رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
السبت 01/يونيو/2019 - 03:05 ص

محنة المنافقين

محنة المنافقين
الدكتور حسام بدر- جامعة الأزهر
aman-dostor.org/21775

يقول الخالق تصويرا لحال المنافقين:"يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، وفي الانجيل "يَأْتُونَكُمْ بِثِيَابِ الْحُمْلاَنِ وَلَكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِلٍ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ!".

في الآية القرآنية رسمٌ لملامح المنافقين يتجلى في مشهد يجسد حالة من أمل مفقود ورجاء يودي إلى طريق مسدود.. لقد دار في ذهني وأنا اقرأ هذه الآية تلون بعض علماء الدين "ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون"، وهي فئة تتحرق شوقا إلى متاع قليل تافه حقير، فتعرض من أجل هذا بضاعتها من التدليس والتحريف واللبس والتلبيس، ومن خلال حصاد ألسنتها وليّها تتخبط الأذهان، ولا يدرك المتلقي للكلام الحدود بين الغي والحق، فالقائل مفتون والسامع مغبون، فكل الثوابت متغيرة أو أحيانا متحركة، ولا استقرار على مبدأ ابتداءً، ولا قيمة لقيم أو مُثل، وهم بذلك كالوصف الإنجيلي "ذئاب في صور حملان".

إن آفة علماء الدين أو المتنطعين منهم على العلم كالدعاة الجدد الأدعياء، حين نفاقهم، تأويل مالا يؤول، فيُعتسف التفسير، ويُزعم من خلال ذلك أن لرأيهم امتدادا من نصوص في التراث، وهناك بالطبع سامع لجهله لا يفرق بين النص والمدلول، فيحدث الشك والتخبط، ويقع النزاع والخصام بين فئات المجتمع، فالرب أصبح ربين والقرآن قرآنين، ولتتحول القبلة إلى قبلتين.

فعل ذلك ذي قبل الذين هادوا "يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِه"، و"من بعد مواضعه"، ويلبسون الحق بالباطل، وليّ اللسان ابتغاء مال أو رضى سلطان.. لقد حدث ذلك ذات مرة بين أروقة الكنيسة في العصور الوسطى، رغم ما ذكر في كتابهم أن "المنافق يثير الخصومات"! وما أشبه اليوم بالبارحة، والفارق اختلاف الأديان.

سألت نفسي: لماذا يستبدل مثل هؤلاءــ رغم علمهم الديني أو تحدثهم باسم الدين ــ الشقاء بالنقاء؛ وهو شقاءٌ بمثابة التردي من الشموخ والعلياء إلى هوة المذلة والازدراء؟ إنها أهواؤهم التي تؤرجحهم بغية الوصول إلى مقاصدهم، بل نراهم يتبجحون ويبررون مسلكهم "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ"، إنه عجز عن مشاهدة النور بعدما نسوا حظًا مما ذكروا به، وأضلهم مسعاهم عن إدراك الحق والحقيقة "وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا".

جال في خاطري أن البرق ما هو إلا انعكاس لصور الآمال المتوهمة لدى المنافقين ظالمي أنفسهم، ملهاة رغبة في مال مما يميلون إليه من عرض الدنيا، فـ"ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" يتوهمون أنه سينقذهم من ورطات غبائهم وغيهم في طلب الدنيا، وما البرق إلا سراب ينتهي إلى عذاب، فإن تخيلوا أنهم بذلك ماكرون، فما أكثر ما تكررت "وما الله بغافل عما يعملون"، ينبهرون بهذه الآمال يسيرون فيها، وإذا تبددت قاموا بالبحث عن أوهام (آمال) أخرى إليها يرحلون.

إن الحكمة الإلهية في ذلك ما هي إلا استدراج لذليل و"سنستدرجهم من حيث لا يعلمون"، وتسيير إلى محنة لا خروج عنها من سبيل "فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ"، والقادر قادر على منعهم حتى بريق البرق المخادع بسلب سمعهم وأبصارهم.

يسألني سائل ما ذنب من يفتتن بمثل هؤلاء؟ له حكمته في هذا، أخالها اختبارا لمن رأى ظلم المنافق ولم يُثر، وكان لذلك غير مبال، أو سكت خِشية على دنيا زوال، أو خيفة من سوء حال.

بعدما أنفق عالم الدين أو الداعي الدعِيّ ما أنفق من نفاقه وبذل من ماء الوجه وإهدار الكرامة، أصبح "يقلب كفيه على ما أنفق" حينئذ ما لاح إذ لاح إلا سوء المصير، فالخسران يؤكده فرق بين سمع يسمع وسمع يعي، الذين هم عنه "لمعزولون"، وبصر يرى وينظر وبصر يدرك "وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون".

هنا تأتي النهاية ويُسدل الستار، مشهد رحيل العالم أو الدعيّ المنافق ونفوقه، فليس ثمة بارقة أمل تلوح أمام عينيه، في إنقاذ متوهم يثبّت أرضا مزلزلة تحت أرجله.

ما أشبه نفاق عالم الدين (وكذا الدعاة الأدعياة المرتزقة) بالإشراك، فالهدف إرضاء واسترضاء من يهبه العطايا من مال أو جاه، وكلاهما (المشرك وعالم الدين أو الدعيّ المنافق) "كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ"، إن صورة طلب الماء من بُعد يعكس صورة العيش في خدعة كبريق البرق المخادع، يتعلق به الداعية المنافق، وهو تعلق لا يريد أن ينفك عنه "كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ"، "كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء"، إنها محنة الأدعياء الدعاة في أرض النفاق، طلبًا لما يروي عطشهم ولو كان سرابا، والسراب لا يطفئ لهب الظمأ!