رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
السبت 04/مايو/2019 - 02:52 م

مذكرات سلفي في حزب النور

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
رحمة حسن
aman-dostor.org/20995

اشتدت حدة الانتقادات على حزب النور (الذراع السياسي للدعوة السلفية) وياسر برهامي ( نائب رئيس الدعوة السلفية) في الفترة الأخيرة، حيث اعتبر البعض أن السلفيين بقيادة "برهامي" منهجهم تكفيري، ودخولهم المعترك السياسي أضر بالدعوة أكثر مما افادها، كما زعم آخرون أن  تمثيله في مؤسسات الدولة سوف يغرق البلد في بحر من الدماء.


ورغم ردود أبناء الحزب وأنصار الدعوة السلفية على هذه الاتهامات، إلا أن ذلك لم يرهب المختلفين مع الدعوة السلفية ونائبها "برهامي".

من هؤلاء "محمود عباس" أحد مؤسسي حزب النور في أعقاب ثورة 25 يناير، والذي انشق بعد ذلك ومعه عدد من القيادات السلفية أبرزهم د. عماد عبد الغفور ، د. يسري حماد والأستاذ أسامة عبد الفتاح وغيرهم.

وثق "عباس" شهادته عن الأحداث التي عاصرها إبان وبعد تدشين حزب النور السلفي في كتاب بعنوان "مذكرات سلفي من حزب النور"، حيث كان من أبرز مؤسسي الحزب وتم اختياره أميناً لدائرة الرمل بالإسكندرية، ثم أصبح بعد ذلك ضمن الهيئة العليا للحزب.

في مذكرات وصل محتواها إلي 110 صفحة، سرد "عباس" كيف تغلغت الدعوة السلفية إلي الحزب وتحكمت في كافة شئونه، فضلاً عن خطتها في نزع المناصب القيادية من مؤسسي الحزب وإزاحه من طريقهم كل المقربين من عماد عبد الغفور (رئيس حزب النور السابق)، حتى تستأثر "جبهة برهامي" بالحزب (حسبما ذكر الكاتب).


في السطور التالية، سوف نستعرض شهادة الكاتب عن الفترة التي قضاها في الحزب، وسر انتقاد الدعوة السلفية للحزب بداية تأسيسه ووصفها الدخول للمعترك السياسي بأنه "نتانة"، ثم تراجعها بعد ذلك، وحثها اتباعها للانضمام إليه، بالإضافة إلي معرفة كيف دفع "برهامي" بتلامذته والمقربين منه للاحتكار بكل المناصب داخل الحزب (حسبما وصف الكاتب) .

محمود عباس
محمود عباس

مرحلة التأسيس ..

دفت ثورة 25 يناير 2011، العديد من التيارات ذي المرجعية الإسلامية للمشاركة في الحياة السياسية وفق إيدلوجيتهم الإسلامية، فحسبما ذكر الكاتب، درات نقاشات كثيرة بخصوص الاشتراك في العمل السياسي، حيث طرح السلفيون في ذلك الوقت عدة خيارات، أولها :الانضمام لحزب الوسط ذو الخلفية الإسلامية (انشأ بمجموعة منشقة عن الإخوان)، ثانياً الاشتراك في حزب العمل المعارض لحكم مبارك، أو تدشين حزب جديد ذي مرجعية إسلامية.


فاتفق الحضور على تأسيس حزب جديد ذي مرجعية إسلامية بصبغة سلفية باعتبار أن السلفيين كانوا متغلغلين في المجتمع ولهم أنصار بالآلاف، وتم الاستعانة بعدد من الكودار السلفية ليكونوا نوة الحزب منهم: (بسام الزرقا، يسري حماد، نادر بكار، طلعت مرزوق، وغيره) وتم الاتفاق على تسميته حزب النور (تم تسميه الحزب بواسطة الكاتب وتم الموافقة عليه من قبل المؤسسين والأعضاء)، وأن يكون المقر في مدينة زيزينيا بالإسكندرية.

ورغم اتفاق عدد كبير من السلفيين على تدشين الحزب، إلا أنه توالت ردود الأفعال الغاضبة جراء هذا التكوين السياسي الجديد، فضلاً عن تخوفات عدد كبير من أنصار وقيادات الدعوة السلفية أبرزهم كان د. بسام الزرقا (عضو الهيئة العليا للحزب فيما بعد، ومستشار الرئيس الأسبق محمد مرسي)، حيث برر ذلك بالخوف من الزج بالعديد من السلفيين داخل السجون مرة أخري. 

ورغم محاولة "عماد عبد الغفور" طمأنة قيادات الدعوة السلفية:" بأن السلفيين اصبحوا بالملايين وليسوا عدة عشرات أو الآلاف كما كانوا في السابق لذلك لا داعي للتخوف"،  إلا أن بعضهم حرض على الاحجام عن عمل توكيلات للحزب، كما وصفوا الانخراط في العمل السياسي بأنه "نتانة"، وافتوا بحرمة الأحزاب، بينما اقترح البعض الأخر أن يتم انشاء الحزب بعد 4 سنوات حتى تتضح الأمور. 

ومع ذلك، أصر عماد عبد الغفور على تدشين الحزب، وتم الموافقة على تأسيسه واتفق الأعضاء أن يكون "عبد الغفور" رئيساً له لمدة 10 سنوات، بعد ذلك، أعطى رئيس الحزب توجيهات لتغيير الصورة الذهنية عن الإسلاميين بأنهم أصحاب اللحى والجلاليب فقط، وذلك بارتداء البدل الكاملة أو على الأقل القميص والبنطلون، ورغم معارضة البعض في البداية إلا أنهم رضخوا في النهاية والتزاموا بهذه التوجيهات.


اتباع الدعوة السلفية
اتباع الدعوة السلفية

لعبة الانتخابات

تم تدشين الحزب  في يونيو 2011،  وفور الإعلان عن خوض الانتخابات البرلمانية التي انعقدت في نوفمبر 2011، بدأ اتباع الدعوة السلفية الدخول إلي الحزب، وتم الدفع بهم للترشح في الانتخابات، فضلاً عن حذف أسماء بعض اعضاء الحزب واضافة عدد كبير من المقربين من ياسر برهامي، وفي هذا الشأن، قال الكاتب أنه مورست العديد من الضغوط على عماد عبد الغفور للدفع ببعض التابعين لبرهامي.

وفور الإعلان عن إدارة الحملة الانتخابية للحزب، حسبما ذكر الكاتب، جاءت أوامر من الدعوة السلفية بأن ينضم ثلاث اعضاء من الدعوة في الحملة الانتخابية لمساعدة الحزب رغم أنهم لايملكون  خبرة سابقة في هذا الشأن (لكنهم كانوا من تلامذة برهامي لذلك كان لابد من الدفع بهم).

واشار الكاتب إلي أن أثناء عقد الحزب نيته عن الترشح للانتخابات، حل على الحزب ما يسمي بـ "البراشوت" أي العضو الذي لم يكن في البداية من الحزب ولم يشارك في تأسيسه وأنما سعي لتحقيق مكاسب شخصية من وراء الترشح.

وبعد تنظيم أكثر من مؤتمر والترويج للحزب إعلاميًا وشعبياً، بدأ يتم اقصاء أمناء الحزب عن المشاركة في الندوات والمؤتمرات وتم اقحام مسئولي الدعوة السلفية بحجة أنهم الأقدر على قيادة العمل في الإسكندرية، وقرابة الانتخابات تم توجيه أنصار الدعوة السلفية للانضمام للحزب والانخراط في صفوفه والمشاركة في اللجان الانتخابية من قبل قيادات السلفية، حسبما ورد في الكتاب.

ويعد المؤتمر الذي حضره عدد كبير من قيادات الدعوة السلفية باستاد الإسكندرية قبيل الانتخابات، أبلغ رسالة من قبل الدعوة بأنها تغلغت داخل الحزب واصبحت تتحكم في كافة شؤونه، وما أكد ذلك المؤتمر الذي تلاه وحضره عدد من القيادات من أجل التعارف بين أعضاء الحزب والدعوة السلفية، وفي نهايته تم الإعلان رسمياً أن الحزب اصبح الذراع السياسي للدعوة السلفية وطالب كافة أنصار الدعوة واتباعها بالانضمام للحزب.

وبدأت الدعوة السلفية تروج للانتخابات ولمرشحي الحزب عبر المؤتمرات والندوات، فضلاً أنه لأول مرة تم عمل مؤتمر نسائي من أجل تعريف المرأة بحقوقها السياسية وحثها على المشاركة في الانتخابات، وهو ما انعكس ايجاباً على نسبة المشاركة من أجل التصويت للحزب والتي جاءت مرتفعة.

وأبرز الكاتب أن هناك عدة خطايا أثرت على نسبة نجاح الحزب في الانتخابات والتي وصلت إلي 21.8% بينما حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسي لجماعة الإخوان) حصل على نسبة 45.8%، منها تصريحات مرشحي الحزب وابرزهم "عبد المنعم الشحات" بشكل عدائي للأقباط، فضلاً عن عدم خبرة الحزب في تنظيم العملية الانتخابية والمتابعة في اللجان وجود خروقات من بعض شباب السلفية جعلت العديد يتخوفون من إعطاء أصواتهم للحزب، خاصةً أن أحد اتباع السلفية رفض الرد على أحد السيدات بشأن الاستفسار على لجنتها الانتخابية أمام اللجان وقال لها :" روحي اتحجبي الأول".

ولفت الكاتب إلي أنه حدث خلاف بين اتباع الدعوة السلفيين حول توجيه التصويت لأي المرشحين في الإعادة والتي كانت بين المستشار الخضيري (مرشح عن حزب الحرية والعدالة) وطلعت مصطفي (قيادي سابق في الحزب الوطني)، زعم البعض أن أحد المقربين من ياسر برهامي قرر دعم مرشح النظام القديم مقابل الأموال (وهذا الامر نفه رئيس الحزب السابق عماد عبد الغفور)، ولكن حسبما اشار الكاتب كان هناك بعض الشواهد تؤكد ذلك أبرزها الصور التي تجمع بين مصطفي المغني(مرشح حزب النور) وطلعت فهمي (مرشح النظام القديم).

واستطرد حديثه، في المرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية تحالف الحزب مع حزبي البناء والتنمية والإصالة من أجل كسب اصوات، ما جعل الحزب يحصل على 25% من مقاعد البرلمان ليحتل بذلك المرتبة الثانية بعد الحرية والعدالة والذي حصل على 45% من المقاعد.


مذكرات سلفي في حزب

انتهاكات انصار برهامي

عرض الكاتب عدة وقائع في مذكراته، أبرزها هجوم ياسر برهامي على جريدة النور التي أسسها عبد الغفور لتكون لسان حال الحزب، وحرض أنصاره على حرق النسخة الأولي من العدد الأول بعدما حقق نجاحا كبيرا وتم بيع أكثر من 40 ألف نسخة.

وفي انتخابات مجلس الشوري والتي تمت في يناير 2012، توغل أتباع الدعوة السلفية (جبهة برهامي) في الحزب واصبحوا يتحكمون في كل الدعايا الانتخابية، وأصبح يتم اقصاء جبهة عماد عبد الغفور  بتعليمات من برهامي واطلاق عليهم اسم المنبوذين، فضلاً عن رفض اي افكار تطرح من قبل شباب السلفيين أو أنصار عماد عبد الغفور لتطوير الحزب او تقديم اطروحات جديدة، فكان يتم رفضها على الفور.

اتباع الدعوة السلفية
اتباع الدعوة السلفية أمام اللجان الانتخابية

الانتخابات الرئاسية

فور الإعلان عن الانتخابات الرئاسية عام 2012، وتقدم أكثر من مرشح إسلامي للانتخابات مثل خيرت الشاطر، محمد سليم العوا، عبد المنعم ابو الفتوح، محمد مرسي، حازم صلاح ابو إسماعيل، باسم خفاجي، انقسم اتباع الدعوة السلفية حول تأييد اي المرشحين، فالبعض أيد خيرت الشاطر، وأخرون أيدو حازم صلاح أبو إسماعيل، وهنا أوضح الكاتب أن "ابو إسماعيل" رغم أنه نظم أكثر من لقاء للاجتماع مع الدعوة السلفية لكسب أصواتهم إلا أنه كان غير مرغوب فيه من قيادات الدعوة السلفية وعلى رأسهم برهامي، رغم تأييد الحزب وأتباع الدعوة السلفية له. 

واشار إلي أنه بعد استبعاد المرشحان السابق ذكرهما، تجددت الخلافات مرة أخري بين اتباع الدعوة السلفية، حيث اتفق برهامي وانصارة والعديد من اعضاء الحزب على تأييد عبد المنعم أبو الفتوح ، بينما على الجانب الاخر، أعلن سيد عبد العظيم (أحد قيادات الدعوة السلفية) تأييده لمحمد مرسي، ونفسه الأمر أعلن عنه محمد إسماعيل المقدم (أحد قيادات الدعوة السلفية).

ولفت الكاتب إلي أنه فور خروج عبد المنعم أبو الفتوح من الانتخابات في مرحلة الإعادة والتي حسمت بين أحمد شفيق (مرشح الرئاسة السابق ذو خليفة عسكرية)، وبين محمد مرسي (مرشح حزب الحرية والعدالة)، انحاز الكثير من السلفيين ‘إلي محمد مرسي واتفقوا على إعطائه أصواتهم، بينما أنصار برهامي والتابعين له، دبروا مقابلة مع أحمد شفيق من أجل دعمه في الانتخابات على املاً الحصول على بعض المكتسبات السياسية سواء مناصب في الوزارة الجديدة، أو في مؤسسات الدولة.

وبعد فوز محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية، أعطي برهامي توجيهات للحزب بعدم التعاون مع الرئيس الجديد ولا حزبه، وتم اتخاذ خطوات لإقالة قيادات الحزب المتتخبة وتعيين أخرون من اتباع الدعوة بحيث يكون برهامي وأتباعه المسيطرون على الحزب. 


عماد عبد الغفور
عماد عبد الغفور

الانشقاق الاخير

بدأ برهامي وانصاره في اتخاذ خطوات تصاعدية ضد رئيس الحزب ومؤسسيه، لتهميش دورهم وعزلهم من المناصب، حيث دعوا لانتخابات داخلية للإطاحة برئيس الحزب عماد عبد الغفور وتعيين شخص أخر مناصر (لجبهة برهامي)، كما تم عزل عدد من القيادات وتعيين غيرهم من اتباع الدعوة السلفية. وهذا ما دفع المؤسسين الأوائل للحزب إلي الاعتراض على هذه الخطوات وأعلنوا تشكيل جبهة الإصلاح الداخلي (تضم أنصار عماد عماد عبد الغفور). 

ورغم تدخل عدد كبير من القيادات السلفية لحل الأزمة لكن لم تفلح جهودهم بسب تعند برهامي ورغبته في السيطرة (حسب وصف الكاتب)، حيث قال برهامي بعد اعتراض  الجبهة على تصرفات انصاره :" دعهم يتحدثون .. وإذا حشدوا مئات سنرد عليهم بحشد الآلاف"، كما سعي لشراء صمت بعض من تدخلوا لحل الأزمة بإعطائه منصب عضوا في مجلس شورى الدعوة السلفية (حسبما ذكر الكاتب).

وتابع: انفقت الدعوة السلفية الكثير من الأموال على كتائبها الالكترونية لسب كل من يهاجم جبهة برهامي ولتوجيه الاتهامات لجبهة الإصلاح الداخلي. 

 وبعد خلافات طويلة ومشادات بين الطرفين وإصرار جبهة "برهامي" على عزل عماد عبد الغفور، اقترح محمد إسماعيل المقدم أن يتم تدشن حزب جديد بمعزل عن حزب النور، وبالفعل استجاب "عبد الغفور" لهذا الاقتراح، وتم تأسيس حزب الوطن في يناير 2013، وانضم إليه العديد من المنشقين عن حزب النور.