رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الإثنين 13/مايو/2019 - 08:55 ص

على أطلال حلم الدولة العثمانية

على أطلال حلم الدولة
بقلم د . ماريان جرجس
aman-dostor.org/21273

بين لعثمة تركيا في ترتيب أوراقها جيدًا واستثارة الغضب تجاهها من أكثر من جبهة، تبدو وأنها قد ضيقت الخناق على ذاتها لترثي حُلم استرجاع الدولة العثمانية، ولكنها لا تعترف حتى الآن بالمأزق الحقيقي الذي تمر به.

وبرغم التدهور الاقتصادي الذي تشهده تركيا، ونسب التضخم ونقص السلع الأساسية، واستبعادها من صفقة الطائرات "إف 35" الأمريكية بناءً على رغبة "دولة معينة" كما صرحت، وبالإضافة إلى اضطرابات داخلية إثر الانتخابات وإعادتها، جاء تصريح "خلوصى أكار" وزير الدفاع التركي مبتوت الصلة عن المنطقية والدبلوماسية، والذي أكد فيه حق تركيا في التنقيب عن الغاز شرق المتوسط، والإطاحة بكل الأعراف الدولية، والخرق البيّن لقانون البحار الذي نظمته الأمم المتحدة في عام 1982م.

ولكن لماذا الآن؟ لماذا الآن تتحرك سفينة الفاتح صبيحة السبت الماضي لتبدأ خرق القانون الدولي جهرًا؟ ربما لاستفزاز مصر أو لأن نجاحات مصر المستمرة باتت تستفز تركيا، خاصة أن الصراع التركي القبرصي ليس وليد اليوم.

ففي عام 1982م، وبعد تصديق وتوقيع 157 دولة على قانون البحار للأمم المتحدة الذي ينظم بشكل واضح وصريح الحدود المائية بالإضافة إلى المجالات الجوية، والذي أقر سيادة الدول على مياها الإقليمية على بعد 12 ميلا، والمناطق الاقتصادية الخالصة 200 ميلا، والجرف القاري 350 ميلا، والذي احترمته مصر وقامت بترسيم الحدود المائية اليونانية القبرصية المصرية في 2014م، وقننت موقفها بوضع تلك الاتفاقية في الأمم المتحدة، مما أسفر عن مثلث هادئ ومثمر في مياه المتوسط، وحرصت منذ ذلك الحين على تحسين العلاقات القبرصية اليونانية المصرية، في الوقت ذاته، ازدادت التوترات بين تركيا وقبرص لعدم اعتراف تركيا بقبرص والخلافات المستمرة، علمًا بأن تركيا لم توقع على قانون البحار الدولي، ربما لكي لا تفقد مكتسبات وهمية من اتفاقية لوزان التي تمثل واحدة من المزاعم الوهمية لقيادة تركيا لاسترجاع السلطنة العثمانية.

ومنذ ترسيم الحدود المائية المصرية، ومصر تمضي بخطوات سريعة نحو الترقي في مجال الطاقة، بدأت برسم شبكة من خطوط الأنابيب لنقل الغاز وإسالته في مصر وتصديره، والذي كانت تطمح تركيا أن يمر من خلالها لأوروبا، ثم بعد ذلك إقامة منتدى غاز شرق المتوسط، ومقره في القاهرة، ويضم سبعة دول منها قبرص واليونان والأردن وإيطاليا وفلسطين وإسرائيل، والأخيرة هي واحدة من الثلاث دول التي لم توقع على قانون البحار الدولي ولكن بتواجدها في منتدى غاز المتوسط تضمن مصر عدم الصدام معها تفاديًا لمطامعها الاستعمارية بل شراكتها، ذلك المنتدى الذي يضمن تعاون السبع دول باحتياطي كبير من الغاز يُقدر بنحو 122 تريليون قدم مكعب.

ومن ثمّ بخطوات مصر الذكية استطاعت أن تحقق نجاحًا كبيرًا في مجال الطاقة والغاز تحديدًا، عوضًا عن حجز مقعدها في مبادرة الحزام والطريق في بكين، والذي يبدو أنه كان القشة التي قصمت ظهر البعير، فأطاح بأحلام تركيا في أي مكاسب غير قانونية أو تحقيق لأي مطامع استعمارية في الإقليم.

مما أثار استنفار الجانب التركي، ليبدأ الصدام مع قبرص واليونان من جانب، والحلف الأطلسي من جانب آخر، وربما المجتمع الدولي بأكمله غدًا.

فهل تستطيع تركيا أن ترسي حلم السلطنة العثمانية في ظل كل التوترات الداخلية وترنح اقتصادها وتوتر علاقاتها بين دول الجوار؟