتدابه من قبل وزارة الأوقاف للعمل في مسجد السيد البدوي بطنطا. 

وامتد انتداب "البنا" في مسجد السيد البدوي إلي 23 عامًا متتالية صنع خلالها نجومية طنطاوية، حتى أصبح الناس يلقبونه بـ "قارئ السيد البدوي". 

وشهدت ستينات القرن العشرين ذيوعًا وانتشارًا كبيرًا لشهرة "البنا" خصوصًا بعد ظهور التليفزيون في مصر، فكان أول ظهور له في منتصف شهر اغسطس عام 1960، وأصبح التليفزيون نافذة إعلامية جديدة ليزداد شهرة وشيوعًا بين الناس وتجاوز بشهرته القطر المصري إلي البلاد العربية. 

ومع بدايات الستينات ايضًا، انضم "البنا" إلي البعثات الدينية التي كانت وزارة الأوقاف توفدها إلي الدول العربية والإسلامية لإحياء ليالي رمضان هناك وتحديدًا في عام 1962، فشهدت هذه المرحلة بداية ذيوع صيته وانتشاره في العالم العربي والإسلامي، وبمرور السنوات تجاوز بتلاوته الشاشة المصرية وانطلق إلي شاشات الفضائية العربية والإسلامية. 

واستطاع البنا أن يتجاوز بشهرته حدود وطنه إلي البلاد العربية والإسلامية والأجنبية، حيث كان ضمن بعثات وزارة الأوقاف المصرية التي كانت ترسل فيها الأئمة والوعاظ والقراء ورجال الدين إلي أنحاء البلاد العربية والإسلامية لإحياء ليال شهر رمضان كل عام.